قلة التركيز عند الأطفال الأسباب وطرق تنمية الانتباه

شينوار ابراهيم

منذ السنوات الأولى من عمره يبدأ الطفل رحلة التعلم دون أن يشعر. يتعلم أثناء اللعب يستمع إلى حديث والديه يراقب تصرفات من حوله، يحاول فهم الأشياء وحل مشكلاته البسيطة. حتى واجباته المدرسية تصبح جزءاً من هذه الرحلة الطويلة. فالتعلم لا يبدأ عند دخول المدرسة فقط، بل يبدأ منذ اللحظات الأولى لاكتشاف العالم. ويستمر عبر التجارب اليومية التي يعيشها الطفل في البيت والمدرسة والمجتمع.

غير أن نجاح هذه الرحلة لا يعتمد على الذكاء وحده ولا على عدد ساعات الدراسة بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الإنسان على توجيه انتباهه نحو ما يقوم به. فالطفل الذي يستطيع أن يركز في مهمة معينة يكون أكثر قدرة على الفهم التذكر واكتساب المهارات الجديدة. أما تشتت الانتباه المستمر فقد يجعل التعلم أكثر صعوبة، حتى لدى الأطفال الذين يمتلكون قدرات عقلية جيدة.

في عصرنا الحالي أصبحت المحافظة على التركيز أكثر تحدياً من أي وقت مضى. فالأجهزة الذكية وسائل التواصل وكثرة المثيرات المحيطة بالطفل، تتنافس باستمرار على جذب انتباهه. لذلك لم يعد التركيز مجرد مهارة يحتاجها الطالب داخل الصف، بل أصبح قدرة أساسية تساعد الإنسان على التعلم، واتخاذ القرارات وتنظيم حياته اليومية.

من هنا اهتم علماء النفس والتربية بدراسة الانتباه والتركيز، لفهم كيفية عملهما والعوامل التي تؤثر فيهما والطرق التي تساعد على تطويرهما. وقد أظهرت الدراسات أن التركيز ليس قدرة ثابتة يولد بها بعض الأشخاص ويحرم منها آخرون، بل هو مهارة يمكن تنميتها بالتدريب الممارسة، وتهيئة البيئة المناسبة.

ما هو التركيز؟

بعد أن أدركنا أهمية التركيز في رحلة التعلم، يبرز سؤال أساسي: ما هو التركيز؟ وهل هو موهبة فطرية أم مهارة يمكن اكتسابها؟

في علم النفس يعرف التركيز بأنه القدرة على توجيه الانتباه نحو مهمة محددة خلال فترة زمنية معينة، مع تقليل تأثير المشتتات والأفكار التي تصرف الذهن عنها. فعندما يقرأ الطفل قصة أو يحل مسألة رياضية أو يستمع إلى شرح معلمه أو يشارك في لعبة تحتاج إلى التفكير، فإنه يستخدم قدرته على التركيز.

ولا يحدث التركيز بصورة تلقائية، بل يتأثر بمجموعة من العوامل، مثل الدافعية الحالة النفسية الصحة الجسدية والبيئة المحيطة. كما أن التركيز يستهلك طاقة ذهنية ولهذا يحتاج الإنسان إلى فترات راحة حتى يستعيد نشاطه ويحافظ على قدرته على الانتباه.

من المبادئ المهمة التي تساعد على تحسين التركيز مبدأ بسيط يحمل معنى عميقاً: (ركز ما تقوم به فقط) فالفكرة الأساسية ليست مجرد إنجاز المهمة، بل أن يكون الإنسان حاضراً معها بعقله وانتباهه. فعندما يجلس الطفل للدراسة من الأفضل أن يكون ذهنه موجهاً إلى ما بين يديه، لا إلى الهاتف أو التلفاز أو الأفكار التي تشغله عن المهمة الحالية.

