خالد الياس رفو
قضية أم وصفي واختبار العدالة والإعلام فهي ليست قصة إنسانية عابرة ولا حدثاً اجتماعياً يمكن تناوله بمعزل عن سياقه التاريخي والقانوني بل هي شاهد حي على واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي بحق الشعب الإيزيدي خلال جريمة الإبادة الجماعية التي وقعت في 3 آب/أغسطس 2014 وقد اعترفت الأمم المتحدة كما أقرت برلمانات ومحاكم وطنية ودولية بأن ما تعرض له الأيزيديين يشكل إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
إن جوهر القضية لا يكمن في الروايات التي تروّج حول فكرة
” تغيير الدين ” أو ” الاندماج في المجتمع ” وإنما في الظروف التي فرضت فيها تلك الحالة فأم وصفي شأنها شأن آلاف النساء الإيزيديات اختطفت تحت تهديد السلاح وفقدت أفراداً من عائلتها وعاشت سنوات في ظل الاستعباد والإكراه والحرمان من الحرية والإرادة لذلك فإن أي حديث عن خيارات شخصية بمعزل عن هذه الظروف لا يمثل قراءة موضوعية للواقع بل يؤدي إلى طمس الحقيقة وتشويه معاناة الضحايا وإخراج الوقائع من سياقها القانوني والإنساني.
يؤكد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان أن أي تغيير في الدين أو الهوية أو السلوك يقع تحت الإكراه أو أثناء الاحتجاز أو الاستعباد لا يمكن اعتباره تعبيراً عن إرادة حرة لأن الإرادة المنتزعة بالقوة لا تنشئ حقاً ولا تسقط مسؤولية الجناة ومن ثم فإن أي معالجة إعلامية تتجاهل هذه المبادئ تبتعد عن المعايير المهنية والأخلاقية التي يفترض أن تحكم العمل الإعلامي.
من أخطر ما رافق بعض التغطيات الإعلامية الترويج لفكرة أن النساء الإيزيديات المختطفات كن يخشين العودة إلى مجتمعهن خوفاً من التعرض للأذى أو القتل بحجة إجبارهن على اعتناق الإسلام أو بسبب ما تعرضن له خلال فترة الأسر وهذه رواية لا تستند إلى الوقائع بل تناقض ما أثبته الواقع منذ تحرير آلاف الناجيات.
فالمجتمع الإيزيدي بقيادته الدينية والاجتماعية اتخذ منذ الأيام الأولى موقفاً تاريخياً وأخلاقياً واضحاً باستقبال جميع الناجيات واحتضانهن دون أي تمييز أو تحميلهن أي مسؤولية عما فرض عليهن بالقوة وقد اعتبرت الناجيات ضحايا لجريمة إبادة جماعية لا مسؤولات عما ارتكبه الجناة بحقهن ونظر إليهن بكل احترام وتقدير لما تحملنه من معاناة.
لم يكن هذا الموقف مجرد إعلان رمزي بل ترجم عملياً في حياة آلاف الناجيات اللواتي عدن إلى مجتمعهن واستأنفن حياتهن بصورة طبيعية فالعديد ممن لم يكن متزوجات تزوجن من شباب إيزيديين وكثيرات ممن فقدن أزواجهن أو أبناءهن خلال الإبادة أعدن بناء حياتهن وتزوجن مرة أخرى وشكلن أسراً جديدة، والتحقن بالتعليم والعمل وأصبحن ناجحات ومستقرات ويساهمن في خدمة مجتمعهن وهذه الوقائع الموثقة تكذب بصورة قاطعة الادعاءات التي تصور المجتمع الإيزيدي وكأنه يرفض الناجيات أو يشكل خطراً عليهن.
إن ترويج مثل هذه الروايات لا يسيء إلى المجتمع الإيزيدي فحسب بل يمنح بصورة غير مباشرة شرعية للرواية التي سعى تنظيم داعش إلى فرضها بالقوة وكأن آثار الجريمة ما زالت تنسب إلى الضحايا بدلاً من الجناة كما أنه يحجب واحدة من أهم صور الصمود الإنساني التي جسدها الأيزيديين في تعاملهم مع الناجيات والتي تستحق أن تعرض باعتبارها نموذجاً في احترام الضحايا وإعادة دمجهن في المجتمع.
إن تقديم قضية أم وصفي أو غيرها من الناجيات باعتبارها قصة
” تغيير دين ” أو ” اندماج اجتماعي ” بمعزل عن سياق الإبادة الجماعية والاستعباد الجنسي والاتجار بالبشر والإكراه لا يسيء إلى الضحية وحدها بل يسيء إلى الحقيقة التاريخية بأكملها ويقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق العدالة الانتقالية وحماية ذاكرة ضحايا الإبادة الجماعية وضمان عدم تكرار هذه الجرائم.
