محمد علي محيي الدين
يُعد حسن خيوكة واحداً من أبرز رواد الغناء العراقي وقراء المقام في النصف الأول من القرن العشرين، ومن الأصوات التي تركت أثراً واضحاً في مسيرة المقام العراقي وتطوره. فقد ارتبط اسمه بفن المقام ارتباطاً وثيقاً، وتميز بأسلوب أدائي خاص جمع بين الأصالة والتجديد، حتى غدا من الأسماء التي أسهمت في ترسيخ هذا الفن بوصفه أحد أهم ملامح الهوية الثقافية العراقية. ولم يكن خيوكة مجرد مؤدٍ للمقامات التقليدية، بل كان فناناً استطاع أن يضفي على الأداء المقامي أبعاداً تعبيرية جديدة، وأن يمنح بعض المقامات، ولا سيما مقام الدشت، روحاً مختلفة جعلتها أقرب إلى وجدان الناس وأكثر قدرة على التعبير عن أحاسيسهم وآلامهم وآمالهم.
ولد حسن محمد علي خيوكة ذو الأصول الكردية في بغداد سنة 1912 في محلة جديد حسن باشا القريبة من باب الشيخ وعكد الأكراد، ونشأ في بيئة شعبية غنية بالموروث الديني والفني. وكان والده محمد علي خيوكة من المرافقين للملا عثمان الموصلي ومن المشاركين في إحياء المواليد النبوية والمناسبات الدينية، الأمر الذي أتاح للفتى منذ طفولته أن ينهل من أجواء الإنشاد والمقامات والألحان التراثية. وقد أسهمت هذه النشأة في تكوين شخصيته الفنية وصقل موهبته المبكرة، فبدأ يتعلم أصول المقام على يد والده، ثم تلقى معارفه الفنية على يد القارئ عبد الفتاح معروف، كما تأثر لاحقاً بالمدرسة المقامية التي أسسها محمد القبانجي، فاستفاد من تجربته وأضاف إليها لمساته الخاصة.
في سنوات شبابه الأولى اضطر خيوكة إلى العمل من أجل تأمين معيشته، فاشتغل مع أخيه عبد الرزاق في شركة الكاريات التي كانت تنقل المسافرين بين الكاظمية ومركز بغداد، غير أن شغفه بالغناء ظل يرافقه أينما ذهب. وسرعان ما وجد طريقه إلى الوسط الفني من خلال مشاركاته في المقاهي والمسارح الشعبية التي كانت تشكل آنذاك منابر مهمة لاكتشاف المواهب وصقلها. فبدأ حياته الفنية قارئاً للمقامات على أحد مسارح سوق الشورجة بصحبة سيدة المقام الشهيرة صديقة الملاية، ثم واصل الغناء في مقاهي شارع الكفاح ومسرح الميدان في باب المعظم، حيث استطاع أن يلفت الأنظار إلى صوته المميز وأسلوبه الهادئ الرصين.

ومع اتساع شهرته أخذت تجربته تنضج وتتطور، فكان عام 1934 نقطة تحول مهمة في حياته عندما تفرغ بصورة كاملة للفن والغناء. وقد عمل في إذاعة قصر الزهور التي أنشأها الملك غازي الأول، الأمر الذي أتاح له فرصة الوصول إلى جمهور أوسع. ثم جاءت اللحظة الأهم في مسيرته عندما التحق بدار الإذاعة اللاسلكية العراقية سنة 1936، وهي المؤسسة الإعلامية التي كانت تمثل آنذاك الحلم الأكبر لكل مطرب وفنان. وقد ظهر للمرة الأولى عبر أثير الإذاعة في برنامج خصص له نصف ساعة كاملة، ثم مُددت الفترة إلى ساعة كاملة نتيجة الإقبال الذي لقيه من المستمعين، وهي حالة نادرة في ذلك الوقت وتعكس المكانة التي بدأ يحتلها في الساحة الغنائية.
عرف حسن خيوكة بقدرته الفائقة على أداء المقام العراقي والبستات البغدادية، كما تميز بصوت هادئ وعميق يمتلك مساحة واسعة من التعبير والإحساس. وكان من الفنانين الذين استطاعوا أن ينقلوا هموم المجتمع العراقي وأحزانه إلى فضاء الغناء، فحضرت في أدائه صور المعاناة الإنسانية والحرمان والشوق والفراق، إلا أن تلك الأحزان لم تكن قاتمة أو يائسة، بل كانت ممزوجة دائماً بنبرة من التفاؤل والأمل. ولهذا اكتسب أداؤه طابعاً خاصاً جعله مختلفاً عن كثير من معاصريه، إذ استطاع أن يحول الألم إلى تجربة جمالية راقية، وأن يجعل المقام وسيلة للتعبير عن الحياة بكل تناقضاتها.
