في محراب العشق.. حديث الصمت واليقين

دلزار اسماعيل رسول

(35)

انسابت عبر العتبة كأنها نفحة عبير دلجت إلى عتمة الصمت، فتأوه المكان شوقا وحياة… بخطوات يمازجها الهيبة والرقة، جلست على طرف الأريكة، تشبك أناملها في تؤدة ساحرة، وتسكب من عينيها على زوايا الغرفة نورا يبدد كل غربة…

أقبلت نحوها وأنا أحمل كؤوس القهوة، لا لأسقيها دفئا، بل لأرتشف من حضورها حياة… جلست قبالتها، وعلى شفتي ابتسامة خلقت من محض الأنس لتمزق أي خوف قد يسكن فؤادها؛ فأنا ذاك الذي رأت في عينيه على الدوام سكنا، ولم تتغير عنده ملامح الود…

في تلك اللحظة الساكنة، أغلقت أبواب الكلام، ولم أعد أبحث عن أعذار للأمس ولا عن تفاصيل الغياب… كل ما كان بيني وبين الماضي …لم يكن سوى ظلال باهتة سبقت انبثاق هذا الضوء… طويت الماضي بكامله، فلم تعد تلك الحكاية تعنيني، ولا الجدران القديمة تتسع لشيء سوى هذا البوح الذي يفوض أمره للحب…

كنت أنظر إليها وأرسل في صمتي ندائية الروح… إنني ما أردتك إلا لتكوني أنت الملاذ والمأوى… أعياني البعد، وأرهقني المدى المغلق، واليوم تبسط هذه اللحظة أجنحتها لنحتمي ببعضنا من ضجيج العالم ووحشة الأيام… لم أعد أخشى شيئا، ولا أحمل في صدري إلا يقينا واحدا؛ أن القرب منك هو الربيع الذي انتظرته الروح طويلا، وأن كل بيت لا تطؤه قدماك يبقى قفرا خاليا…

وفي عينيها، وهي تتأمل سكوني وتسمع نبض قلبي قبل لساني، رأيت الرد ينساب دون حروف… ابتسامة شفيفة أضاءت محياها، كأنها تقول إن الروح قد وصلت أخيرا إلى مستقرها، وأن هذا الجمع لم يكن إلا حلمنا الدفين الذي أورق أخيرا في عمرنا المشترك…

قد يعجبك ايضا