(حكايات ما بعد ليلة العرس) ثوب العرس المكوي وأنفاس مثقلة

د. لبنى مرتضى

قبل ليلة العرس

ثمة طقوس لا تظهر في هذا الألبوم الأبيض كوقوف العروس أمام المرآة لساعات، بينما تمر المكواة بحرص على كل سنتيمتر من قماش فستانها. وكأنها تحاول كيّ تجاعيد الماضي، ومحو كل ما هو غير كامل في طريقها نحو ‘البداية المثالية’. لكن ما أن تنتهي الليلة الأولى، وتسقط آخر قطعة من الأرز من شعرها، حتى تبدأ التجاعيد بالظهور تباعا… ليس على الثوب وحده، بل على حكاية الزواج بأكملها. هذا المقال هو محاولة لرفع ذلك الثوب المكوي قليلًا، وقراءة الحكايات التي تُروى بعد انطفاء الشموع.

_هل يكفي أن نكوي ثوب العرس جيدًا لنحصل على زواج لا تجاعيد فيه؟ سؤال يبدو ساذجًا، لكنه يحمل إرثًا من التوقعات المجتمعية التي تبدأ بالتحضيرات وتنتهي عند حكايات ما بعد ليلة العرس. فخلف كل فستان أبيض قصة لا تظهر في الصور، وخلف كل ‘ليلة حلوة’ حكايات مؤلمة، مضحكة، أو غريبة ترويها النساء في المجالس الخاصة. فهذه الرحلة الطويلة بين طيات القماش المكوي، وماتبقى من ليلة الزفاف معلقة في الذاكرة، بينما تتحول الأيام التي تليها إلى حكايات تتناقلها الأجيال.

دلالات كي الثوب قبل الزفاف:
إن دلالات “كي الثوب قبل الزفاف تختلف بين العادات والتفسيرات الحديثة
ففي المعتقدات التراثية (خاصة في بعض الثقافات العربية) تكون هناك دلالات عن إزالة “عقد” أو طاقات سلبية عن العروس، تمهيدًا لحياة زوجية سعيدة ومستقرة. ومن جانب آخر تعبر عن جلب الحظ والتفاؤل فعادة تنعيم الثوب يرمز لتنعيم الحياة وتسهيل الأمور وتيسيرها.

وهناك بعض الأشخاص يعتقدون أن هذا الموضوع يعتمد عى طرد الحسد والعين وأن الكي بالنار أو المكواة الساخنة يبطل تأثير الحسد أو السحر ومن المنظور النفسي والاجتماعي: يعتبر طقس يساعد العروس على الشعور بالهدوء والجاهزية قبل الزفاف ورمز للعناية والاهتمام وإظهار حرص العروس على اتمام الزواج بأفضل وأجمل الصور.

دلالات معاصرة:
غالبًا ما يُمارس اليوم لأسباب عملية (إزالة التجاعيد) أو توارث عائلي دون معتقدات خارقة، وقد يُنظر إليه كخرافة في الأوساط الأقل تمسكًا بالتقاليد والموروث الشعبي. فدلالته الأساسية هي التفاؤل بزفاف سلس وحياة زوجية ناعمة، لكن تبقى معتقدات شعبية غير مثبتة علميًا.

وآخرون يعتبرون هذه الظاهرة رمزا للنقاء والطهارة فالكي يزيل “عوالق” القماش، مجازًا يُشبه تهيئة العروس نفسياً وجسدياً لمرحلة جديدة. وحالة لتثبيت النوايا فالحرارة تُستخدم في بعض الطقوس كوسيلة “لتثبيت” الدعوات الصالحة أو نية الارتباط المبارك.

ويُعتقد أن دفء الثوب ينقل شعوراً بالأمان والراحة للعروس، وكأنه “احتضان” وقائي وفي بعض القرى، تُمرر المكواة على الثوب مع أوراق حرمل أو بذور رقية، ليكون الثوب حاجزاً طاقياً فالكي الجماعي (مع الأم أو الأخوات) كان وسيلة لنقل الخبرات والنصائح الزوجية، وتحويله لفرصة للتواصل العائلي.

فكثيرون يرونها عادة اجتماعية حميدة لا ضرر فيها، طالما لم تُقترن بمعتقدات شركية (كاعتقاد أن الكي وحده يجلب الحظ أو يدفع الضر)

ليلة العرس وما بعدها:
هي لحظة ارتداء الثوب المثالي ويصبح وقتها هذا الثوب المكوي بؤرة للاحتفال تشمل التصوير_الرقص_ الأغاني_ وبعض التوقعات المجتمعية من العروس والعريس.