كما ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بمقام الدشت الذي برع في أدائه وأدخل عليه أساليب جديدة أضفت عليه حيوية وجاذبية أكبر. وقد عُرف عنه اهتمامه الشديد بالتجويد ومخارج الحروف وسلامة الأداء، الأمر الذي أكسبه احترام النقاد والمتخصصين وجعله مرجعاً للعديد من المطربين وقراء المقام. ولم يقتصر دوره على الأداء الفني فحسب، بل امتد إلى التعليم ونقل الخبرة إلى الأجيال اللاحقة، فتتلمذ على يديه عدد من قراء المقام، كما أسهم في تدريب بعض الأصوات النسائية النادرة في هذا المجال، ومن أبرزهن المطربة زهور حسين التي استفادت من خبرته في أداء مقام الدشت وأصول الغناء المقامي.
وقد كتب ولحن عدداً من الأغاني التي أداها بنفسه، وترك وراءه مجموعة من التسجيلات المهمة التي احتفظت بها إذاعة بغداد ضمن أرشيفها التراثي. ومن أشهر الأغاني التي ارتبطت باسمه أغنية «من البير لو مي شربت»، فضلاً عن عشرات المقامات والبستات التي شكلت جزءاً مهماً من الذاكرة الغنائية العراقية. كما تأثر في بعض أطواره الغنائية بالفنان عبد الأمير الطويرجاوي، واستفاد من أساليبه التعبيرية ليمنح أداءه مزيداً من العمق والجمال.
وتحفل سيرة حسن خيوكة بالعديد من المواقف الطريفة التي تعكس مكانته الفنية.
[09/06/2026 05:14 م] جواد كاظم: ومن أشهر تلك المواقف ما يُروى عن إحدى الحفلات التي كانت تبث مباشرة عبر إذاعة بغداد، حين دخل رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد إلى مبنى الإذاعة أثناء الغناء، وقد استوقفه الصوت القادم من الأستوديو، فأعجب بأداء خيوكة وطلب منه الاستمرار بالغناء، وجلس يستمع إليه حتى بعد انتهاء الوقت المخصص للبث، فتم تمديد الإرسال مدة إضافية تقديراً للفنان وإرضاءً لرغبة الضيف الكبير. وقد بقيت هذه الحادثة شاهداً على مدى التأثير الذي كان يملكه صوته في نفوس مستمعيه على اختلاف مواقعهم ومكانتهم الاجتماعية.
وعند الحديث عن حسن خيوكة لا يمكن فصله عن البيئة الثقافية التي نشأ فيها ولا عن تاريخ المقام العراقي نفسه، ذلك الفن العريق الذي يعد من أبرز مظاهر التراث الموسيقي في العراق. فالمقام العراقي ليس مجرد ألحان وأنغام، بل هو سجل حي لتجارب الناس ومشاعرهم وذاكرتهم الجمعية، وقد تعاقبت على حمله أجيال من المبدعين الذين حافظوا عليه وطوّروه، وكان خيوكة واحداً من أهم هؤلاء الرواد الذين أسهموا في استمرار هذا الفن وانتشاره. وقد جاء عطاؤه في مرحلة شهدت حضور أسماء كبيرة مثل محمد القبانجي ورشيد القندرجي وأحمد الزيدان ويوسف عمر وصديقة الملاية وسليمة مراد وغيرهم من أعلام الغناء العراقي الذين أسسوا لنهضة فنية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.
غير أن حياة الفنان لم تكن بمستوى نجاحه الفني؛ فقد عانى في سنواته الأخيرة من المرض والعوز وقلة الاهتمام، وأصيب بمرض السكري الذي أنهك جسده وأضعف صحته. ورغم ما قدمه للغناء العراقي من خدمات جليلة وما تركه من إرث فني كبير، فقد رحل عام 1962 في ظروف صعبة، شأنه شأن كثير من المبدعين الذين لم ينالوا في حياتهم ما يستحقونه من تقدير. إلا أن رحيله لم يكن نهاية حضوره، فقد بقيت تسجيلاته وألحانه شاهدة على موهبته الاستثنائية، وظلت تتردد في الإذاعات والمجالس وبين محبي المقام العراقي، لتؤكد أن الفن الصادق لا يموت بموت صاحبه.
لقد كان حسن خيوكة صوتاً عراقياً أصيلاً جسّد روح بغداد الشعبية وأحزانها وأفراحها، ونجح في أن يجعل من المقام العراقي لغة نابضة بالحياة تتجاوز حدود الأداء التقليدي إلى فضاء التعبير الإنساني الرحب. وبفضل ما امتلكه من موهبة وثقافة فنية وإحساس مرهف، استطاع أن يترك بصمة خالدة في تاريخ الموسيقى العراقية، وأن يحتفظ بمكانته بين كبار رواد الغناء والمقام الذين أسهموا في صياغة الذاكرة الفنية للعراق الحديث.