كما أن اللعب نفسه يمكن أن يكون وسيلة لتدريب الانتباه، عندما ينخرط الطفل فيه بتركيز وتفاعل. فالطفل الذي يتعلم متابعة لعبة أو بناء شيء أو حل لغز، يتدرب في الوقت نفسه على الصبر وتنظيم الانتباه. إن محاولة القيام بعدة أمور في الوقت نفسه قد تبدو علامة على النشاط، لكن الدماغ يحتاج إلى الانتقال بين المهام وهذا الانتقال المتكرر يستهلك جزءًا من طاقته ويقلل من جودة الانتباه. لذلك فإن التركيز على مهمة واحدة في كل مرة يساعد الإنسان على الفهم بصورة أعمق وإنجاز العمل بدقة أكبر.

التخلص من المشتتات

العقل البشري يستقبل باستمرار عدداً كبيراً من المؤثرات الخارجية والأفكار الداخلية لذلك فأن وجود بعض التشتت أمر طبيعي ولا يعني دائماً ضعف القدرة على التركيز. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح المشتتات كثيرة ومتكررة، فتمنع الطفل من الاستمرار في المهمة التي يقوم بها. فقد يكون السبب صوتاً في المكان أو إشعاراً على الهاتف أو فكرة تشغله، أو قلقاً بشأن أمر آخر.

من الطرق البسيطة التي تساعد على استعادة التركيز أن يكتب الإنسان ما يشغله في ورقة، ثم يعود إلى المهمة الأساسية. فهذه الطريقة تساعد العقل على الشعور بأن الفكرة لم تنس مما يقلل الحاجة إلى إبقائها في الذاكرة أثناء العمل. كما أن تهيئة مكان مناسب للدراسة تلعب دوراً مهماً. فالمكان الهادئ وتنظيم الأدوات وتقليل المقاطعات وإبعاد الأجهزة التي لا حاجة إليها كلها عوامل تساعد الطفل على توجيه انتباهه بصورة أفضل.

لماذا يضعف التركيز؟

قد يظن البعض أن ضعف التركيز سببه قلة الاهتمام أو عدم الرغبة في التعلم لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالقدرة على التركيز هي نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل النفسية الجسدية والبيئية.

الإرهاق وكثرة الضغوط

يحتاج الطفل إلى التوازن بين التعلم اللعب والراحة. فعندما يمتلئ يوم الطفل بالواجبات الدروس والأنشطة المتعددة دون وقت كافٍ للراحة قد يتحول الجهد الطبيعي إلى إرهاق يؤثر في قدرته على الانتباه. قد تساعد درجة بسيطة من التحدي أو المسؤولية على تحفيز الطفل، لكن الضغط المستمر والتوقعات العالية جداً قد تستنزف طاقته النفسية والعقلية. لذلك فإن تنظيم الوقت ترك مساحة للعب والاسترخاء جزء أساسي من بناء القدرة على التعلم.

قلة النوم واضطراباته

يعد النوم من أهم العوامل التي تحافظ على كفاءة الدماغ. ففي أثناء النوم يستعيد الجسم نشاطه ويقوم الدماغ بتنظيم المعلومات التي اكتسبها الإنسان خلال اليوم مما يساعد على تثبيت التعلم وتقوية الذاكرة. أما الطفل الذي لا يحصل على نوم كافٍ أو يعاني من اضطراب في النوم، فقد يصبح أكثر تشتتاً أقل قدرة على التركيز وأبطأ في معالجة المعلومات.

لذلك فإن تنظيم مواعيد النوم من العادات الأساسية التي تدعم النجاح الدراسي والصحة النفسية. وتختلف حاجة الطفل إلى النوم باختلاف عمره فحديثو الولادة يحتاجون عادةً إلى ما يقارب 14–17 ساعة من النوم يومياً بينما يحتاج الرضّع بين 4 و11 شهراً إلى نحو 12–16 ساعة.

