من ارتدى اسمال ” جان دمو ” ويتقمص شخصية؟!

 

عدنان أبو أندلس

 

شراسة النص العبثي ونهاياته السائبة

 

ليس من السهولة الكتابة عن شاعر تمرد على الحياة وملئ الكون تسكعا” وصعلكة بهذه الاسطر وحدها، لكن ما الجدوى في ذلك و ايار تلح في ولوج معترك هذا العدمي الغامض الغاطس الابداع في حلمه الكحولي،متمم منذ صباه و حتى نهاية عمره، هذا الطفل الكهل الذي افزعني تشرفه، التائه في نهار الدنيا و اسرة القيافة في عتمه ليل الحانات، يتمتع بخرائط الارصفة و فهارس الليالي العبثية البريئة انه أمير الصعاليك وحامل بيرق مريديه الى حرائق الشعر.

 

وصفه قرينه وأحد أقطاب الحدود للصعلكة. الشاعر “حسن النواب” بالمتشرد والاستثنائي وأيقونة في العراقي المعاصر، ” إلا إن الاسم ظل متداول كصدى المؤثرين سواء في كتبه المقلة، أو فياته الشفوية الساخنة والمفاجئة حول الكتابة، او في تحركه الحياتي كصعلوك (استدار) وساخر كبير لصاحب ديوان صغير (أسمال) فهو حتى بثمالته ومزاجيته الرائقة تراه حينا اودع من حمَل، وأستقر من حمامة.

 

كان اكثرهم أي “جماعة كركوك” توقا الى الحرية، وأكثرهم تهكما وسخرية وبعدا عن الواقع ومصابا بكره الماضي الذي يربطه به، لذا تراه مبتعدا عن أهله ووطنه دون ادنى خفقة قلب، كان حسن الدعابة لديه باذخاً واستعداده للتهجم حتى على نفسه، ويبصق على كل شيء ولمراتبها الريح فترتد، لذا كان اكثرهم اصرارا” على التمرد…ضمن جماعة كركوك…

 

وكما ورد عن زميله ومعاصره الاديب (فاروق مصطفى): ((هو المليء بتفجراته ونفوره الداخلي حاد حتى مع ساعة تعتريه لفترة لو تحققت لنسفت كل التنظيرات المطروحة يستمر … وحتى سكون هذا الكون)).لكن خنقته الغربة وستصبح عصيا على الوطن، عاش حياته كلها بعيدا عن مجتمعه، وكما يشاء حتى أضحت قصه في لسان قول ولا وعي والعبث ولامبالاة طاغية في نصوصه الشعرية وأراوينها تمثل بمسمياتها من الضياع والغرق في دهاليز الرعب ومتاهات هذا العالم، أنت في عنونها قصدية لاستغاثة من الجلد يحيط به.

 

تراه يستغيث للخلاص من شدّة الضيق الذي بات يخنقه فجاءت مسميات قصائده – ساق-ظل-صوتي واضح عن الصوت – آه، لِمَ تنشأ هذه المسالك غير سالكة، إضافة إلى عنونة قصائده الأخرى بغرائبية فجة – الذي سافر بالقطار ونسي أن يقول للبروفيسور: نعم، هذا هو العنوان،ولكنه مصطلح شامل عبارة عن كلمات ثلاث …فقط، هل ترى المزيد من هذه الغرائبية في الشعر المعاصر؟! أو ماما في هذا الشرق منها مقطع” من مجموعته أسمال يقول:

 

حبيبتي فمارك

حمار كهربائي

حيث اسناني تسافر

في الريح

 

هذا المقطع وكما يقول الباحث د. يوخنا ميرزا ​​الخامس: ((انه نص يتسربل بالغموض وعصي على الادراك، فلا نلمس منه وعيا “شعريا” إلا انه عصر غرابة مبهمة لا طائل من تحتها)). كذلك للناقد د.سنانالنفطجي رأي مشابه يقول:((لا يجد القارئ شعرية في هذا النص ، ولكن معروف من التأمل يتوصل الى أن هذا الشاعر قد عبر موقف في القرف من ثرثرة امرأة مل من الحديث، وبإمكان نفاذ صبر الشاعر من خلال صوت طقطقة اسنانها التي تسافر في الريح-)).

 

شراسة المفردات الأمعاء الى هذه الخشونة في تؤثب المشاعر وسردها ،وهل الكمين يتعامل مع هذا المقطع ببقايا العقل نجا من سطوة العنف الخيالي بصوره مفيد مفيد ومدببة النهايات ولا يخلو من القسوة والألم على حدّ رأي د.خزعل الماجدي في وصف ” الشرس” الذي يعاند التدجين .

 

أقول لذلك: حمار كهربائي … اسناني تسافر في الريح .

