إعلان حل قوات سوريا الديمقراطية: مناخٌ دافع لدمجٍ فعال

 

شفان إبراهيم

جدول المحتويات

الملخص التنفيذي 1

المقدمة 2

مصفوفة المصالح الدافعة لاتفاقية 29 كانون الثاني 3

دمشق: بناء الدولة وتوحيد المؤسسات 3

واشنطن: الانتقال من الشراكة العسكرية إلى الدمج المنظم. 4

تركيا: دولة واحدة وجيش واحد. 5

أربيل: منع الصدام وحماية الكورد 5

قسد: الحفاظ على المكاسب داخل الدولة 5

اتفاق الدمج : اختبارٌ لحركية استحقاقات الانتقال 6

الدمج بين حصر السلاح وإصلاح القطاع الأمني 8

تقييم حركية الدمج: 9

ما بعد إعلان الحل: ضرورات التحول من النجاح الجزئي إلى الكلي 11
الخاتمة 12

الملخص التنفيذي:
• شكلت اتفاقية 29 كانون الثاني 2026 نقطة تحول في العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إذ نقلت العلاقة بين الطرفين من المواجهة العسكرية والتفاوض على ترتيبات مؤقتة، إلى مسار يستهدف دمج البنية العسكرية والأمنية والإدارية ضمن مؤسسات الدولة السورية، وصولاً إلى حل قسد نهائياً.
• ساهمت جملة من التغيرات ضمن البيئة الإقليمية والدولية والمحلية في إحداث تبدل نوعي في مواقف الطرفين وخارطة مصالحهما، من أبرزها التحول في الموقف الأمريكي الذي لأول مرة ينهي شكلاً من أشكال تدخله بطريقة ناجعة دون أن يقع في مغبة الفراغ أو الاصطدام مع دول الجوار لا سيما تركيا ذات الموقف المتشدد من قسد، أو حتى أربيل المتخوفة من ترك “الكورد” من دون حماية. فأولويات، كإعادة توحيد المؤسسات وانخراط قسد باستحقاق بناء الدولة الجديدة واستعادة الدولة لاحتكار استخدام القوة، وتفضيل الخيارات الدبلوماسية والسياسية، على الحلول الأمنية والعسكرية، كانت نقاطاً مهمة في تعزيز استراتيجية ( فوز / فوز) لكل الأطراف.
• رغم أهمية إعلان الحل وما سيوفره من مناخ سياسي دافع، إلا أن مسار تنفيذ الدمج ينبغي له أن يمضي قدماً وبالتوازي ما بين، المسار الأمني والعسكري الذي يشهد تقدماً، والمسار الإداري الذي لا يزال يعاني من بطء الحركة، والمسار السياسي الذي ينتظر معالجة قضايا اللامركزية والتمثيل، وتوزيع الصلاحيات ومستقبل الإدارة المحلية، والحقوق الثقافية والسياسية دستورياً، إضافة إلى معالجة القضية الكوردية ضمن إطار وطني شامل. ويجدر التنبيه إلى أن أي اختلال بين سرعة المسار الأمني وغياب المسار السياسي، يقود إلى إبقاء الاتفاق عرضة للتعثر؛ إذا لم يرافقه إطار سياسي واضح وجدول زمني معلن.
• تشكل عملية الدمج اختباراً لمستقبل الدولة السورية خلال المرحلة الانتقالية. فالعملية ترتبط بأربعة مستويات متداخلة: عسكري وأمني (احتكار الدولة لاستخدام القوة، دمج القوات، مصير السلاح الثقيل، وإصلاح القطاع الأمني) إداري حوكمي (توحيد المؤسسات والموظفين، والخدمات والتعليم، القضاء والبلديات والسجل المدني) سياسيّ ( التمثيل والمشاركة المحلية وإعادة توزيع الصلاحيات بين المركز والأطراف)، هوياتي مجتمعي كنقاشات الهوية والعقد الاجتماعي وضرورة تشميل الحقوق الثقافية واللغوية في التعليم والمشاركة في بناء السردية الوطنية الجامعة.
•تقدر الورقة، استناداً إلى المعطيات الميدانية والمقابلات والمعلومات المتاحة حتى 25 أب 2026، أن مستوى التنفيذ العسكري والأمني يقترب من 60%، بينما لا يتجاوز التقدم الإداري نحو 30%، مع بقاء المسار السياسي شبه معطل. وتستند النسب إلى مجموعة من مؤشرات التنفيذ، تشمل مستوى دمج القوات، وتوحيد المؤسسات، واستمرار الازدواجية الإدارية، وتقدم اللجان السياسية والمؤسسية.
• وتقدر الورقة أن سيناريو النجاح الجزئي هو الأكثر ترجيحاً خلال المدى المنظور، بحيث يستمر تنفيذ الترتيبات العسكرية والأمنية بصورة تدريجية، مقابل استمرار “الحديث” دون فاعلية أو حركية أو تقدم، حول ملفات اللامركزية والإدارة المحلية، والصلاحيات الدستورية.

