الاغتراب الاجتماعي في المدن الكبرى وأسباب العزلة برغم الكثافة السكانية

 

أعداد ـ التآخي

 الاغتراب الاجتماعي في المدن، من أكثر القضايا السوسيولوجية والنفسية إلحاحا في عصرنا الحالي، اذ يعبر عن مفارقة وجودية صارخة: تزاحم في الأجساد، وتباعد في الأرواح.

يدور البحث حول مفارقة “العزلة المزدحمة”، ويمكن صياغة الإشكالية في السؤال الرئيس: كيف تسهم طبيعة الحياة الحضرية الحديثة، بنمطها الاقتصادي والتكنولوجي والمعماري، في تعميق شعور الفرد بالاغتراب والعزلة الاجتماعية، برغم عيشه وسط كثافة سكانية هائلة؟

لفهم الظاهرة، يفضل تفكيكها عبر أربعة أبعاد رئيسة، محور يتعلق بالجذور الفلسفية والاجتماعية للاغتراب: مفهوم “الاغتراب” عند الفيلسوف كارل ماركس اغتراب العامل “والانسان عموما” عن ذاته وعن مجتمعه بسبب النظام الرأسمالي، وحدد أربعة أنواع رئيسة للاغتراب تشمل الاغتراب عن نتاج العمل، المنتج الذي يصنعه العامل لا يملكه، بل يصبح سلعة غريبة وقوية تتحكم فيه وتجلب الربح لصاحب العمل، و الاغتراب عن عملية الإنتاج، يصبح العمل مجرد نشاط روتيني وميكانيكي يفقد فيه الانسان حريته وإبداعه، ويشعر فيه بالقهر بدلا من المتعة والاغتراب عن الطبيعة البشرية، اذ يفقد الإنسان جوهره الإبداعي والحر، ليتحول إلى مجرد ترس في خط إنتاج أو سلعة رخيصة تباع وتشترى و الاغتراب عن الآخرين بتحول العلاقات الإنسانية بين العمال إلى علاقات تنافسية على الأجور وفرص العمل، مما يُمزق روح التضامن الاجتماعي، وكذلك   مفهوم “الأنومي” أو اللامعيارية عند عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم (تفكك الروابط الأخلاقية في المجتمعات الحديثة).  ودراسة عالم الاجتماع جورج زيمل بشأن “المدينة الكبرى والحياة الذهنية”، وكيف يطور سكان المدن آلية دفاعية نفسية تسمى “البلادة” أو “اللامبالاة لحماية أنفسهم من الإفراط في المثيرات الحسية”.

وهناك محور الأسباب الهيكلية والمعمارية للاغتراب المدني تتمثل في الهندسة المعمارية العمودية، بتحول السكن من الأحياء الأفقية التي تسمح بالتفاعل والتعارف إلى الأبراج السكنية المغلقة حيث يجهل الجار جاره، والفضاءات العامة الاستهلاكية بتحول الساحات العامة الحرة إلى مجمعات تجارية (مولات) قائمة على الاستهلاك لا على التواصل الإنساني.

ويتواجد نمط الحياة السريع والتكنولوجيا، بتسارع الزمن وطغيان ثقافة العمل والإنتاجية، مما يترك وقتا ضئيلا جدا لبناء علاقات عميقة، والاعتماد المعاصر على الشاشات كبديل للتفاعل الجسماني، مما يخلق وهما بالاتصال فيما يرسخ العزلة الواقعية (اتصال بلا تواصل).

ان الآثار المترتبة على الاغتراب تشمل التأثيرات النفسية بارتفاع معدلات القلق، الاكتئاب، وفقدان المعنى، والاجتماعية بتفكك شبكات الدعم الاجتماعي التقليدية، وزيادة النزعة الفردية الأنانية.

وتبرز لدينا عدة أنماط من ذلك الانتقال نحو العزلة؛ من المقاهي الشعبية إلى منصات التواصل أي تحول الفضاء الاجتماعي وتأثير الفردانية الرأسمالية الاستهلاكية على صياغة العلاقات الإنسانية في المدينة.

 

 

 

فعند مناقشة موضوع التحول من المقاهي الشعبية إلى منصات التواصل وتحول الفضاء الاجتماعي مثلا، نحن لا نناقش مجرد تغيير في أماكن التجمع، بل نرصد انتقالا بنيويا في عمق العلاقات الإنسانية، وتحولا من “الفضاء الفيزيائي الملموس” إلى “الفضاء السيبراني الافتراضي”.

