نبيل عبد الأمير الربيعي
ليس من السهل أن يتحول أستاذ جامعي إلى ظاهرة ثقافية، أو أن يغادر المختبر وقاعة الدرس ليصبح جزءاً من الوعي العام. فالأكاديميون كثيرون، لكن الذين استطاعوا أن يجعلوا من اختصاصهم مشروعاً وطنياً وإنسانياً قليلون. ومن بين هؤلاء يحتل الدكتور قاسم حسن صالح مكانة خاصة في الثقافة العراقية؛ لأنه لم يتعامل مع علم النفس بوصفه علماً يختص بعلاج الفرد فحسب، بل رآه مدخلاً لفهم المجتمع، وتشريح السلطة، وتفسير التاريخ، والكشف عن البنية العميقة للشخصية العراقية.
ولد عام 1949 في إحدى قرى الشطرة على ضفاف نهر الغراف، وهناك، في بيئة جنوبية أصيلة، تشكل وعيه الأول. كانت القرية تجمع بين التدين الشعبي، والكرم العشائري، والشعر، والغناء، والحكايات، والمجالس التي كانت تؤدي دور المدرسة الموازية في صناعة الوعي. وفي تلك البيئة تشرب منظومة القيم العربية، وحفظ الشعر الشعبي، وكتب قصائده الأولى في سن مبكرة، بل خاض تجربة كتابة الأغنية العراقية قبل أن ينصرف نهائياً إلى مشروعه الأكاديمي، بعد أن آمن بأن الأستاذ الجامعي ينبغي أن يكرس حياته للبحث والعلم.
ولعل ما يلفت الانتباه في سيرته أن انفتاحه المبكر على الثقافة لم يكن على حساب انتمائه الاجتماعي والديني، بل كان يرى أن المعرفة نهر واسع تتلاقى فيه الروافد المختلفة. ولذلك ظل يردد أن الشطرة منحته ثقافة الدين وثقافة الحياة معاً، وأنها كانت مدينة استثنائية في الجنوب العراقي، جمعت بين التدين، والحراك الثقافي، والفكر الشيوعي اليساري، والفن الشعبي، حتى استحقت أن توصف في زمن ما بـ(موسكو الصغيرة).
ولم يكن اختياره لعلم النفس مصادفة، بل جاء استجابة لأسئلة مبكرة عن الإنسان وسلوكه، وعن أسباب الظلم والعنف والانكسار. ومنذ بداياته العلمية كان مقتنعاً بأن الإنسان لا يمكن فهمه بمعزل عن بيئته وتاريخه وثقافته، ولذلك رفض اختزال علم النفس في الاختبارات والمقاييس، وسعى إلى ربطه بعلم الاجتماع والسياسة والأنثروبولوجيا والتاريخ.

ولعل هذه الرؤية هي التي جعلت كتاباته مختلفة عن كثير من الدراسات الأكاديمية؛ إذ نجح في تحرير علم النفس من لغته الجامدة، وقدم مفاهيمه بلغة يفهمها القارئ العادي دون أن يفقدها دقتها العلمية. وكان يؤمن بأن المعرفة التي تبقى حبيسة الجامعات معرفة ناقصة، وأن زكاة العلم هي نشره بين الناس.
ولم تأتِ هذه القدرة من فراغ، فقد كانت الإذاعة والصحافة مدرستين حقيقيتين في حياته. ففي سبعينيات القرن الماضي عمل مذيعاً في إذاعة بغداد بعد اجتيازه منافسة ضمت أكثر من ألف متقدم، وتلقى تدريبه على أيدي كبار الإعلاميين العراقيين والعرب. غير أن طبيعته الباحثة لم تسمح له بالبقاء خلف الميكروفون طويلاً، فانتقل إلى القسم الثقافي، ثم إلى الصحافة، حيث وجد فضاءً أوسع للتعبير عن أفكاره.
في مجلة الإذاعة والتلفزيون، ثم في مجلة ألف باء، تعلم فن التحقيق الصحفي والحوار، والتقى بكبار الأدباء والمفكرين والفنانين العرب والعراقيين، وهي تجربة أسهمت في صقل أسلوبه، ومنحته قدرة نادرة على الجمع بين الدقة العلمية وجمال اللغة. ولم يكن غريباً بعد ذلك أن تتحول مقالاته إلى مادة ينتظرها القراء، لأنها كانت تقدم تفسيراً علمياً لما يعيشه الإنسان العراقي من أزمات نفسية واجتماعية.
