د. حازم محمود حميد النعيمي
إن كل قرار يُتخذ ولا يُحسب حساب عواقبه، ويجلب معه المصائب والويلات، هو فتحٌ لصندوق بندورا (Pandora’s Box) بحسب الأسطورة الإغريقية. فهل نحن أمام صندوق بندورا عراقي؟
حين تمر الدول بأزمات مالية أو ضغوط اقتصادية كبيرة، تلجأ الحكومات عادة إلى حزمة من الإجراءات لمعالجة الاختلالات في الموازنة العامة. غير أن هناك قاعدة اقتصادية واجتماعية وحتى سياسية تبقى واضحة في مثل وضع بلدنا الراهن، وهي أن رواتب الموظفين يجب أن تبقى خارج دائرة المعالجات المالية، حتى وإن كان الخفض طفيفا.
فالراتب الشهري للموظف ليس مجرد بند في الموازنة بل هو حياة كاملة بُنيت على أساسه. فمعظم الموظفين ينظمون حياتهم وفق دخلهم الشهري الثابت، وقاموا بترتيب عدد كبير من الالتزامات المالية وفق هذا الدخل، والتي يصعب تغييرها بسهولة. فهناك قروض مصرفية وإيجارات سكن وأقساط مدارس وأدوية مزمنة وأجور خطوط نقل ومصاريف معيشية ثابتة تعتمد عليها الأسر بشكل كامل. ولهذا فإن أي تخفيض في راتب الموظف حتى وإن بدا بسيطا في نظر صانع القرار قد يتحول إلى عبء كبير في حياة الأسرة، وعندما يُخفض الراتب بعد أن تكون حياة الأسرة قد بُنيت على أساسه، فإن ذلك يضع الموظف أمام أزمة مالية مفاجئة يصعب التكيف معها.
ولا بد من التوضيح أن أي إجراء آخر تقوم به الحكومة لمعالجة الأزمة المالية، مثل زيادة الرسوم أو تعديل سعر صرف الدولار أو غيرها من الإجراءات التقشفية، سيؤثر حتماً على معيشة المواطن، لكن تأثيره غالبا ما يكون تدريجيا وغير مباشر. فارتفاع بعض الأسعار يمنح المواطن وقتا للتكيف مع الظروف الجديدة، أما خفض الراتب فهو تأثير مباشر وفوري على دخل الأسرة، ولا يترك مساحة كافية للتكيف. ولا يمكن إغفال الجانب النفسي العميق لهذا القرار، إذ يشعر الموظف عند تقليص دخله بفقدان الأمان المالي مما يولد حالة من القلق المستمر بشأن قدرته على الوفاء بالتزاماته.
وقد يتحول هذا القلق إلى ضغط داخل الأسرة ويؤثر على الاستقرار الاجتماعي والإنتاجية الوظيفية، بل ويخلق شعورا بعدم اليقين تجاه المستقبل. ويرى خبراء اقتصاديون ان مشروع خفض رواتب الموظفين رغم ما يثيره من جدل واسع لن يوفر في الواقع سوى مبالغ محدودة لا تتناسب مع حجم العجز المالي الكبير في الموازنة.
وشهدنا قبل أيام ردود فعل الموظفين في وزارتي التربية والتعليم العالي والبحث العلمي، عندما أصدر مجلس الوزراء قراره بحجب مخصصات الخدمة الجامعية لغير المفرغين للتدريس، وهي مخصصات اعتاد الموظفون على استلامها لسنوات طويلة، وهي تمثل جزءا فعليا من دخلهم الشهري، وسيتسبب حجبها في خلل كبير في وضعهم الاجتماعي. ولا يمكن استبعاد أن تؤدي مثل هذه القرارات مع بقية الوزارات إلى ردود فعل أشد، واللجوء إلى وسائل الضغط المشروعة للتعبير عن رفضهم، وهو ما قد يؤدي إلى تعطيل جزئي أو كلي في بعض المرافق العامة، وهو سيناريو أثبتت التجارب السابقة أنه قابل للتكرار إذا لم تتم معالجته بحكمة.
لا بد من الاستفادة من تجارب دول أخرى واجهت مثل هذه الأزمات. ففي اليونان، عندما فرضت الحكومة تخفيضات على رواتب القطاع العام خلال أزمة الديون بعد عام 2010، اندلعت موجة واسعة من الاحتجاجات والإضرابات التي استمرت سنوات، وأثرت في الاستقرار السياسي والاقتصادي، واضطرت الحكومة إلى البحث عن حلول أخرى لتهدئة الشارع. كما شهدت الأرجنتين في أزمتها المالية عام 2001 إجراءات مشابهة تضمنت تقليص رواتب الموظفين، وهو ما أدى إلى اضطرابات اجتماعية وفقدان واسع للثقة بالمؤسسات الحكومية.