تُصنف المقاهي التقليدية في علم الاجتماع بحسب أطروحة عالم الاجتماع ري أودنبرغ، بأنها “المكان الثالث”؛ وهو المكان الذي يقضي فيه الإنسان وقته في خارج البيت (المكان الأول) والعمل (المكان الثاني). و كان المقهى الشعبي فضاء يجمع الناس على اختلاف طبقاتهم. التفاعل فيه يعتمد على الجسد، لغة العيون، نبرة الصوت، وتبادل التحية العفوية، ومن ثم اختيار الأصدقاء بحسب المشتركات الحسية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية. ومثّل المقهى تاريخيا منبرا لتداول الأخبار السياسية، الثقافية، والاجتماعية. فيه تولد الأفكار، وتُناقش قضايا الحي والمدينة بشكل تشاركي يخلق “وعيا جمعيا”، ويؤمن الدعم النفسي والاجتماعي اذ كان الذهاب للمقهى يضمن للفرد الاندماج والاعتراف الاجتماعي، حيث يشعر بأنه مرئي ومسموع من قِبل جماعته الحيوية.

 

منصات التواصل الاجتماعي: فضاء “الصلات السائلة”

 

مع الانتقال إلى الفضاء الرقمي (فيسبوك، إكس، إنستغرام، تيك توك.. وغير ذلك)، تحول هذا الفضاء الثالث من مكان جغرافي محدد إلى “شاشة محجوبة وراء خوارزميات”، يجري فيه الاتصال بلا تواصل (Connection without Communion)، اذ ألغت المنصات المسافات الجغرافية، لكنها حيدت “الجسد”. أصبح بإمكان الفرد الحديث مع المئات في آن واحد، لكنه وحيد يفتقر إلى الحميمية والدفء الإنساني، مما يعمق شعور الوحدة وربما الاكتئاب وسط الحشد الافتراضي.

في المقهى، يتفاعل الفرد بطبيعته وعيوبه ويتجاوزها بأصدقائه. أما في المنصات، فالتفاعل قائم على “إدارة الصورة الذاتية” (Impression Management). يختار الفرد ما يظهره، ويتحول الآخرون إلى “متابعين” أو “جمهور” يصوتون بـ (الإعجاب)، مما يحول العلاقة الإنسانية إلى علاقة استهلاكية نرجسية.

وعلى عكس المقهى الذي يجمع أطيافا متعددة قد تختلف في الرأي، تقوم خوارزميات التواصل بعزل المستخدمين في داخل “غرف صدى” (Echo Chambers) تضم فقط من يشبهونهم في الأفكار، مما يضعف التماسك الاجتماعي الفعلي ويزيد من حدة الاستقطاب.

في المقهى يتشكل حضور فيزيائي، جسدي، ملتزم بالوقت والمكان. في وسيلة التواصل حضور افتراضي، متقطع، ومتحرر من قيود الزمن والجغرافيا. في حالة المقهى علاقات عميقة، متجذرة، قائمة على الجيرة والزمالة الطويلة. في التواصل الالكتروني علاقات سائلة، عابرة، وسهلة الحذف والقطع بـ (بلوك/إلغاء المتابعة).  

  في المقهى نقاش شفهي حيوي، يقبل الاختلاف والتسويات الإنسانية. في وسائل التواصل نقاش نصي / بصري حاد، يميل إلى التنميط والاندفاع و”ثقافة الإلغاء” وقد يتعرض الشخص الى السخرية والشتيمة بسبب الفضاء الواسع وعدم اختياره لجميع الافراد في “صفحته” ممن يشترك معهم إنسانيا وثقافيا واخلاقيا واجتماعيا. المقهى له اثر نفسي إيجابي اذ   يعزز الانتماء المحلي، ويخفف من حدة الاغتراب، فيما التواصل الالكتروني يمنح وهما بالاتصال، لكنه غالبا ما ينتهي بـ “العزلة الذاتية”.

إن الانتقال من المقهى إلى المنصة هو انتقال من “المجتمع الحقيقي” القائم على التعاضد والمواجهة، إلى “المجتمع المتخيل” القائم على المشاهدة والفرجة. تحول الإنسان من شريك في صناعة الفضاء الاجتماعي إلى “مستهلك” للمحتوى الاجتماعي، وهو ما يفسر لماذا يشعر ابن المدينة المعاصرة بالوحدة القاتلة وهو يملك آلاف “الأصدقاء” على شاشته.

وهنا يدخل تأثير الأبراج السكنية والمولات في عمق الشق الهيكلي والمعماري لموضوعة الغربة والعزلة؛ فالعمارة ليست مجرد جدران وأسمنت، بل هي الهندسة غير المرئية التي تشكل سلوك البشر وعلاقاتهم.