المقدمة:
في مشهد شديد التعقيد يشهد اشتباكات وتوترات بين قسد والقوات الحكومية السورية، تم التوصل في18 كانون الثاني 2026 إلى اتفاق بين الرئيس “أحمد الشرع” وقائد قوات سوريا الديمقراطية “مظلوم عبدي”، أفضى إلى وقف إطلاق النار ووضع إطار لاندماج قوات سوريا الديمقراطية مع الحكومة السورية. وتضمنت بنود الاتفاق الـ14 دمج العناصر العسكرية والأمنية لقسد ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية “بشكل فردي” وليس ككتل وألوية، واستلام الحكومة لكامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة.
وبعد 11 يوماً، أُعلن عن اتفاق 29 كانون الثاني 2026، الذي جاء في سياق محاولة الانتقال من التفاهمات الأولية إلى ترتيبات تنفيذية أكثر تفصيلاً. وأظهر ذلك استمرار الخلاف بين تصور دمشق الذي يركز على وحدة المؤسسات والمركزية واحتكار الدولة لاستخدام القوة، وبين رغبة قسد في الحفاظ على مساحة واسعة من الإدارة المحلية ونوع من اللامركزية، والخصوصية السياسية والثقافية .
وتعترض تنفيذ الاتفاق جملة من التحديات، في مقدمتها غياب الأجندة السياسية التي تحدد شكل العلاقة بين المركز والأطراف، وطبيعة اللامركزية، وآليات توزيع الصلاحيات. كما أن القضية الكوردية لا يمكن اختزالها في طبيعة العلاقة بين الحكومة السورية وقسد. فهي قضية وطنية تتصل بتاريخ طويل من التمييز والحرمان، وفي الوقت ذاته ترتبط بمستقبل الدولة السورية، ونظامها السياسي والدستوري. ومن ثم فإن حصرها في اتفاق أمني بين دمشق وقسد، قد يؤدي إلى تأجيل القضايا الجوهرية بدلاً من حلها.
وتبرز كذلك قضية إصلاح منظومة الحوكمة الأمنية بأكملها، وإشراك مختلف مكونات المجتمع السوري، بما فيها النساء، ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية، بما يعزز الثقة المجتمعية، ويحد من احتمالات تجدد النزاع. وتزداد أهمية ذلك في ظل التحديات والعراقيل التي تحيط بمرحلة ما بعد الدمج: هل سيكون لقسد بعد حلها، دور إداري وأمني خاص في المنطقة؟ أم ستُحل بنيتها التنظيمية بالكامل؟ وكيف ستتم معالجة السلاح الثقيل؟ وما شكل الإصلاح الأمني المطلوب؟ وما مصير المؤسسات التي نشأت خلال سنوات الإدارة الذاتية؟
وبناءً على ذلك، ستحاول الورقة الإجابة على التساؤل التالي:
هل يستطيع مسار الدمج برمته وبحركيته، بعد خطوة إعلان حل قسد، أن يتحول إلى إنجازات سياسية ومؤسسية مستدامة؟ أم أن انتهاء البنية العسكرية لقسد سيترك عدداَ من الملفات السياسية والإدارية والحقوقية دون حسم، بما قد يبقي أسباب التوتر قائمة. ومن هنا، تنظر الورقة إلى إعلان حل قسد باعتباره نهاية لمرحلة من مسار الدمج، وليس نهاية للمسار نفسه. الذي ينبغي له أن يعالج أربعة مستويات مترابطة الأمني العسكري، الإداري، السياسي، ومستوى الهويّة والعقد الاجتماعي.
وللإجابة على هذا التساؤل ستبدأ الورقة بفهم مصفوفة المصالح للأطراف، وستنتقل لقراءة حركية الدمج ومسببات التعثر أو التباطؤ إن وجدت، وصولاً لقراءة السيناريوهات المتوقعة في ظل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية. وانعكاساتها على القضية الكوردية ككل.
ستعتمد هذه الورقة على أداة “تحليل المضمون” إلى جانب مقابلات شبه منظمة مع شخصيات ومصادر مرتبطة بعملية التنفيذ. إضافة إلى رصد ومتابعة ميدانية للمؤسسات والخدمات في المنطقة وكيفية تطور عملية الدمج زمنياً. وتمتد الفترة التي تغطيها الورقة من 29 كانون الثاني 2026 حتى 25 آب 2026، مع الاستناد إلى بعض الوقائع السابقة للاتفاق لفهم دوافع الأطراف وسياقها.
مصفوفة المصالح الدافعة لاتفاقية 29 كانون الثاني:
تعددت دوافع الأطراف الفاعلة باتجاه توقيع الاتفاق، واختلفت حساباتها وأدواتها، رغم التقاء مصالحها عند نقطة أساسية هي منع استمرار وجود بنية عسكرية مستقلة عن الدولة السورية.
دمشق: بناء الدولة وتوحيد المؤسسات.
حيث اتجهت مصالح السلطة السورية إلى اعتبار الاتفاق، أحد أهم مسارات بناء الدولة عبر ثلاثة مسارات مترابطة: بناء الجيش على أسس نظامية، وتوحيد المؤسسات المدنية والإدارية، وحصر السلاح بيد الدولة. وسيتم دمج قوات قسد تدريجياً داخل الجيش السوري، مع تشكيل ثلاث ألوية من قسد ضمن محافظة الحسكة، إضافة إلى لواء رابع باسم كوباني تابع للفرقة 60 في محافظة حلب، يشغل قيادي في قسد منصب نائب قائد الفرقة .