أما الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة (من سنة إلى خمس سنوات تقريباً) فيحتاجون إلى حوالي 10–13 ساعة ثم تقل الحاجة تدريجياً في سن المدرسة إذ يحتاج الأطفال بين 6 و12 سنة إلى نحو 9–12 ساعة يومياً. أما المراهقون من 13 إلى 14 سنة فيحتاجون غالباً إلى 8–10 ساعات من النوم كل ليلة.

ولا ترتبط أهمية النوم بعدد الساعات فقط، بل أيضاً بجودته وانتظامه. فالنوم المنتظم يساعد الدماغ على تثبيت المعلومات تنظيم الانفعالات والمحافظة على القدرة على الانتباه والتركيز خلال اليوم.

الضغط النفسي والحالة العاطفية

لا يستطيع الطفل أن يركز بسهولة عندما يكون ذهنه مشغولاً بالخوف القلق الحزن المشكلات التي يعيشها في البيت أو المدرسة. فعندما ينشغل العقل بالتعامل مع الضغوط النفسية، يستهلك جزءاً كبيراً من طاقته، مما يقلل المساحة المتاحة للتعلم والانتباه.

من المهم أن ندرك أن الأطفال يختلفون في طريقة تعاملهم مع الأحداث. فقد يمر طفل بتجربة معينة دون أن تؤثر فيه كثيراً بينما يشعر طفل آخر بأنها مصدر ضغط كبير. لذلك يجب الاستماع إلى الطفل وفهم مشاعره بدلًا من تفسير كل صعوبة على أنها إهمال.

نمط الحياة والصحة الجسدية

يرتبط التركيز أيضاً بصحة الجسم. فقلة الحركة عدم التعرض للهواء الطلق سوء التغذية والإفراط في استخدام الشاشات كلها عوامل قد تؤثر في نشاط الطفل وقدرته على الانتباه. فالنشاط البدني يساعد على تحسين الدورة الدموية وتزويد الدماغ بالأكسجين، كما أن الغذاء المتوازن والماء الكافي يساهمان في المحافظة على الطاقة اللازمة للتفكير والتعلم.

الاختلافات الفردية بين الأطفال

ليس جميع الأطفال يركزون بالطريقة نفسها وليس كل طفل يستجيب لأسلوب تعليمي واحد. فهناك أطفال ينجذبون أكثر إلى الصور والرسوم بينما يستفيد آخرون من الشرح والحوار ويجد بعضهم أن التعلم من خلال التجربة والتطبيق العملي هو الطريقة الأكثر فاعلية بالنسبة لهم.

وهذه الاختلافات لا تعني أن طفلاً أفضل من طفل آخر، بل تعكس تنوع الطرق التي يعالج بها الإنسان المعلومات. لذلك فإن معرفة الطريقة التي تساعد الطفل على الفهم والانتباه يمكن أن تجعل عملية التعلم أكثر سهولة ومتعة.

متى يصبح ضعف التركيز مشكلة تحتاج إلى الانتباه؟

من الطبيعي أن يتشتت انتباه الطفل أحياناً بسبب التعب الملل وجود مشكلة مؤقتة تشغل تفكيره. ولا يعني كل تصرف غير منتبه أن الطفل يعاني من مشكلة حقيقية.

لكن ضعف التركيز يصبح أكثر أهمية عندما يستمر لفترة طويلة ويؤثر بصورة واضحة على حياة الطفل اليومية مثل صعوبة متابعة الدروس عدم إكمال المهام كثرة نسيان التعليمات أو تكرار الأخطاء بسبب قلة الانتباه.

من المهم ألا نفسر هذه الصعوبات بسرعة على أنها كسل أو عدم رغبة في التعلم. فكثير من الأطفال الذين يعانون من ضعف التركيز يبذلون جهداً كبيراً، لكنهم يحتاجون إلى فهم الأسباب التي تعيقهم وإلى أساليب دعم مناسبة.

قد يرتبط ضعف التركيز أحياناً بعوامل متعددة، مثل الضغوط النفسية القلق اضطرابات النوم المشكلات الصحية أو اضطرابات الانتباه مثل اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHS). لكن وجود صعوبة في التركيز لا يعني تلقائياً وجود اضطراب ولذلك فإن التقييم الدقيق يساعد على فهم الحالة بصورة صحيحة.