 

 

إن الانتقال من نمط الحياة الأفقي (الأحياء الشعبية والبيوت المستقلة) إلى النمط العمودي والتجاري (الأبراج والمولات) أسهم بشكل مباشر في تسريع التحول من “المقهى الشعبي” إلى “المنصات الرقمية”، وعمّق من حدة الاغتراب الاجتماعي.

تاريخيا، كانت البيوت الأفقية والأحياء التقليدية تعتمد على فضاءات وسيطة (العتبة، الزقاق، الفناء المشترك) وهي مساحات تفرض التفاعل العفوي واليومي بين الجيران. أما الأبراج السكنية الحديثة فقد أحدثت قطيعة مع هذا النمط اذ يجري خصخصة العزلة بان صُممت الأبراج لتوفير أعلى درجات العزل والخصوصية. المصاعد السريعة، الأبواب المصفحة، والممرات الضيقة المغلقة، كلها عناصر تحول دون التفاعل. يتحول الجار في البرج السكني من “سند اجتماعي” إلى “شخص غريب مجهول” نتقاسم معه المصعد في صمت مطبق.

ونجم عن ذلك غياب الفضاء المشترك الحقيقي، اذ تفتقر الأبراج المعاصرة إلى مساحات اللقاء العفوي. وإن وُجدت (كالنوادي أو الحدائق المغلقة للبرج)، فإنها تكون محكومة برسميات مادية تمنع الذوبان الاجتماعي التلقائي، مما يدفع الساكن إلى الاستعاضة عن جاره الفعلي بـ “صديقه الرقمي” خلف الشاشة لتعويض النقص العاطفي.

المول هو الوريث الحديث للميدان العام (Plaza) أو السوق الشعبي، لكنه يحمل جينات مختلفة تماما تؤثر على طبيعة الروابط الإنسانية، يحولك من “مواطن” إلى “مستهلك”، في الميدان العام أو المقهى الشعبي، أنت متواجد بصفتك “مواطنا” أو “ابنا للحي” تملك حق الاشغال الحُر للمكان من دون مقابل. في المول، تواجدك مشروط بقدرتك الشرائية؛ أنت هناك بصفتك “مستهلكا”. الفضاء مصمم لدفعك للشراء والتحرك الدائم، لا للجلوس وبناء شبكة علاقات ممتدة.

يمنح المول “وهما بالحياة الاجتماعية” بسبب الحشود الضخمة والموسيقى والإضاءة. لكنه في الحقيقة تفاعل عابر ومجهول الهوية (Anonymous interaction). تمشي وسط الآلاف من دون أن تعرف أحدا، ومن دون أن يكترث لأمرك أحد. هذا التناقض بين الحشد الضخم واللا إنتماء يولد شعورا حادا بالاغتراب والوحدة.

اما المقاهي المتواجدة في داخل المولات فهي مقاهٍ “سلسلة” (مثل ستاربكس وغيرها)، وهي مصممة بطريقة “ادفع، استهلك، وغادر” (Fast-casual). الكراسي غالبا مصممة لتكون مريحة لمدة قصيرة فقط وليست للراحة والاسترخاء، وهناك حواجز بصرية ونفسية تجعل كل طاولة جزيرة معزولة تماما عما حولها، بعكس طاولة المقهى الشعبي المفتوحة على النقاش العام.

لقد خلقت الأبراج والمولات بيئة فيزيائية طاردة للتواصل الإنساني العميق ومحفزة للاستهلاك الفردي. ونتيجة لهذا الفراغ الاجتماعي المكاني، وجد ابن المدينة المعاصرة نفسه مجبرا على اللجوء إلى منصات التواصل الاجتماعي كملجأ أخير، فالبرج المعزول يدفع الفرد لفتح شاشته ليلا بحثا عن بشر يتحدث معهم. والمول التجاري يدفع الفرد لتوثيق تواجده فيه عبر (فيسبوك وإنستغرام وتيك توك) كنوع من إثبات المكانة الاجتماعية، بدلا من التفاعل مع الأشخاص المتواجدين معه في المكان نفسه.

تحول الفضاء الاجتماعي بفعل هذا الثنائي (الأبراج السكنية والمولات) من فضاء “علاقاتي إنساني” إلى فضاء “وظيفي استهلاكي”، وهو حجر الزاوية في فهم “العزلة برغم الكثافة السكانية”.