وكانت طبيعة الدمج العسكري، إحدى نقاط الخلاف الرئيسية بين الطرفين، إذ طالبت الحكومة سابقاً بأن يكون الانضمام إلى الجيش على أساس فردي، لا بوصف قسد كتلة عسكرية مستقلة، مع إخضاع العناصر للتدقيق الأمني ومنحهم رتباً عسكرية نظامية . ولا يقتصر هدف دمشق على دمج العناصر العسكرية، بل يشمل توحيد المؤسسات المدنية والإدارية وتثبيت الموظفين المدنيين للإدارة الذاتية، ضمن الجهاز الإداري للدولة، إضافة إلى استعادة إدارة المعابر والحدود وحقول النفط والغاز.
ويمثل توحيد المؤسسات أحد أهم عناصر بناء الدولة بعد النزاعات، إلا أن الاتفاق لم يحدد جدولاً زمنياً واضحاً لتنفيذ جميع بنوده، كما بقيت بعض الملفات، ومنها المعابر، بحاجة إلى ترتيبات تفصيلية .
واشنطن: الانتقال من الشراكة العسكرية إلى الدمج المنظم.
في مخيال واشنطن هدف استراتيجي عابر للمشهد السوري، ويتمثل بإجاز مشروع تدخل مكتمل لا ينتهي بكارثة كالعراق أو أفغانستان، فاتبعت استراتيجية عمل سياسي قائمة على ثنائية ( كاسب، كاسب) ترضي به نفسها وجميع الأطراف، وهذا ما جعلها تعيد تعريف دعم قوات سوريا الديمقراطية بوصفها قوة عسكرية مستقلة، وباتت تؤيد دمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية في إطار اتفاق 29 كانون الثاني، مع التشديد على أن يتم الدمج بصورة تدريجية ومنظمة تضمن استمرار مكافحة تنظيم داعش والحفاظ على الاستقرار في المنطقة.
كما رحبت الإدارة الأمريكية، على لسان وزير الخارجية، بالتزام الحكومة السورية بمواصلة التعاون مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي في مكافحة تنظيم داعش . وبذلك انتقلت الأولوية الأمريكية من الحفاظ على استقلالية قسد العسكرية، إلى ضمان استمرار الشراكة الأمنية ضمن مؤسسات الدولة السورية. وتبقى مكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي المحدد الأساسي لهذه المقاربة.
تركيا: دولة واحدة وجيش واحد.
يتلخص الموقف التركي في دعم إعادة توحيد المؤسسات العسكرية السورية، ورفض استمرار قوات سوريا الديمقراطية بوصفها قوة مستقلة، أو احتفاظها بقيادة منفصلة. ومن منظور أنقرة، لا يكتمل دمج “قسد” بمجرد إدخال عناصرها إلى الجيش السوري، بل يتطلب تفكيك بنيتها التنظيمية، وإنهاء ارتباطها بوحدات حماية الشعب، وإخضاعها لسلطة وزارة الدفاع السورية. لذلك تنظر تركيا إلى الاتفاق باعتباره خطوة إيجابية، لكنها تربط نجاحه بالتنفيذ الكامل لبنوده بما يحقق مبدأ “دولة واحدة، جيش واحد”، ويمنع نشوء أي كيان عسكري أو سياسي مستقل . وقد انتقدت أنقرة بطء التنفيذ، ولوحت بإمكانية اتخاذ خطوات عسكرية في حال عدم تنفيذ الاتفاق أو استمرار قسد ككيان مستقل .
أربيل: منع الصدام وحماية الكورد.
قاد الرئيس مسعود البارزاني جهوداً للتهدئة بين دمشق وقسد؛ بهدف احتواء الموقف ومنع استمرار المواجهات في حلب أو توسعها. رغم عدم وجود إعلان رسمي يحدد دوافع الإقليم بصورة تفصيلية، يمكن قراءة هذا الدور في ضوء مساعي أربيل التاريخية لمنع الصدام الكوردي، وتشجيع الحلول السياسية، والحفاظ على حقوق الكورد في سوريا، وتقليل التوتر مع تركيا، ودعم استقرار سوريا. ومن هذا المنظور، فإن دور أربيل لم يكن دور طرف موقع على الاتفاق، وإنما دور وسيط سياسي سعى إلى تهيئة البيئة اللازمة للحوار، ودعم التواصل بين الأطراف، والحيلولة دون انتقال الخلاف إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
قسد: الحفاظ على المكاسب داخل الدولة.
اختلفت حسابات قسد عن بقية الأطراف. فقد انتقلت استراتيجيتها تدريجياً من محاولة الحفاظ على الحكم الذاتي بحكم الأمر الواقع، إلى التفاوض على شروط الاندماج داخل الدولة السورية. ولم يعد الهدف الرئيسي الحفاظ على استقلالية المؤسسة العسكرية، وإنما محاولة ضمان إدماجها ضمن مؤسسات الدولة، مقابل الحصول على ضمانات سياسية ودستورية تتعلق باللامركزية والتمثيل والحقوق الثقافية. ويعكس ذلك إدراك قيادة قسد لتغير موازين القوى الإقليمية والدولية، ومحاولة تحويل النفوذ العسكري الذي تراكم خلال سنوات الحرب، إلى مكاسب سياسية ومؤسسية قابلة للاستمرار.
ولهذا حرصت قسد على ألا يقتصر الاتفاق على الترتيبات العسكرية، وطالبت بالاعتراف بالتعددية القومية والثقافية، وتوسيع صلاحيات الإدارات المحلية، وضمان المشاركة السياسية في مؤسسات الدولة، وحماية الحقوق اللغوية والتعليمية. ورغم إدراكها لتراجع الدعم الأمريكي، حاولت قسد الحفاظ على دورها كشريك في مكافحة الإرهاب، واستخدام هذه الورقة ضمن التفاوض مع دمشق والمجتمع الدولي. إلا أن التحول الأمريكي نحو دمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية قلص هامشها التفاوضي .