ومن أبرز المحطات التي رسخت حضوره الشعبي برنامجه الإذاعي الشهير (حذار من اليأس)، الذي استمر سنوات طويلة، وتحول إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية. كان البرنامج يستند إلى رسائل حقيقية يبعثها المستمعون، فيحولها إلى عمل درامي، ثم يقدم معالجة علمية للمشكلة المطروحة. وبهذا الأسلوب استطاع أن يقرب علم النفس من البيوت العراقية، وأن يجعل المشورة النفسية جزءاً من الثقافة اليومية، في وقت كانت فيه هذه الثقافة شبه غائبة.
وقد امتد مشروعه الفكري ليشمل دراسة الشخصية العراقية وتحليلها عبر التاريخ، وهو ما تجسد في مؤلفاته المهمة، وفي مقدمتها (الشخصية العراقية من السومرية إلى الطائفية)، الذي حاول فيه تفسير التحولات النفسية التي مرت بها الشخصية العراقية عبر آلاف السنين، وربطها بالتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية.
كما تناول في كتاب (المجتمع العراقي: تحليل سيكوسوسيولوجي لما حدث ويحدث) الأزمات التي عصفت بالعراق، مقدماً قراءة تمزج بين علم النفس وعلم الاجتماع، بينما كشف في (سيكولوجيا السلطة) عن الكيفية التي تتحول بها السلطة إلى بنية نفسية تؤثر في الحاكم والمحكوم معاً. أما كتاب (إشكالية السلطة والدين في العالم العربي) فقد كان محاولة لفهم العلاقة المعقدة بين المقدس والسياسي، بعيداً عن الخطابات الأيديولوجية.
ومن أكثر أطروحاته إثارة للاهتمام تحليله لما سماه (اللاوعي الجمعي العراقي)، الذي يرى أنه يتحكم في سلوك المجتمع في أوقات الأزمات، ويستحضر أنماط التفكير الصحراوية القائمة على الانقسام بين (نحن) و(هم)، ويغذي النزاعات الطائفية وصراعات الهوية. ومن خلال هذا المفهوم حاول تفسير كثير من الأحداث التي شهدها العراق بعد عام 2003، مؤكداً أن الأزمات السياسية لا يمكن فهمها بعيداً عن البنية النفسية والثقافية للمجتمع.
كما أولى اهتماماً كبيراً بالعلاقة بين علم النفس والفنون، وكان من أوائل الأكاديميين الذين أدخلوا التحليل النفسي إلى دراسة المسرح والفنون التشكيلية، إيماناً منه بأن الفنان لا يبدع إلا حين يفهم النفس الإنسانية، وأن العمل الفني ليس مجرد صورة، بل انعكاس لبنية شعورية وثقافية معقدة.
وربما اختلف معه بعضهم في آرائه أو أسلوبه أو ثقته العالية بنفسه، لكن أحداً لا يستطيع أن ينكر أنه أسس مدرسة عراقية خاصة في تبسيط علم النفس، وربطه بقضايا المجتمع والدولة، وأنه نجح في تحويل المعرفة النفسية من اختصاص أكاديمي إلى خطاب ثقافي مؤثر.
بعد أكثر من خمسة عقود من البحث والكتابة والتدريس والإعلام، يمكن القول إن الدكتور قاسم حسن صالح لم يكن مجرد أستاذ لعلم النفس، بل كان أحد أبرز الذين سعوا إلى فهم الإنسان العراقي وهو يواجه الاستبداد، والحروب، والانقسامات، والتحولات الكبرى. لقد جعل من علم النفس مرآة يرى العراقيون فيها أنفسهم، ومن الكلمة العلمية رسالة تنوير، ومن الثقافة النفسية مشروعاً للدفاع عن الإنسان.
وهذا، في تقديري، هو الإرث الحقيقي الذي سيبقى للدكتور قاسم حسن صالح: أنه لم يكتفِ بتفسير النفس، بل حاول أن يسهم في شفائها، ولم يدرس المجتمع من خارجه، بل عاش همومه، وكتب عنها بضمير الباحث، وصدق المثقف، وإنسانية الطبيب الذي يؤمن أن علاج الأوطان يبدأ دائماً من علاج الإنسان.