فما بعد ليلة العرس هنا تكمن الحقيقة المخبئة والتي نرمز لها لإعادة التجاعيد وانكشاف الواقع بعد الفرح والاستيقاظ من حالة الحلم التي ترسم لها الفتاة لوحات ملونة ومزركشة وتقرأ لها الكثير من القصص والروايات التي تحمل العديد من اللغات والعناويين. وتكمن حالة ربط الواقع بالحلم وماروته هذه القصص وحكايات النساء عن ليلة الزفاف وما بعدها وكيف تتشكل ثقافة الزواج، فهي المقارنة والمقاربة الحقيقية بين الصورة المثالية للزواج (كالثوب المكوي) وبين ما تخفيه الحكايات من تحديات حقيقية، والتي ستصبح لاحقا مادة للتداول داخل العائلة الواحدة والمجتمع لتؤثر على الأجيال القادمة وتبقى الحكاية لتعود من الأول.

وهناك بعض التحاليل النفسية المهمة التي اهتمت بمفهوم مايسمى (الإحباط الزوجي) أو الاحباط الجنسي ومن أهمها كانت للطبيب النفسي فيلهم رايش وكان أبرز ماورد من أفكار حول هذا الموضوع:

ما يتعلق بجذور الإحباط فقد يرى رايش أن السبب الرئيسي للمشاكل الزوجية هو مزيج من البلادة الجنسية” (التي تنشأ حتماً من القرب الدائم لشريك واحد) والاعتماد الاقتصادي، مما يجعل حل هذه المشاكل شبه مستحيل في إطار الزواج التقليدي الأحادي القسري.

وكان من الحلول المقترحة والتى دعا إليها رايش إلى هي عدم المثول إلى الفوضى الجنسية، بل دعا إلى ما أسماه “علاقة الحب الدائمة”، والتي تقوم على الاختيار الحر والاستقلال المالي للمرأة، والإخلاص القائم على الرغبة لا الإكراه، مع إمكانية السماح بعلاقات عابرة للتغلب على مرحلة “البلادة” بهدف إنقاذ العلاقة الأساسية.

ويعتقد رايش أيضا أن منع التعبير الجنسي في الطفولة والمراهقة يُعد أداة يستخدمها “الأب القمعي” والعائلة الاستبدادية لإنتاج أشخاص بالغين خاضعين، فاقدي الحيوية العاطفية، وبالتالي أكثر قدرة على تحمل حياة زوجية باهتة ومحبطة.

فهنا يقدم فيلهلم رايش من خلال تفكيكه لآلية ‘الإحباط الزوجي’ رؤية صادمة للطبقات الخفية في العلاقات التقليدية. فهو لا يكتفي بوصف الأعراض كالملل والاعتماد الاقتصادي، بل يتوغل في جذورها السياسية والتربوية، مبرزاً كيف يُستخدم القمع الجنسي منذ الطفولة كأداة لضمان الخضوع في الحياة الزوجية. ورغم الجدل الكبير حول حلوله الجريئة كالعلاقات العابرة لعلاج ‘البلادة الجنسية’، تظل نظريته دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في الإخلاص: هل هو اختيار حر أم سجن مؤقت؟

بهذا، لا تقدم نظرية رايش في الإحباط الزوجي إجابة نهائية، بل تطرح سؤالاً جوهرياً حول إمكانية التوفيق بين الاستقرار العاطفي والحرية الغريزية. تبقى قيمة هذه النظرية في كونها كشفت الوجه المكبوت للزواج الأحادي، حيث يتحول الحب أحياناً إلى أداة للتعود والبلادة ورغم أن الزمن تجاوز بعض حلول رايش، فإن وعيه بخطورة ‘الاعتماد الاقتصادي’ و’القمع التربوي’ على الصحة النفسية للعلاقة يظل درساً ملهماً لكل باحث في سيكولوجية الأسرة المعاصرة.

ويبقى النقاش مفتوحا حول السؤال هل نستطيع حقاً فصل الاستقرار الزوجي عن الحرية الجنسية دون أن ندفع ثمنه إحباطاً صامتاً؟!!

قد يعجبك ايضا