تكشف هذه المصفوفة أن الاتفاق لم ينتج عن تطابق كامل في مصالح الأطراف، وإنما عن تقاطع مؤقت. وهذه نقطة مهمة لفهم هشاشة الاتفاق؛ فكل طرف دخل التفاهم وهو يحمل تعريفاً مختلفاً، لمصالح مختلفة، لمعنى النجاح. لذا وفي ظل الاعلان عن حل قسد فإن النظر إلى هذه المصفوفة بات منوطاً بمؤشرات حركية تستثمر هذا المناخ السياسي.
اتفاق الدمج : اختبارٌ لحركية استحقاقات الانتقال.
لا يقتصر ملف قسد على الجانب العسكري والأمني والذي يعد ملفاً مركزياً، وإنما متعلق باستحقاقات الدولة السورية ككل في المرحلة الانتقالية، كبسط السيادة وأعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، ومستقبل الإدارة المحلية، إضافة إلى القضية الكوردية والعلاقة مع المكونات الأخرى.
ويمكن فهم عملية الدمج من خلال أربعة مستويات مترابطة:
• المستوى الأمني والعسكري: يشمل احتكار الدولة لاستخدام القوة، ودمج القوات، وحسم مصير السلاح الثقيل، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية على أساس مهني وقانوني.
• المستوى الإداري: ويشمل توحيد المؤسسات، ودمج الموظفين، والتعليم والقضاء والبلديات، والسجل المدني والخدمات العامة.
• المستوى السياسي: ويشمل التمثيل السياسي والمشاركة، وتوزيع الصلاحيات، وقانون الإدارة المحلية، والعلاقة بين المركز والمحافظات.
• مستوى الهوية والعقد الاجتماعي: ويشمل الحقوق الثقافية واللغوية، والتعليم، والمشاركة السياسية، وصياغة سردية وطنية قادرة على استيعاب التنوع السوري.
وتكمن المشكلة الحركية في أن هذه المستويات لا تتقدم بالسرعة نفسها. فكلما تقدم المستوى الأمني والعسكري دون تقدم موازٍ في المستويات الإدارية والسياسية والاجتماعية، ازدادت احتمالات أن يتحول الدمج إلى تسوية أمنية مؤقتة، بدلاً من تسوية سياسية مستدامة.
كما أن القضية الاستراتيجية التي تفرض نفسها في السياق السوري عموماً ليست فقط مصير قسد، وإنما شكل الدولة القادرة على استيعاب التناقضات السياسية والعسكرية والمجتمعية التي أفرزتها سنوات الحرب. ومن هذا المنطلق تجد الدولة أن احتكارها لاستخدام القوة يمثل أحد المبادئ الأساسية لبناء الدولة الخارجة من النزاع. وفي المقابل، فإن التجربة السورية نفسها أظهرت أن تركيز القوة بيد مركز سياسي واحد، من دون رقابة ومؤسسات وضمانات، يمكن أن يتحول إلى مصدر للاستبداد والعنف. ولهذا فإن الانتقال من تعدد مراكز القوة، إلى دولة موحدة، لا ينبغي أن يعني العودة إلى مركزية مطلقة، وإنما بناء مؤسسات وطنية قادرة على احتكار القوة ضمن القانون، مع توزيع واضح للصلاحيات بين المركز والأطراف.
ليس من السهل إتمام الدمج قسرياً بعيداً عن تراكم المطالب المحلية المتعلقة بالحكم والإدارة. فالنجاح لا يعتمد فقط على نقل العناصر من مؤسسة إلى أخرى، وإنما يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة والمجتمع.
