حازم البكري: ذاكرة الطب والتراث حين يلتقي العلم بتاريخ الأمة

محمد علي محيي الدين

في محلة الإمام عون الدين بمدينة الموصل، وفي عام 1925، وُلد حازم محمد مصطفى محمد سعيد البكري الصديقي، في بيتٍ عريق الجذور، تتوارثه الأجيال على قيم العلم والالتزام والارتباط بالهوية الثقافية والدينية. كان ذلك البيت امتداداً لسلالة موصلية ضاربة في التاريخ، تعود جذورها إلى القرن السابع عشر، وترتبط بتراث علمي وديني طويل، منسوب إلى عائلة عُرفت بالعلم والفقه والتأليف، وكان من رموزها الأجداد الذين ارتبط اسمهم بالخطابة والوعظ والتأليف في الشأن الديني والاجتماعي.

Screenshot

نشأ حازم البكري في الموصل، المدينة التي كانت وما تزال خزّاناً للمعرفة والتراث، فدرس في مدارسها الابتدائية والثانوية، قبل أن يتجه إلى دراسة طب الأسنان في جامعة دمشق، حيث تلقى علومه الطبية في بيئة علمية عربية فتحت أمامه آفاقاً أوسع من مجرد الممارسة المهنية، لتقوده لاحقاً إلى فضاء البحث في تاريخ الطب والتراث العلمي العربي الإسلامي.
مارس طب الأسنان في بغداد، واتخذ من شارع الرشيد موقعاً لعيادته الخاصة، حيث جمع بين المهنة اليومية والعمل البحثي الهادئ. غير أن اهتمامه لم يكن محصوراً في معالجة الأسنان فحسب، بل كان يرى في الطب نافذة على تاريخ طويل من المعرفة الإنسانية، فبدأ مبكراً بالبحث في التراث الطبي العربي، متتبعاً نصوصه ومخطوطاته، ومحققاً لما اندثر منها أو بقي مجهولاً.
وقد شهد له عدد من العلماء والمؤسسات العلمية بجهوده في هذا المجال، ومن أبرز ما قيل فيه ما كتبه الدكتور محيي الدين صابر، المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، في تقديمه لكتاب “المنصوري” للرازي الذي حققه البكري، إذ أثنى على منهجه العلمي الدقيق، وعلى عمق معرفته بالطب القديم والحديث، وعلى إيمانه العميق بتراث الأمة، مؤكداً أن عمله في التحقيق يمثل إضافة علمية رصينة تُحسب له في ميدان الدراسات التراثية.
لم يكن البكري طبيب أسنان فحسب، بل كان باحثاً ومحققاً ومؤرخاً، يرى في المخطوطات الطبية سجلاً لحضارة كاملة، وفي النصوص القديمة جسوراً تربط الحاضر بالماضي. وقد انخرط في الحياة العلمية والثقافية من خلال مشاركته في المؤتمرات والدراسات، مقدماً بحوثاً في الطب والتراث واللغة، ومكرساً جزءاً كبيراً من جهده لإعادة قراءة النصوص الطبية العربية في ضوء مناهج التحقيق الحديثة.
امتدت اهتماماته لتشمل اللغة والهوية، فكتب في الألفاظ العامية الموصلية، محاولاً ربط اللغة اليومية بجذورها التاريخية، كما جمع الأمثال الشعبية في الموصل، بوصفها جزءاً من الذاكرة الثقافية غير المكتوبة التي تحفظ روح المجتمع وتعبيراته.

ومن أبرز إنجازاته العلمية تحقيقه لعدد من النصوص التراثية المهمة، من بينها “نهاية الأفكار ونزهة الأبصار” المنسوب إلى الحريري، بالاشتراك مع الدكتور مصطفى شريف العاني، وكذلك تحقيقه لكتاب “المنصوري” لأبي بكر الرازي، وهو من أهم كتب الطب في التراث الإسلامي، وقد أسهم عمله في إحياء هذا النص وإعادة تقديمه للأوساط الأكاديمية بصيغة علمية دقيقة.
كما ألف كتاب “طب الأسنان في التراث العربي” الذي صدر عام 1957، مقدماً فيه قراءة تاريخية لتطور هذا الفرع الطبي في الحضارة العربية، إلى جانب دراسات أخرى في التراث اللغوي والاجتماعي، منها “دراسات في الألفاظ العامية الموصلية”، و“الأمثال الشعبية الموصلية”، فضلاً عن بحوث طبية تناول فيها العقاقير الشعبية واستخداماتها التقليدية.
كان عضواً في نقابة أطباء الأسنان العراقية، وعضواً في جمعية الكتاب والمؤلفين العراقيين، وهو ما يعكس ازدواجية اهتمامه بين الممارسة المهنية والعمل الثقافي، بين الطب بوصفه علماً عملياً، والتراث بوصفه ذاكرة حضارية.
في شخصيته، اجتمع الطبيب مع الباحث، والممارس مع المحقق، فكان نموذجاً للعالم الذي لا يكتفي بالتخصص الضيق، بل ينفتح على التاريخ واللغة والمجتمع، ويقرأ العلم بوصفه امتداداً لتجربة إنسانية طويلة.
ومع امتداد سنوات عمره، ظل حازم البكري وفياً لهذا المسار، يعمل بصمت، ويكتب بهدوء، ويحقق النصوص بعين الباحث الذي يرى في كل مخطوطة أثراً من آثار العقل العربي الإسلامي، حتى وافته المنية عام 2017، بعد حياة امتدت عقوداً من العمل بين عيادة الطبيب ومكتب الباحث.
رحل حازم البكري، لكن أثره بقي حاضراً في المكتبة العربية، وفي الدراسات التي أعادت الاعتبار للتراث الطبي، وفي كل محاولة لفهم الطب ليس بوصفه ممارسة معاصرة فحسب، بل بوصفه تاريخاً طويلاً من البحث الإنساني عن الشفاء والمعرفة والمعنى.

قد يعجبك ايضا