نبيل عبد الأمير الربيعي
لم تكن الغرفة التي أمضى فيها زهير أحمد القيسي سنوات عمره الأخيرة مجرد مكانٍ للقراءة أو الكتابة، بل كانت عالماً كاملاً اختزل مسيرة حياة طويلة كرّسها للمعرفة. هناك، بين الجدران التي ازدحمت بالكتب حتى لامست السقف، تشكلت ملامح رجلٍ استثنائي رأى في القراءة أسلوباً للعيش، وفي الكتاب صديقاً لا يخونه الزمن.
كانت الرفوف تتكئ على بعضها من فرط ما تحمل من مؤلفات ومخطوطات، فيما تتوزع على الأرض أكوام من الأوراق والقصاصات التي حفظت أفكاراً ومشاريع لم تكتمل. وفي زاوية الغرفة استقر فراشٌ قديم شهد آلاف الساعات من المطالعة والتأمل، وإلى جواره غليون وكوب أحمر عتيق، وقواميس ومعاجم عربية وأجنبية لم تكن تفارق متناول يده. أما الأشياء كلها فبقيت في أماكنها لسنوات طويلة، كأنها أدركت أنها جزء من ذاكرة صاحبها وليست مجرد مقتنيات عابرة.
كان زهير أحمد القيسي قليل المغادرة لتلك الغرفة، وكأن العالم الخارجي لم يعد قادراً على أن يمنحه ما تمنحه له الكتب. ولم يكن يقطع عزلته إلا نادراً، وحين يفعل يعود سريعاً إلى مكتبته التي وجد فيها المعنى الأعمق للحياة. وكانت أحاديثه، شأن كتبه، عامرةً بالحكايات والإشارات والاستطرادات الذكية، حتى ليشعر من يجالسه أنه أمام أستاذٍ يشرح هوامش كتابٍ لم يُكتب بعد.

امتلك شغفاً نادراً بالقراءة، فلم يكن يعترف بوجود كتابٍ لا يستحق أن يُقرأ. كان يرى أن المعرفة قد تختبئ في أي نص، وأن كل كتاب يحمل احتمالاً لاكتشاف جديد. لذلك قرأ في الفلسفة والتاريخ والأدب واللغة والتراث والأنساب والصحافة والترجمة، كما قرأ في الكتب البسيطة وكتب الأطفال، مؤمناً بأن العقل الحقيقي لا يتعالى على مصادر المعرفة مهما اختلفت مستوياتها.
وكان يردد دائماً أن الإنسان يموت يوم يتوقف عن القراءة. لم تكن تلك عبارة بلاغية بالنسبة إليه، بل كانت خلاصة تجربة عاشها بكل تفاصيلها. وحين اشتد عليه المرض في سنواته الأخيرة، بقيت القراءة شاغله الأكبر، وظل عقله متقداً بالأسئلة والاهتمامات الثقافية حتى اللحظات الأخيرة من حياته.
ارتبطت ذاكرته بالكتب إلى حدٍ جعلها جزءاً من سيرته الشخصية. ففي صوره القديمة لا يستعيد المكان بقدر ما يستعيد الكتاب الذي كان يطالعه ساعة التقاط الصورة. كان يربط بين الأحداث والمؤلفين، وبين المدن والعناوين، وبين مراحل حياته وما قرأ خلالها من أعمال فكرية وأدبية. ولهذا تحولت مكتبته مع الزمن إلى سجلٍّ موازٍ لسيرته الذاتية.
وكان ينظر إلى الكتب كما لو كانت أرواحاً حية. يعتني بها بعناية الأب بأبنائه، يغلفها ويحميها من التلف، ويعيد ترميم ما أصابه الزمن منها. وكان يحزن على ضياع كتابٍ أو تلفه كما يحزن الإنسان على فقدان صديقٍ قديم. وقد بقيت بعض الحوادث المرتبطة بمكتبته عالقة في ذاكرته لعقود طويلة، لأنها مست جزءاً عزيزاً من حياته.
أما الكتابة، فلم تكن لديه مشروعاً مخططاً بقدر ما كانت ثمرة طبيعية للقراءة المستمرة. كانت الأفكار تتولد أثناء المطالعة، فتتحول إلى ملاحظات على قصاصة ورق، أو هامش في كتاب، أو مشروع بحث مؤجل. وكان يحتفظ بكل ما تقع عليه يده من أوراق بيضاء، مدفوعاً بإيمانه أن الفكرة قد تولد في أي لحظة، وأن على الكاتب أن يكون مستعداً لاستقبالها دائماً.
تناثرت تفاصيل حياة زهير أحمد القيسي بين رفوف مكتبته ودفاتر ملاحظاته؛ ففي كل كتاب أثرٌ من روحه، وفي كل هامش فكرة مؤجلة، وفي كل قصاصة ورقية مشروعٌ ثقافي لم يمهله العمر لإتمامه. لقد تحولت مكتبته مع الزمن إلى سيرة ذاتية موازية، يمكن لمن يتأمل محتوياتها أن يقرأ من خلالها ملامح رجلٍ كرّس حياته للمعرفة والكلمة الحرة.
وعندما شهد العراق بعد عام 2003 انفتاحاً واسعاً في حركة النشر وتداول الكتب، عاش القيسي واحدة من أكثر فترات عمره الثقافي حيوية. فقد وجد نفسه أمام عشرات العناوين التي حُرم منها لسنوات طويلة، فانكب على قراءتها بشغف الشاب الذي يكتشف العالم للمرة الأولى، رغم تقدمه في السن.

ولم يقتصر أثره على ما قرأ وكتب، بل امتد إلى أسرته وأبنائه. فقد كانت مكتبته مدرسة مفتوحة، وكانت جلساته اليومية درساً غير معلن في حب المعرفة. ومن خلال متابعته الدائمة للكتب والمؤلفين والفهارس، انتقلت عدوى القراءة إلى من حوله، وأصبح الكتاب جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية داخل البيت.
حتى في أيامه الأخيرة داخل المستشفى، ظل وفياً لعالمه الذي أحبّه. فبينما كان المرض ينهك جسده، بقي ذهنه منشغلاً بالكتب والإصدارات الجديدة، وكأن القراءة لم تكن هواية مارسها طيلة حياته، بل كانت هويته الحقيقية التي لا يستطيع التخلي عنها.
واليوم، كلما ظهرت كتب جديدة أو ازدحمت رفوف المكتبات بعناوين حديثة، يعود السؤال ذاته: ماذا كان سيقول زهير أحمد القيسي لو رآها؟ وأي الكتب كان سيتناولها أولاً؟ عندها تستعيد الذاكرة صورته وهو يتجول في شارع المتنبي، يتأمل العناوين بعين الخبير، ويبحث بين أكوام الكتب عن ذلك الاكتشاف الجديد الذي ظل يطارده حتى آخر العمر.
لقد رحل زهير أحمد القيسي جسداً، لكن أثره ما زال حاضراً بين كتبه وأوراقه وهوامشه. وما تزال مكتبته شاهدة على سيرة مثقفٍ نادر آمن بأن المعرفة ليست زينة للعقل، بل طريقة لفهم العالم ومواجهة الزمن. وهكذا بقيت الكتب التي أحبها تحمل شيئاً من روحه، وبقي اسمه مقترناً بذاكرة قارئٍ كبير جعل من القراءة رسالة عمرٍ كامل.