ومن هنا يتشكل الاختبار الاستراتيجي لهذا الدمج والذي يتمثل في تقديم نموذج للحكم المحلي الموسع، دون حصره فقط بإنهاء الاستقلال العسكري لقسد، نموذج قائم على شراكة سياسية أوسع مع بقية القوى والمكونات الكوردية والعربية والسريانية في المنطقة، وعدم تفرد “قسد” بإدارة ملف المنطقة، لما سيتسببه من تشنجات ومواجهات سياسية.
الدمج بين حصر السلاح وإصلاح القطاع الأمني.
تحتاج سوريا إلى إصلاح شامل لقطاعها الأمني، باعتباره أحد أهم متطلبات بناء الدولة، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية، بهدف مأسستها ومهنيتها وإخضاعها للقانون. وبالاستناد إلى الأدبيات الدولية لإصلاح القطاع الأمني، فإن مجرد نقل العناصر المسلحة من تشكيل إلى مؤسسة رسمية، لا يمثل إصلاحاً لقطاع الأمن، ما لم يترافق مع بناء مؤسسات مهنية، ورقابة مدنية وقضائية، ومساءلة، وحياد سياسي، ودمج مختلف المكونات على أساس المواطنة والكفاءة .
وإذا اعتبرنا دمج قسد مع الجيش السوري جزءاً من عملية حصر السلاح بيد الدولة، فإن ذلك يرتبط أيضاً ببرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، التي تعتمدها الأمم المتحدة في المجتمعات الخارجة من النزاعات، والتي تستهدف تفكيك البنى العسكرية غير النظامية وتسريح عناصرها، وإعادة دمجهم في الحياة المدنية أو المؤسسات الرسمية .
وهنا تظهر قضية سري كانيه/رأس العين، فقد رفض بعض العناصر الموجودين فيها، تنفيذ بعض بنود الاتفاق المتعلقة بعودة المهجرين والنازحين، ولجأوا إلى التهديد واستخدام السلاح ضد بعض العائدين، كما ظهر مقطع فيديو لعناصر يرفضون عودة الأهالي. ويمثل ذلك اختباراً عملياً لفكرة حصر السلاح بيد الدولة، لأن نجاح الدمج يرتبط بقدرة الدولة على منع أي قوة مسلحة من فرض إرادتها على السكان. وقد أقر مؤتمر النصر حل الأجسام العسكرية ودمجها في وزارتي الدفاع والداخلية، وسيبقى نجاح هذه العملية مرتبطاً بمدى شمول إصلاح القطاع الأمني لجميع القوى، وليس قسد وحدها.
في هذا السياق ظهر اختلافٌ واسع في تفسير معنى الدمج ، وكانت الحسكة في قلب التباين بين تفسيرين مختلفين لمعنى الدمج ومداه ومستوياته. ففي حين تنظر دمشق إلى الدمج باعتباره انتقالاً تدريجياً للقوات والمؤسسات إلى بنية الدولة، سعت قسد للحفاظ على أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والإدارية التي راكمتها خلال السنوات الماضية.
ويغذي هذا الاختلاف، غياب النص الكامل والواضح للاتفاقية عن التداول العام، وهو ما يجعل بعض تفاصيل التنفيذ عرضة لتفسيرات مختلفة. ولمعرفة تعريف الأطراف للدمج وإلى أين وصلت العملية.
في المقابل، تشير المعلومات إلى أن “الدمج العسكري “وصل لمراحل متقدمة”، مع منح مناصب لعدد من القيادات الراغبة في الانضمام إلى الجيش، سواء على مستوى قيادة الألوية أو نائب قائد فرقة أو معاون وزير دفاع. وبخصوص الرتب العسكرية، أفاد المصدر بأن العناصر يخضعون لتدريبات في الكليات العسكرية، وأن تحديد الرتبة يستند إلى الخبرة والمناصب السابقة والشهادات والأقدمية. كما تشير تلك المعلومات إلى تولي شخصيات مرتبطة بقسد مواقع منها محافظ الحسكة، ونائب قائد الأمن الداخلي، ومسؤول الإعلام في المنطقة الشرقية في وزارة الدفاع. وعقب استكمال لواء القامشلي التابع للفرقة 60 دورة تدريبية في معسكر النبك بمحافظة ريف دمشق، توجه لواء ديريك، البالغ قوامه نحو 1300 عنصر، إلى المعسكر للمشاركة في دورة تدريبية تستمر نحو 21 يوماً، على أن تلتحق بقية الألوية تباعاً ضمن برنامج التأهيل والتدريب .