ما الجنوبي بين مفرداتها /حمار / كهربائي / اسناني / تسافر في الريح / ربما تساوي فقط فمك … انه نص جميلي ،أميبي ، فوضوي- لا تخرج لعادات الفكر العديد من … فانت تبرز اسما” و رسما” في الجملة … اذ” انها تتشكل بمفردها أكثر فأكثر و لم تعد مدرجة في سياق التعبير العام في دراسة كي تعبر عبرها انها حالة هذيان أو هذر، أو حالة اغماء أو تعاطي ما يصبو إليه كل حين في حركة العنصرية هذا السيال أو السائب الذي لا تتقبله الذائقة في هذا فقط العقلاني احتجاجات في هذا الزمن، انما ثورة في الزمن الجميل – عصر تمدن ستينيات العصر المنصرم.

ومن مجموعة “أسمال” في قصيدة بلا عنوان، ومن بان عازف الشاعر لمدون عنوان أية قصيدة، بل أكثر قصائده أوراقها على طول التي تنضجهُ ويمضي.. كُتبت في حانة دلير في 7-5- 1992يضحى للمتلقي المكان الذي لا يستحق به ونكه الكحول العابقة في ثناياها من مفرداتها المشاكسة والعسيرة على الإدراك سطرت جليا في لحظات ثمالة ترشيح يقول فيها:

 

مع كل الغيوم التي متعددة الزبدة”

تحت فم الكركدن

وتحتاج إلى وضع بعض الاسلاك

حول وقت المؤثرات

والبغاة والسفاحين

 

فهم المتلقي من استخدام هذه الكلمات النافرة والمتنوعة والمثقلة بالغموض والإبهام لا ربط بين تناغم ما لها وشفرات النص، لا إدخاله ربما للفلسفة كعنصر مختبر بإيهامها وايهام التلقي بلطفتها التشكيل انها شهادة الهوة والمتاهة المعتمة

في ليل اعصار لا يهدأ وزمجرة تعق من مكان لا ترى، الإ حسبة عبثية فائقة يرن في أحاسيسه دقة النشوة، كان يتم موافقة شعره دوما، الذين عرفوه ظلوا يجهلون شعره حتى غدا شاعرا بلا نص، كما قال فيه مرة الناقد عبد القادر الجنابي: ((شاعر يجيد الشعر، ولا يحتاج ان يكتبه شاعر النصي العابر)) .  

 

وفي قصيدة بغداد ص (24) من المجموعة حيث يظن المتلقي حالما مزيج العنوان يصف او تمجد العاصمة بغداد غير انه لم يذكرها حتى ولو بتنويه لكن عنوانه جيد فقط، يقول:

 

الشيخ يشرح الفواكه

وحدي، تحت، المطر

اليوم يموت بتؤدة

أترك صيفية

ينبت على الشفاه المأموت!

 

إنها أختلاجات نفسية وحقائق افتراضية وتراكيب فلسفية قالت عنها الناقد هشام القيسي: ((نسجت من اللاوعي وتأثير تحت الانعاش الدائم ابعده عن الواقع نحو المجاهيل والى هوة من الفراغ)) هذه المفردات الغرائبية كصخرة يدحرجها من قمة جبل شاهق ولهذا ترتطم نهاياتها في الحافات الى ان تستقر مخلفة خلفها تقعرات وتصدعات تنهار رويدا رويدا، فجاءت هذه المفردات مرتدية أسمال الاستحالة بلا نهايات مختومة مثل:

 

اللامحدود – اللا نهاية – ما لا نهاية – اللافائدةاللاوصولاللاحرباللاأحداللا منتهي- اللا منتهي – اللا أين … تلائم المديات البعيدة ومن الصعب اللحاق بها والتي عطلت حياتها لصراحتها الأكيدة.

 

وهذا النص في المجموعة اليتيمة أسمال:

 

كل اللوعة

كل

الوصول إلى عين

غريب ان توقظ

بأسمال الرعب

اسمال الجغرافية

فلتكن اسمال الملوك

انه انحلال حقيقي للجملة الحديثة بها تناغمات متنافرة ومفككة حينا بأبعاده كل المفاهيم والدلالات الملموسة التي تفهمها الفكر حينا اخر.تحررت من الأعضاءنة التي تقيده بضوابط الكامل.

 

هذا هو “جانو” الذي اتحف الادب العراقي عامة وكركوك خاصة بمسميات وتعابير ورؤى حلمية، أو قل ماهيات وتجليات شرقية تحتاج الى تذكرت متحف دوما” كي تقتحم مجاهيله وحله الغاز لغته واختراعاتها المستمرة وتفوهاته الاعتراضية في حالته الرائقة الدائمة. كما يقول الشاعر اللبناني المعاصر، عباس بيضون: ((لذلك، عرف عن جانو إنه لم يكن يعرف أين يصحو، وأين يبيت، وأن ماواه هو ما يقوده إليه لأنه في نهاية الليل الذي يغرق فيمرة والهذيان قد يكون الشارع نفسه)).

2

قد يعجبك ايضا