الإعلام في مواجهة الإشاعة

 

 

جاسم العقيلي

في زمن تتسارع فيه وتيرة تدفق المعلومات، تتحول الإشاعة المغرضة إلى سلاح إستراتيجي يهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وهدم الثقة، مما يجعل توظيف الإعلام في مواجهتها ضرورة وجودية لا ترفاً مهنياً.

الإشاعة ليست مجرد معلومة غير مؤكدة، بل حرب نفسية تستغل الفراغ المعرفي والتوتر العاطفي، وتتفاقم خطورتها في عصر المنصات الرقمية، حيث تشير التقارير إلى أن 70% من المستخدمين يحصلون الآن على أخبارهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، متفوقة على المواقع الإخبارية المهنية ، مما جعل نشر الإشاعة أقل تكلفة وأسرع انتشاراً .

ويواجه الإعلام تحدياً مزدوجاً، فهو سلاح ذو حدين يمكنه نشر الإشاعة إذا تحرفت الأخبار، أو محاربتها إذا تمسك بالصدق والموضوعية والدقة في إيراد المعلومات ، وتحذر الصحفية البريطانية جولييت فوستر من أن “المعلومات المضللة والإشاعات تعقّد جهود الاستجابة للطوارئ ويمكن أن تخلق حالة من الذعر”، داعيةً الصحفيين إلى الالتزام بالتحقق من المصادر قبل النشر. أما المديرة العامة لليونسكو، أودري أزولاي، فترى أن التضليل والمعلومات المضللة على الإنترنت يشكلان “تهديداً رئيسياً للاستقرار والتماسك الاجتماعي”، مؤكدة أن “وجود وسائل إعلام وأدوات معلوماتية مستقلة وجيدة ونزيهة هو أفضل استجابة طويلة الأمد للتضليل ” .

 

وتتعدد استراتيجيات المواجهة، بدءاً من تقديم الحقيقة بوضوح وإقناع كرواية بديلة تعتمد على البراهين، وصولاً إلى محاسبة مرتكبي الإشاعات وتعزيز التوعية المجتمعية بمخاطرها. لكن تبقى المهنية وحدها غير كافية ما لم تقترن بآليات رادعة، فالإشاعة كما يقال “كذبة يطلقها شرير، ويروجها حسود، وينقلها تافه، ويصدقها غبي”.

ويبقى الإعلام المسؤول خط الدفاع الأول عن الحقيقة والتماسك الاجتماعي، وكلما تمسك الصحفيون بمعايير الدقة والموضوعية والتحقق، كانوا درعاً حصيناً ضد سموم الإشاعة، وضرورة وجودية لأي مجتمع يسعى للبقاء متماسكاً في زيفٍ يكتسح الحقائق .

قد يعجبك ايضا