وعلى صعيد مستقبل الإدارة الذاتية والسقف الزمني للاتفاق، أوضح عضو في الوفد الرئاسي المكلف بالتنفيذ أنه “لا يوجد حالياً تاريخ محدد للانتهاء من تنفيذ الاتفاقية”، مشيراً إلى أن مقابلات اللجان المختصة بعمليات الدمج كان من المتوقع أن تنتهي في منتصف تموز، مع احتمال تمديدها إلى نهاية تموز 2026 بالنسبة إلى لجان مقابلة عناصر الأسايش وقوى الأمن الداخلي. وأن العدد النهائي للعناصر المقبولين ضمن وزارة الداخلية لم يكن قد حُسم، لكنه توقع أن يصل إلى نحو 9-10 آلاف عنصر.أما الملفات المدنية، فأبرزها ملف العدل، حيث وصل عدد من قضاة الإدارة الذاتية إلى دمشق لإجراء مقابلات مع اللجنة المختصة في وزارة العدل، فيما بقيت ملفات أخرى قيد المعالجة. وتجدر الإشارة إلى أنه “لا صلاحيات خاصة لمحافظ الحسكة” تختلف عن صلاحيات بقية المحافظين.
تقييم حركية الدمج:
ميدانياً، لم يكتمل دمج المؤسسات الخدمية، رغم حصول خطوات مشتركة في مؤسسات الحبوب والمياه والصحة والتربية والتعليم والمدرسين، وافتتاح مركز البريد في بعض المناطق. لكن هذه العملية لا تزال غير مكتملة. إذ يجري في بعض المؤسسات توزيع المناصب بين الطرفين، بحيث يكون رئيس الدائرة من طرف ونائبه من الطرف الآخر، مع دوام موظفي الجهتين في مؤسسة واحدة، وسط إقصاء ممثلين عن باقي الأطراف والجماعات السياسية من استلام المناصب.
ويشير ذلك إلى أن المؤسسات انتقلت من مرحلة الفصل الكامل إلى مرحلة التعايش المؤسسي المؤقت، لكنها لم تصل بعد إلى وحدة إدارية كاملة.
أما ملف البلديات فلم يُحسم بصورة نهائية، ومن المرجح أن يتم تعيين رؤساء البلديات بقرار من المحافظ بعد اقتراح الأسماء من الاتحاد الديمقراطي، باستثناء بلدية مركز محافظة الحسكة، التي ستصدر قراراتها من وزارة الإدارة المحلية بعد ترشيح الأسماء من المحافظة، وهو ما يتسبب بعدم افتتاح مراكز الهجرة والجوازات، وسجل القيد المدني (النفوس)، نظراً لارتباط عمله مع عمل البلديات.
ولا تزال ملفات النفوس والسجل المدني والعقاري والهجرة والجوازات بحاجة إلى تسويات نهائية وفي قطاع التعليم، يجري دمج نحو 38 ألف مدرس ومعلم من الإدارة الذاتية ضمن المنظومة التعليمية الوطنية، مع بحث الاعتراف بالشهادات الصادرة عن مدارس وجامعات الإدارة الذاتية . وتكشف هذه الملفات أن الدمج الإداري أكثر تعقيداً من الدمج العسكري، إذ لا يتعلق بالمؤسسات فقط، بل بمصالح آلاف الموظفين، وبأنظمة تعليمية وقانونية وإدارية نشأت خلال أكثر من عقد.
واستناداً إلى المعطيات المتاحة حتى منتصف أب 2026، يمكن تقديم تقدير أولي لمستويات التنفيذ