دور الأسرة والمعلم في بناء التركيز

لا يولد التركيز فجأة عند الطفل عندما يدخل المدرسة، بل يبدأ تكوّنه منذ السنوات الأولى من خلال التجارب اليومية التي يعيشها في الأسرة. فالطفل الذي يجد من يستمع إليه يتحدث معه يشجعه على السؤال والاكتشاف، يتعلم تدريجياً كيف يوجه انتباهه وكيف ينظم أفكاره. فعندما يشارك الوالدان الطفل لعبة تحتاج إلى التفكير أو يقرآن معه قصة أو يناقشانه في موضوع معين، فإنهما لا يمنحانه وقتاً ممتعاً فقط، بل يدربانه أيضاً على الاستماع المتابعة والصبر.

أما المعلم فدوره لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يشمل خلق بيئة تعليمية تساعد على المشاركة والتركيز. فتنويع طرق الشرح ربط الدروس بحياة الطلاب وإعطاء فترات للتفاعل كل هذه أساليب تساعد على المحافظة على الانتباه. إن بناء التركيز لا يعتمد على كثرة الأوامر مثل: “ركز”، بل يعتمد على توفير الظروف التي تجعل الطفل قادراً على التركيز.

التركيز ليس مجرد قدرة على الجلوس أمام الكتاب لفترة طويلة بل هو قدرة الإنسان على توجيه انتباهه نحو ما يقوم به وفهم ما يتعلمه والتفاعل مع العالم من حوله بوعي وحضور.

ومن خلال تجربتي في التعامل مع الأطفال ومتابعة صعوبات التعلم وقلة التركيز لديهم، أدركت أن الطفل الذي يفقد انتباهه ليس بالضرورة طفلاً غير راغب في التعلم. أحياناً يكون بحاجة إلى من يفهم ما يعيقه ينظر إلى حالته بوعي وصبر. فقبل أن نطالبه بالتركيز، علينا أن نفهم الظروف التي تؤثر في قدرته على الانتباه وأن نبحث عن الطريقة المناسبة لمساعدته على تطوير هذه المهارة. كما أن ضعف التركيز لا ينبغي أن يُنظر إليه دائماً على أنه كسل أو قلة اهتمام فقد يكون نتيجة لعوامل متعددة تحتاج إلى الفهم والدعم.

في عالم تزداد فيه المشتتات وتتسارع فيه وتيرة الحياة، أصبحت تنمية التركيز من أهم المهارات التي يمكن أن نقدمها لأطفالنا. فتعليم الطفل كيف يدير انتباهه لا يساعده فقط على النجاح الدراسي، بل يمنحه أداة أساسية للتفكير الإبداع وبناء مستقبله. فالطفل لا يحتاج دائمًا إلى من يطالبه بأن يكون أكثر انتباهًا، بقدر حاجته إلى من يساعده على اكتشاف الطريق الذي يقوده إلى ذلك. فخلف كل تشتت سؤال يحتاج إلى فهم، وخلف كل صعوبة قدرة قد تنتظر من يكتشفها.

إن مساعدة الطفل على تنمية التركيز لا تعني فقط تحسين أدائه الدراسي، بل تعني منحه فرصة لفهم ذاته اكتشاف إمكاناته وبناء ثقته بنفسه. فالطفل الذي يجد من يصغي إليه يفهمه ويمنحه الوقت المناسب للنمو، يستطيع أن يطور قدراته بطريقته الخاصة.

فالتركيز ليس مجرد أداة للنجاح في المدرسة، بل هو جزء من رحلة الإنسان نحو الوعي التفكير والإبداع. كل طفل يحمل في داخله طاقة للتعلم تحتاج فقط إلى بيئة تعرف كيف ترعاها وتمنحها الفرصة كي تظهر.

قد يعجبك ايضا