ان وضع البلد حاليا في ظل التوترات الداخلية والاقليمية والحرب الظالمة الاخيرة على الجارة إيران لا يحتمل مثل هكذا ازمات، وربما تعصف ببلدنا الى الى المجهول لا سمح الله. ولهذا فإن معالجة الأزمات المالية يجب أن تستنفد كل الخيارات قبل الاقتراب من رواتب الموظفين. ويمكن للحكومة تبني حزمة من البدائل العملية لتوفير السيولة دون المساس باستقرار المواطنين، يأتي في مقدمتها خفض كبير في الإنفاق الحكومي غير الضروري، ومراجعة أبواب الهدر في المؤسسات، بما يحقق وفورات حقيقية دون التأثير على الخدمات الأساسية.
كما يمكن تعظيم الإيرادات غير النفطية عبر فرض ضرائب مدروسة وصارمة على السلع الكمالية مثل السيارات الفخمة والمشروبات والسكائر ومواد التجميل والعطور وغيرها، إلى جانب تطبيق نظام ضريبي تصاعدي عادل يفرض نسباً أعلى على أصحاب الدخول المرتفعة، خصوصاً أصحاب الشركات والأعمال الكبرى، بما يعزز موارد الدولة ويحقق قدرا من العدالة الاجتماعية. وقد تشمل هذه الإجراءات زيادة الرسوم على الخدمات الحكومية والضرائب، أو حتى تعديل سعر صرف العملة أو رفع الدعم عن بعض المنتجات النفطية. وفي موازاة ذلك، يمثل تحسين الجباية وتنظيم المنافذ الحدودية وتقليل التهرب الضريبي مصادر مهمة لتعزيز الإيرادات.
كما يُعد جلب مستثمرين حقيقيين إلى السوق العراقية خطوة استراتيجية، ليس فقط لتوفير السيولة بل لإدخال رؤوس أموال منتجة تخلق فرص عمل وتدعم الاقتصاد بعيدا عن الاعتماد الكامل على الموازنة العامة. ولا يمكن إغفال أن محاربة الفساد في المشاريع الحكومية تمثل أحد أهم مفاتيح الإصلاح المالي، إذ إن جزءا كبيرا من موارد الدولة يُهدر بسبب سوء الإدارة أو الفساد، مما يجعل معالجة هذا الملف كفيلة بتوفير مبالغ تفوق ما يمكن تحصيله من إجراءات تقشفية.
وهناك خيار مهم آخر تعتمد عليه كثير من الدول، وحتى الدول الغنية، في الأزمات المالية، وهو اللجوء إلى الدين الخارجي طويل الأمد بضمان الحصول على حصص نفطية مستقبلا. فحين تعجز الحكومة عن توفير السيولة من الاقتراض الداخلي أو لا يكون بالإمكان الاعتماد على احتياطيات البنك المركزي لأسباب تتعلق بالسياسة النقدية، يصبح التوجه نحو التمويل الخارجي خيارا متاحا. يوفر الدين الخارجي سيولة فورية للدولة في أوقات الحروب والأزمات، عندما تتراجع الإيرادات أو تتوقف مصادر التمويل، مما يساعد على استمرار دفع الرواتب وتمويل النفقات الأساسية ويسهم في تحفيز الاقتصاد عبر زيادة الإنفاق وخلق فرص العمل.
وتلجأ الكثير من الدول المتقدمة لهذا الخيار إذ تمتلك ديونا ضخمة تُدار ضمن سياسات اقتصادية واضحة. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، لديها ديون خارجية تقارب 40 تريليون دولار، بينما تصل ديون اليابان إلى نحو 10 تريليونات دولار، كما أن العديد من دول الاتحاد الأوروبي تمتلك ديونا بمئات المليارات من الدولارات، وغالبا ما تكون هذه الديون مملوكة لمؤسسات مالية كبرى مثل المصارف والشركات وصناديق الاستثمار.
ومع ذلك، وإذا افترضنا أن جميع الخيارات أعلاه لمعالجة الأزمة المالية قد استنفدتها الحكومة، فإن خفض الرواتب قد يصبح الخيار الأخير الذي يُفرض كحل اضطراري. ففي مثل هذه الحالة، يكون من الضروري أن يتم التعامل مع القرار بشفافية عالية، وأن يكون المواطن، ولا سيما الموظف، على قناعة تامة بأنه إجراء لا مفر منه بعد استنفاد كل البدائل، ويعتبره مساهمة منه في حل الأزمة. وحتى في هذا السيناريو الصعب، يجب تهيئة مدة زمنية كافية لا تقل عن سنة كاملة، تُمكّن الموظفين من إعادة ترتيب أوضاعهم المالية وتسوية التزاماتهم والتكيف التدريجي مع أي انخفاض محتمل في دخلهم بدلا من فرض القرار بشكل مفاجئ يضاعف من آثاره السلبية. كما يجب البدء اولا بخفض رواتب المناصب العليا وكذلك النواب والوزراء واصحاب الدرجات الخاصة قبل تطبيقه على بقية الموظفين.
إن الموظف في النهاية ليس سبب الأزمة المالية بل هو أحد أعمدة استقرار الدولة. ولذلك فإن الحكمة الاقتصادية والسياسية تقتضي أن تبقى رواتب الموظفين خطا أحمر، لأن المساس بها لا يقتصر على كونه قرارا ماليا، بل قد يكون الشرارة التي تفتح فعلا صندوق بندورا من الأزمات التي يصعب إغلاقها.