وهذه النسب ليست أرقاماً رسمية، وإنما تقدير تحليلي يستند إلى مؤشرات تنفيذية محددة. وهي قابلة للتغير مع تقدم اللجان أو توقفها. وتظهر المشكلة الأساسية في أن تقدم المسار العسكري لا يرافقه تقدم مماثل في المسار السياسي والذي يُنتظر أن يشهد انتعاشاً بعد إعلان حل قسد. كإقرار قانون الإدارة المحلية وتحسين آليات التمثيل والصلاحيات واطلاق عملية وطنية شاملة لمعالجة القضية الكوردية.
ما بعد إعلان الحل: ضرورات التحول من النجاح الجزئي إلى الكلي.
يمثل إعلان مظلوم عبدي عن حل قوات سوريا الديمقراطية وإنهاء مهامها كقوة عسكرية مستقلة تحولًا مهمًا في مسار تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني . فهذه الخطوة تعني أن أحد أهم عناصر الخلاف بين دمشق وقسد، والمتمثل في استمرار وجود بنية عسكرية مستقلة عن الدولة، دخل مرحلة جديدة. وأن النقاش لم يعد يدور حول بقاء قسد كقوة عسكرية مستقلة من عدمه، وإنما حول طبيعة الترتيبات التي ستترتب على حلها، وكيفية استكمال عملية دمج العناصر والمؤسسات المرتبطة بها، ضمن مؤسسات الدولة.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار إعلان الحل بحد ذاته دليلًا على اكتمال الاتفاق أو نجاح مسار الدمج بكل مستوياته. فحل البنية العسكرية لا يحسم تلقائياً مستقبل المؤسسات المدنية والإدارية التي نشأت خلال سنوات الإدارة الذاتية، ولا يقود لتقديم حلول للقضية الكوردية. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى إعلان حل قسد باعتباره نهاية لمرحلة من مسار الدمج، وليس نهاية للمسار نفسه. فقد أصبح التحدي الأساسي أمام الطرفين هو تحويل الإنجاز العسكري إلى ترتيبات مؤسسية وسياسية قادرة على الاستمرار، بما يمنع بقاء الخلافات السابقة في صورة جديدة داخل مؤسسات الدولة.
بطبيعة الحال، وفي ظل الظرف المحلي والإقليمي، شكّل إعلان حل قسد وإنهاء بنيتها العسكرية المستقلة واقعًا جديدًا في مسار الاتفاق، سينعكس إيجاباً على المستوى العسكري والأمني، ويتمثل التحدي بالنسبة للحكومة السورية في الانتقال، من مرحلة إنهاء البنية العسكرية المستقلة إلى استكمال توحيد المؤسسات، وحسم ملف السلاح، وتنظيم عمل المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتثبيت ترتيبات الإدارة المحلية، بما يضمن أن تكون عملية الدمج جزءًا من بناء مؤسسات الدولة، وليس مجرد إعادة توزيع للقوى والأفراد.
أما بالنسبة إلى قسد، فإن انتهاء بنيتها العسكرية يضعها أمام اختبار مختلف، يتمثل في قدرتها على الانتقال من العمل كقوة عسكرية وإدارية مستقلة، إلى المشاركة السياسية والمؤسسية داخل الدولة. والحفاظ على تمثيل ومكاسب سياسية وثقافية عبر الوسائل القانونية والمؤسساتية، وليس من خلال وجود قوة عسكرية منفصلة. في المقابل، فإن استمرار ازدواجية المؤسسات، وعدم حسم الصلاحيات، وتأجيل قانون الإدارة المحلية، والخلاف حول التمثيل والمناصب، وتعثر ملفات التعليم والسجل المدني والهجرة والقضاء، أو توقف الحوار السياسي، ستكون مؤشرات على أن نجاح الدمج العسكري لم يتحول بعد إلى تسوية مؤسسية وسياسية مكتملة.
أما فيما يرتبط بالسيناريوهات المتوقعة بعد حل قسد فيمكن ذكر الآتي:
سيناريو: مسار الانجازات السياسية: يشكل حل قسد نقطة انتقال من مرحلة معالجة الوجود العسكري المستقل، إلى مرحلة تسوية الملفات السياسية والمؤسسية؛ خاصة وأن وجود الهام أحمد ومظلوم عبدي في مراكز سياسية مهمة مثل البرلمان والرئاسة، يؤمل أن يُعطي دفعاً للمسار السياسي، لكنه ربما يصطدم بغياب الطرف الكوردي الأخر -المجلس الكوردي-عن الحل السياسي. لكن هذا التواجد والحلّ، سيُفضيان إلى استمرار توحيد المؤسسات المدنية والأمنية، والإسراع في حسم قانون الإدارة المحلية، وتوزيع الصلاحيات بين المركز والمحافظات، إلى جانب تثبيت آليات واضحة للتمثيل السياسي والإداري. ويتطلب هذا السيناريو أيضًا معالجة ملفات التعليم واللغة والحقوق الثقافية، وتسوية أوضاع الموظفين والعاملين في المؤسسات السابقة للإدارة الذاتية، وبدء حوار سياسي أوسع حول القضية الكوردية ضمن إطار وطني سوري. وفي حال تحقق ذلك، يمكن أن يتحول حل قسد من مجرد إنهاء لبنية عسكرية مستقلة، إلى مدخل لإعادة بناء علاقة أكثر استقراراً بين المركز والأطراف.
سيناريو: نجاحات جزئية وبطيئة ( الأكثر توقعًا): يقوم هذا السيناريو على استمرار نتائج الدمج العسكري والأمني بعد حل قسد، مقابل بقاء عدد من الملفات السياسية والإدارية دون حسم. وفي هذه الحالة تكون البنية العسكرية المستقلة قد انتهت، لكن عملية توحيد المؤسسات المدنية والخدمية لا تزال تدريجية، فيما تستمر الخلافات حول الإدارة المحلية، والتمثيل، والصلاحيات، وبعض الملفات المرتبطة بالتعليم واللغة والحقوق الثقافية. وفي هذه الحالة قد تحافظ المنطقة على قدر من الاستقرار الأمني، بينما يستمر التفاوض حول شكل العلاقة بين المركز والأطراف، من دون الوصول سريعاً إلى تسوية سياسية نهائية.
سيناريو: تعثر مرحلة ما بعد الحل. وقد يظهر التعثر من خلال استمرار ازدواجية المؤسسات، وبقاء الشبكات الأمنية وشبكات المصالح التي يضر بها الاتفاق، وبقاء الخلاف حول المناصب والتمثيل، وعدم حسم قانون الإدارة المحلية والصلاحيات، أو تعثر ملفات التعليم، والسجل المدني والقضاء ودائرة الهجرة والجوازات. وقد يتفاقم هذا المسار إذا ترافقت الخلافات المؤسسية مع ضعف الثقة بين الأطراف، أو تصاعد تدخلات إقليمية، أو ظهور توترات أمنية جديدة. ولهذا فإن الخطر في هذه المرحلة، لا يتمثل بالضرورة في عودة المواجهة السابقة بالشكل نفسه، وإنما في فشل تحويل إنهاء البنية العسكرية إلى ترتيبات سياسية وإدارية مستقرة.
الخاتمة:
يمثل إعلان حل قوات سوريا الديمقراطية وإنهاء بنيتها العسكرية المستقلة، تحولًا مهمًا في مسار اتفاق 29 كانون الثاني؛ لأنه ينهي أحد أبرز مظاهر الخلاف بين دمشق وقسد، وينقل عملية الدمج إلى مرحلة مختلفة، متعلقة بطبيعة التسوية السياسية ومتطلبات الاستقرار، ويفتح المسار بكليته على الأسئلة العابرة لأسئلة الدمج الأمني والإداري والخدمي ويربطه بالقضية الكوردية، فالمطالب المتعلقة بالإدارة المحلية والحقوق السياسية الدستورية، والثقافية واللغوية ستبقى مطروحة؛ لأنها أساساً لم تنشأ مع قسد. ولكنها ستنتقل من إطار عسكري وإداري منفصل، إلى المجال السياسي والمؤسساتي للدولة.
وبناءً على ذلك، فإن المرحلة المقبلة ستكون أكثر حساسية من مرحلة الدمج العسكري، لأنها ستختبر قدرة الأطراف على إدارة النتائج السياسية والمؤسسية للحل. ووفقاً للسيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور لا يتمثل في نجاح كامل وسريع، ولا في انهيار الاتفاق، وإنما في استمرار الدمج العسكري بعد حل قسد، بالتوازي مع مفاوضات طويلة ومعقدة حول الملفات السياسية، والإدارية والحقوقية. وسيبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الخلاف عبر الترتيبات الأمنية واللجان التنفيذية، إلى معالجة أسبابه السياسية بصورة مباشرة.

قد يعجبك ايضا