الكاتب ظافر جلود
حينما يشار الى المدرسة الأخلاقية بالمسرح العراقي ولأجيال مختلفة لابد ان يذكر بهنام ميخائيل او راهب المسرح العراقي، كونه مربيا فاضلا، رسخ مبادئ احترام المسرح واعتباره شيئا مقدسا في الحياة، ولأن والده كان عسكريا، تربى بهنام ميخائيل على المثل العسكرية، ونقلها الى طلابه في الانضباط واحترام الواجب والانصياع لأوامر المعلم والمخرج على حد سواء، والالتزام بكامل قواعد العمل في المسرح، لذلك يعتبر الفنان الأستاذ بهنام ميخائيل من جيل شذب الشوائب وسعى الى مسرح أخلاقي لأنه من المتخصصين في الإخراج والتمثيل المسرحي.. له علاقة وثيقة بالحركة الفنية، ولاسيما الحركة المسرحية التي انتعشت بسبب اهتمامه بالمسرح الطلابي، الجيل الناهض بمسؤوليته اتجاه بلده فغرز روح الوطنية عبر الاعمال التجريبية التي كانت تقدم على مسرح قاعة معهد الفنون الجميلة.
لذلك فنحن جيل درسنا وعلمنا وهذبنا بهنام ميخائيل في أصول بناء الشخصية الإنسانية من خلال المسرح، جيل يفخر بانه تتلمذ على يديه فعلمه دروس الثقافة والمهنية والتعلم.. بهنام ميخائيل.. هذا الانسان والفنان الكبير في كل ما يطرح من قيم شريفة وكريمة في مسرحنا العراقي، غيبته الاوجاع والحاجة والفقر في سنواته الأخيرة على حين غفلة منا.. فما زلنا بحاجة الى جهاديته في عالم المسرح بعد ان سادته فوضى متعمدة وقسرية وتغيب واهمال وابعاد كل من لا يمدح او يغني للدكتاتور.. كنا بحاجة الى مواقف صلبة منه لهذا الجيل الذي نحرص عليه كما نحرص على ماء في عيوننا.. وبهنام واحد من الجديرين بهذه المسؤولية الصعبة.. لكن القدر شاء ان يستلبه منا روحا نظيفة نقية كالثلج وانسانية عميقة عمق البحر.. وندعو كل من اغترف من علمه ومعرفته ان يقتدي به فذاك ابسط الوفاء الى المربي، والاستاذ، والمعلم، والفنان. بهنام ميخائيل.
بالرغم من ان بهنام ميخائيل تأثر بوالده العسكري ، والتي اثرت على نمط حياته وسلوكيته الخاصة وعلاقاته بالمحيطين به، الا انه يحمل في طيات ذاته، التواضع والطيبة وعفة النفس ، هذه الصفات الانسانية القيمة اهلته للدخول الى كلية اللاهوت في اميركا «وحسب رغبة والده» لكنه عدل عن هذا الراي وانخرط مع طلاب الدراما في شيكاغو ، وحينما عاد الى بغداد وهو يحمل شهادة عليا في دراسة المسرح في سنة 1959 عيين استاذا لمادة التمثيل والاخراج المسرحي في معهد الفنون الجميلة، حيث كان علامة متميزة بين اقرانه من الاساتذة الاجلاء في التدريس وفي ترسيخ مبادئ احترام المسرح وتقديس خشبته ورسم مفاهيم جديدة للمسرح العراقي، لان المسرح ليس غايته عرض الواقع وكشفه دلالاتها ببساطة، انما التحريض على تغييره وتعرية السلبيات وكشفها وترسيخ مفاهيم القيم الانسانية والفكرية والعقائدية التي تحترم حرية الانسان، حيث تهدف ايضا الى تطوير حياته الاجتماعية والثقافية والفكرية الى الافضل ، وقد يعود هذا الى ما كان يحمله من العقائد الايمانية التي اهلته لدراسة اللاهوت ليصبح رجل دين كنائسي ، لكن الاقدار قد رسمت له غير ما كان مخططا لها.
ولد المخرج والمعلم والانسان بهنام ميخائيل في بغداد، واكمل دراسته الاولية في كركوك، والاعدادية في الجامعة الامريكية في بيروت، ثم درس طب الأسنان في الجامعة الأمريكية في بيروت ثم تركها، وسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة اللاهوت كي يصبح رجل دين كنائسي حسب رغبة والده وعائلته، لكنه غيَّر ذلك ليدرس في معهد المسرح (Goodman Theatre) في شيكاغو…ثم واصل دراسته في معهد ( غودمان ) بالولايات المتحدة الامريكية، فدرس نظريات المسرح وتاريخه والاخراج المسرحي في الخمسينيات ومارس المسرح ممثلا ومخرجا وناقدا لتجربته في المسرح الأمريكي.