كما أن استمرار وجود الضحية لسنوات طويلة دون الإعلان عن مصيرها أو إعادتها إلى ذويها يثير تساؤلات مشروعة تستحق التحقيق والمتابعة ليس فقط بشأن ملابسات هذه القضية وإنما أيضًا بشأن احتمال وجود مختطفات أو مختطفين آخرين لم يُكشف عن مصيرهم حتى اليوم وهذه الأسئلة يجب أن تجاب عبر تحقيقات جادة وشفافة تكشف الحقيقة كاملة وتحدد المسؤوليات وفقًا للقانون.
في حال صحة ما أظهرته المقاطع المصورة المتداولة بشأن وجود عناصر أو مسؤولين أمنيين كانوا على علم بوجود الضحية خلال السنوات الماضية فإن ذلك يفرض فتح تحقيق قضائي وإداري عاجل لتحديد مدى علمهم بالوقائع وما إذا كانوا قد أدوا واجبهم القانوني في حماية الضحية وإبلاغ الجهات المختصة أم أن هناك تقصيراً أو مخالفة تستوجب المساءلة.
فحق الضحايا في الحقيقة والعدالة يفرض عدم التساهل مع أي صورة من صور التستر أو التقاعس.
كما تؤكد الوقائع التي وثقتها السلطات العراقية ولجان التحقيق التابعة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية والأحكام القضائية أن تنظيم داعش لم يكن مجرد مجموعة معزولة وأن أفراداً من بعض البيئات المحلية انضموا إليه أو تعاونوا معه في بعض المناطق. غير أن تناول هذه الوقائع يجب أن يبقى في إطار ما تثبته الأدلة والتحقيقات دون تعميم المسؤولية على أي مكون بأكمله مع التمسك بالحقيقة التاريخية كما أثبتتها الوثائق والأحكام.
إن إنكار الجرائم الدولية أو تحريف الوقائع الثابتة أو تقديم روايات تناقض ما انتهت إليه التحقيقات والأحكام القضائية لا يخدم المصالحة المجتمعية بل يكرس الإفلات من العقاب ويعتدي على حق الضحايا في الحقيقة والإنصاف وفي العديد من الأنظمة القانونية قد تترتب على نشر معلومات مضللة أو تشهيرية بشأن الجرائم الدولية مسؤوليات قانونية ومدنية بحسب طبيعة المحتوى والقوانين النافذة.
ومن هذا المنطلق .. فإن من حق الضحايا والمؤسسات الإيزيدية ومنظمات المجتمع المدني والقيادة المتمثلة في الامير حازم تحسين بك وسماحة البابا شيخ باللجوء إلى الوسائل القانونية والإدارية للطعن في أي محتوى إعلامي ينتهك حقوق الضحايا أو يشوه الحقيقة التاريخية،عبر تقديم الشكاوى إلى الجهات التنظيمية المختصة والمطالبة بحق الرد والتصحيح واللجوء إلى القضاء متى توافرت الأسانيد القانونية الكافية.
في هذا الإطار، أؤكد ضرورة قيام الجهات والمؤسسات الإيزيدية المعنية وبالتنسيق مع فريق من المحامين المختصين ( محامين أيزيديين بالتعاون مع محامين المدافعين عن الانسانية وحقوق الانسان ) بدراسة جميع الإجراءات القانونية الممكنة بما في ذلك إقامة دعوى قضائية ( متى توافرت الأدلة والأسانيد القانونية ) بحق قناة الديرة ومقدمة البرنامج سرور الدليمي، إذا ثبت أن المحتوى الإعلامي الذي تناول قضية أم وصفي تضمن تشويهاً للوقائع أو انتهاكاً لحقوق الضحية أو مخالفة للقوانين والمعايير المهنية والأخلاقية.
كما أطالب الجهات القضائية والهيئات التنظيمية المختصة بالتحقق من مدى التزام المؤسسة الإعلامية بواجبات الدقة والحياد واحترام حقوق ضحايا الإبادة الجماعية واتخاذ ما يقتضيه القانون.
إن المرحلة الراهنة تتطلب موقفًا موحداً ومسؤولاً من جميع القوى الإيزيدية فالمطلوب لم يعد يقتصر على بيانات الاستنكار بل يستوجب عملاً مؤسسياً منظماً يجمع بين الجهد القانوني والإعلامي والحقوقي والسياسي دفاعاً عن الحقيقة وصوناً لكرامة الضحايا.
كما ندعو إلى توثيق هذه القضية ضمن ملف قانوني متكامل وعدم السماح بتحويلها إلى مادة إعلامية نتزع من سياقها الحقيقي فكل شهادة لناجية من الإبادة الجماعية تمثل دليلاُ تاريخياً وقانونياً وليست مادة لإثارة الجدل أو صناعة الروايات أو إعادة إنتاج خطاب يطمس الجريمة.
إن الحقيقة ليست وجهة نظر والإبادة الجماعية ليست رواية قابلة لإعادة الصياغة وفق الأهواء الإعلامية وكرامة الضحايا ليست مجالًا للمساومة أو التأويل.
فالعدالة تبدأ بكشف الحقيقة وتستمر بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم وتحميها ذاكرة جماعية ترفض النسيان وترفض كذلك كل محاولة لتزييف الوقائع أو إعادة كتابة التاريخ على حساب دماء الأبرياء وكرامتهم الإنسانية.