الدکتور سامان سوراني
خبیر العلاقات الدولیة و الدبلوماسية
ظلت الحرب وما تزال إحدى الأدوات الرئيسة في إدارة العلاقات الدولية ومحوراً جوهرياً لفهم صعود وهبوط الفاعلين الدوليين، فوفق الأدبيات السياسية الكلاسيكية، وتحديداً الرؤية الواقعية، تعد الحرب استمراراً للسياسة الوطنية بوسائل أخرى، وأداة تسعى من خلالها الدول لحماية بقائها وتحقيق مصالحها القومية وتعديل موازين القوى، مما يجعل مسائل الحرب والسلام قضايا وجودية تحكمها معضلة البقاء في بيئة دولية فوضوية.
ومع تطور الأنظمة السياسية والتكنولوجية، لم يعد مفهوم الحرب أحادي البعد، بل اتسع لتتعدد أنماطه بين الحرب الباردة، والساخنة، والتقليدية، وغير التقليدية، والوقائية، وحروب العصابات، ورغم هذا التنوع والتغير في الأشكال، استمرت الحرب في الوجود كعنصر حاسم في رسم الخرائط الجيوسياسية وتحديد موازين النفوذ.
وقد شهدت الفترة الحديثة نمطاً محدداً من الحروب اتسم بعلاقة تكافلية بين الدولة الحديثة المنظمة والتصنيع العسكري الشامل، إلا أنه مع نهاية القرن العشرين وتبعات انتهاء الحرب الباردة، برزت شواهد علمية تؤكد أفول عصر الحرب الصناعية الحديثة والدخول في مرحلة تحول جذرية أطلق عليها علماء العلاقات الدولية مفهوم الحروب الجديدة، وهي حروب تتداخل فيها تأثيرات العولمة، والفاعلون من غير الدول، والحروب الهجينة والسيبرانية.
لم تعد هذه الصراعات تهدف إلى تحقيق حسم عسكري سريع كما في العصور الصناعية، بل أصبحت صراعات ممتدة ومعقدة تستنزف المجتمعات والدول وتدمر بنيتها التحتية، مما جعل الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة خياراً كوارثياً ذي كلفة باهظة وغير مجدٍ في تحقيق أمن مستدام.
وفي جغرافية معقدة كمنطقة الشرق الأوسط، حيث تتداخل الأزمات وتستمر الصراعات العابرة للحدود، يقع إقليم كوردستان في قلب ما يعرف في نظريات العلاقات الدولية بمركب الأمن الإقليمي، حيث يرتبط أمن أي طرف بصورة وثيقة بسلامة واستقرار الأطراف المجاورة. وفي هذه البيئة المشحونة بالحروب التقليدية والحديثة على حد سواء، برزت الحاجة الإستراتيجية لمفهوم رجل الدولة القادر على بناء مقاربة أمنية قائمة على الحوار بدلاً من المواجهة المسلحة.
وهنا تتجلى الرؤية الإستراتيجية للرئيس مسعود بارزاني، الذي أدرك بوضوح من واقع خبرته التاريخية العميقة وقراءته للتحولات الدولية أن الحروب في المنطقة لم تعد تنتج سوى الدمار والجمود السياسي، وأن خيار السلام هو الرهان الوحيد المتبقي للبقاء والتنمية.
تستند رؤية الرئيس مسعود بارزاني للسلام إلى أبعاد إستراتيجية تتوافق مع أطروحات السلام الليبرالي والواقعية العقلانية في العلاقات الدولية، فقد كان له دور محوري في بناء واستقرار العراق الجديد بعد عام 2003، من خلال مشاركته الفاعلة في صياغة الدستور الدائم وتثبيت أركان النظام الفيدرالي الديمقراطي، مع حرصه المستمر على حل الخلافات بين أربيل وبغداد بروح الحوار والتوافق لتجنب انزلاق البلاد نحو الصراعات الداخلية.
ولم يقتصر هذا السعي على الشأن العراقي الداخلي، بل امتد ليتجسد في سياسة خارجية قائمة على حسن الجوار والدبلوماسية الوقائية، حيث أصبحت أربيل تحت قيادته ملجأً للتعايش ومحطة لترسيخ التسامح القومي والديني، فضلاً عن مبادراته المتواصلة لتهدئة الأزمات الإقليمية ودعم مسارات السلام في دول الجوار.
وعلى هذه المبادئ الإستراتيجية ذاتها، يواصل رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني السير بثبات على خطى الرئيس مسعود بارزاني، متبنياً دبلوماسية متوازنة وسياسات حكومية حكيمة تهدف بالدرجة الأولى إلى إبعاد الإقليم عن أتون الصراعات والحروب العاصفة بالمنطقة.
ومن خلال التركيز على تعزيز أمن الإقليم، وتحديث البنية التحتية، وترسيخ الاستقرار الاقتصادي، وبناء شراكات متينة مع بغداد والمجتمع الدولي، نجح رئيس الحكومة في جعل إقليم كوردستان واحة للآمان ومركزاً للتنمية الاقتصادية والدبلوماسية في بيئة إقليمية مضطربة، مؤكداً أن الحفاظ على المكتسبات وحماية المواطنين يتحققان من خلال الحكمة وتغليب المصلحة الوطنية وتجنب المحاور المتصارعة.
إن إعادة قراءة تحولات مفاهيم الحرب في أدبيات العلاقات الدولية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن عصر الحسم العسكري عبر الحروب التقليدية قد انتهى إلى غير رجعة، وأن تكلفة النزاعات المسلحة في عصر العولمة أصبحت تتجاوز أي مكاسب سياسية متوقعة.
وفي منطقة متداخلة الصراعات كالشرق الأوسط، تثبت تجربة إقليم كوردستان تحت قيادة الرئيس مسعود بارزاني أن السلام والحوار السياسي هما الخيار الإستراتيجي الأفضل والأكثر عقلانية لحماية المكتسبات الوطنية، وتأمين استقرار العراق والمنطقة، وضمان مستقبل آمن وازدهار دائم للشعوب.