بعد ان نال الشهادة من معهد كودمان ثييتر، عاد إلى بغداد في عام 1959 فعين في معهد الفنون الجميلة، مدرسا لمادة التمثيل والإخراج المسرحي في المعهد. وعمل في الاذاعة والتلفزيون فاحصا للنصوص ومعداً لبرامج مسرحية وعمل حينا في مؤسسة السينما والمسرح، كما مارس التدريس في اكاديمية الفنون الجميلة في اواسط الستينيات. اعد تقارير عديدة هي مشاريع لتطوير المسرح العراقي محفوظة لدى ارشيف المؤسسات الفنية في العراق. ترجم عدداً من الاعمال ذات العلاقة بعالم المسرح منها (المسرح) لهيليام وايت و (الممثل) لميخائيل تشيوخوف و (ايمانك بالتمثيل) لستنسلافسكي. يعد في رأي نقاد المسرح والمتخصصين بالأدب من أبرز من عمل على تكريس التيار الواقعي في المسرح العراقي، ولجهوده وسعة ثقافته ومهنيته اختير مديرا للمسرح القومي في الأيام الأخيرة من حياته، اضافة الى استمراره في التدريس.
انتقل من معهد الفنون الجميلة الى الاكاديمية مدرسا فيها، ولكن مما يؤسف له تثمينا لجهوده ولمثابرته واخلاصه لمهنته التدريسية، فصل من معهد الفنون الجميلة، لتلفيق تهم باطلة بحقه، مما اضطرته الظروف الاقتصادية القاسية ان يشتغل في احد المطاعم السياحية في متنزه الزوراء، الا ان العناية الالهية راعته واعادته الى وظيفة مدير المسرح القومي، بعد اكتشاف بطلان ما قيل بحقه، ولحاجة معهد الفنون الجميلة لثقافته وخبرته، اعيد مرة ثانية استاذا فيه، اضافة الى التدريس في اكاديمية الفنون الجميلة.
قد يستغرب من لا يعرف عن ظاهرة بهنام ميخائيل ، وسلوكيته في الحياة اليومية، وايمانه المطلق بمبادئه التي يؤمن بها ، ففي جميع محاضراته كان يوصي بنقاوة الفنان وسلوكيته الايمانية باتجاه علاقاته الانسانية ، وبأفكاره التي يطرحها من على خشبة المسرح ، فيؤكد واكثر من مرة ( بانه يجب على الممثل ان ينظف اذانه ولسانه وقلبه واقدامه ونواياه ، قبل صعوده على خشبة المسرح وان يؤمن كل الايمان بما يطرحه على مسامع الجمهور في العرض المسرحي ، فلو انه كان لا يؤمن يما يطرحه على مسامع المتلقين فكيف يطلب من جمهوره الايمان بما يطرحه، ومرة طلب من طلبيته الاعتذار من الحمار لكون المجتمع يقسوا عليه بتعامله معه، لا تتعجبوا من هذا، لأنه بعد ذلك شرح لنا اسباب هذه العلاقة التي يتعامل بها الممثل مع الحيوانات، لأنه يجب على الممثل التأقلم مع الحيوانات والتعرف على غرائزها وتقريبها الى الشخصيات والمراد منها تجسيدها، مثال على ذلك شخصية شايلوك في مسرحية تاجر البندقية، فان غريزته الحيوانية هي الثعلبية التي يجب ان يجسدها الممثل في تمثيل هذه الشخصية، وفي مسرحية عطيل يجب على الممثل الذي يجسد شخصية عطيل ان تتجسد فيه معالم غريزة الثور الاحمق وغريزة الثعلبية الماكرة عند ياكو ، هذا هو الغرض من هدف بهنام ميخائيل .
كان بهنام ميخائيل يطلب من الممثل ان يبحث ما خلف السطور، وان يكتشف معالم شخصيته، وان يجد المعاني المستترة، لتساعده على كيفية الالقاء والتلوين، لأنه كان يؤمن بان لكل كلمة من حوار الممثل لها وقع خاص وفعل خاص والقاء وتلوين خاص، وبموجب ما تتطلبه عملية فن الالقاء، وعلى ضوء ردود افعال ودوافع الشخصنة، سيخرج الصوت مصبوغا بنبرات الحنجرة والمتفاعلة مع الاحاسيس الداخلية، والتي سيجسده الصوت، وسيتمثل لها الجسد وبموجب هذا الالقاء والتلوين.
كان بهنام ميخائيل يصب جهده من اجل صقل المواهب ويعطيها من تجربته وثقافته ، ويتابع الصغير والكبير ويخلص في ارشادهم وتوجيههم ، وبالرغم من مكافئتهم له بشتى وسائل النقد والعداء الا انهم بعد حصولهم على الشهادات العليا يستذكرونه والندم على ما بدر منهم بحقه ويترحمون عليه، معترفين بانه كان المربي الفاضل والاب الروحي، ولولاه لما وصلوا الى هذا الحال من الرقي والثقافة التي كان اساسها المنهاج التربوي والاخلاقي في مسيرة الفن والفنانين التي ارساها المعلم بهنام واصبحت تذكر على السنة المثقفين من الاكاديميين المسرحيين.