 

العزلة من جدران الأسمنت إلى دهاليز الاكتئاب الحضري

 

الخلاصة، لا يمكن فصل الارتفاع المطرد في معدلات الاكتئاب والقلق في داخل المدن الكبرى عن طبيعة التحول الهيكلي الذي فرضته الأبراج السكنية والمجمعات التجارية (المولات)؛ إذ تحولت هذه الكتل الخرسانية من مجرد حلول معمارية إلى “مسرعات لغربة الروح”. إن سيكولوجية السكن العمودي في الأبراج تصادر من الفرد فرص “التفاعل العفوي غير المشروط”؛ فالمصاعد المغلقة والممرات الصامتة تكرّس نمطا من العزلة الاختيارية المفروضة، اذ  يتحول الآخر (الجار) من مصدر للأمان والدعم الاجتماعي إلى مصدر محتمل للإزعاج أو التهديد للخصوصية. هذا الامتناع المنظم عن التواصل يترك الفرد وحيدا في مواجهة ضغوط الحياة الحديثة من دون “شبكة أمان اجتماعي” حقيقية.

وفي المقابل، تأتي المولات لتعمق هذا الشرخ النفسي عبر تقديم “وهم الاندماج”؛ فالحشود الضخمة والتحفيز البصري المستمر يمنحان الفرد شعورا زائفا بالرفقة، لكنه سرعان ما يرتد إلى وعيه كشعور حاد بالاغتراب حين يكتشف أنه “وحيد وسط الزحام”. إن المول كفضاء سائل لا يرحب بالإنسان إلا بوصفه “كائنا مستهلكا”، مما يربط القيمة الذاتية للفرد بمدى قدرته الشرائية ومظهره الخارجي. هذا التلازم بين العمارة الطاردة للتواصل الحميمي (الأبراج) والفضاءات الاستهلاكية المجهولة الهوية (المولات) يخلق فجوة وجدانية عميقة، حيث يعجز الفرد عن بناء علاقات ذات معنى، مما يفرز شعورا بالخواء وفقدان الانتماء، وهي التربة الخصبة التي ينمو فيها الاكتئاب كاستجابة نفسية حتمية لبيئة فيزيائية تفتقر إلى الدفء الإنساني.

ان محور “التكنولوجيا” هو الحلقـة الأهم التي تربط كل هذه التحولات ببعضها؛ فهي الجسر الرقمي الذي عبر عليه الإنسان من فضاء المقهى والأحياء التقليدية إلى عزلة الأبراج والمولات.

في الفضاءات التقليدية، يعتمد التواصل على لغة الجسد، التواصل البصري، ونبرة الصوت. التكنولوجيا اختزلت الآخر في مجرد “نص” أو “صورة” على شاشة مسطحة. و تمنح التكنولوجيا الفرد شعورا زائفا بأنه محاط بالناس (عبر الإعجابات والمتابعين)، لكنه اتصال يفتقر إلى الدفء؛ مما يفسر كيف يمكن للشخص أن يملك آلاف “الأصدقاء” افتراضيا وهو يعاني من وحدة قاتلة واقعيا.

تطبيقات التوصيل، الشراء عبر الإنترنت، والخدمات المصرفية الذكية جعلت الإنسان المعاصر قادرا على تلبية جميع احتياجاته البيولوجية والاستهلاكية من دون الحاجة للخروج من برجه السكني أو التحدث مع بشر.

اختفت الحوارات العفوية الصغيرة مع البائع، أو سائق الأجرة، أو الجار في المصعد. هذا الاحتكاك العابر، برغم بساطته، كان يمنح الإنسان شعورا بأنه جزء من نسيج مجتمعي حي، ويسهم في تأمين استقراره النفسي.

وفي الحقيقة تقوم خوارزميات وسائل التواصل بعزل الفرد في داخل محتوى يفصّل خصيصا ليناسب رغباته وأفكاره المسبقة.

المدينة تاريخيا هي مكان لقاء “المختلفين”. التكنولوجيا جعلت الإنسان غير قادر على تحمل الاختلاف أو المفاجآت؛ فبمجرد خروجه إلى المول أو الشارع، يهرب من “الواقع المعقد والمختلف” بالعودة إلى شاشته الآمنة والمألوفة. وحتى عندما يتواجد الفرد جسديا في داخل المول أو المقهى الحديث، تجده يرتدي “سماعات عازلة للصوت” ويوجه نظره بالكامل نحو هاتفه. التكنولوجيا سمحت للإنسان بنقل عزلته معه إلى الفضاء العام، ليكون “حاضرا بالجسد، غائبا بالوعي”.

قد يعجبك ايضا