الحاج عبدالله شُكُر الصرَّاف الصيرفي الكبير والأديب الألمعي (في المتحف العراقي قاعة خاصة تحمل اسمه وتحتفظ بنفائسه))
*محمد سعيد الطريحي (صاحب موسوعة الموسم)
نسبه وأُسرته
الحاج عبدالله بن الحاج عبد الله عبد الرسول الصرَّاف (1910 ــ 2000م)، من أسرة آل شكر النجفية القديمة التي يعود نسبها إلى قبيلة شمَّر، عُرفت قديماً باسم جدها الأعلى الحاج (شكر) وأصلهم من عرب الحجاز وقد هبطوا العراق منذ زمن بعيد واستوطنوا قرية (جبه) من أعمال بغداد في أعالي الفرات، وقد ذكرها ياقوت الحموي وغيره من أرباب المعاجم، وعلى أثر التنافس والحروب الطائفية التي استمرت أكثر من قرنين بين العثمانيين والصفويين اضطر أحد أجدادهم في منتصف القرن الحادي عشر وهو الحاج محمود والد (شكر) إلى النزوح من جبه الى النجف واتخذها موطناً له ولأولاده ولم تنقطع صلة جماعة من أفرادها عن قطري نجد والحجاز أمس واليوم فبعضهم يتعاطى التجارة أو يمتهن الصيرفة هنا وهناك ويحتمل أن يكون هذا السبب هو الذي حدا أيضاً بعائلات كثيرة من أهل جبه للهجرة إلى الحلة بالعراق ونُسبت اليهم فيها المحلة المعروفة حتى اليوم باسم (الجباويين).

السيدة ثريا عبدالله الصراف وهي تتحدث للدكتور الطريحي عن والدها 2011م
وفي بعض الوثائق القديمة شهادات مؤرخة سنة (1172 هـ) الحاج شكر بن الحاج محمود ونقش خاتمه فيها (انه عبد شكور) وهناك صورة وقفية كتبها الحاج حسين شكر يصرح فيها بوقف داره المعلومة في محلة (المشراق) بالنجف على أولاده وتاريخها سنة (1220 هـ). أعقب الحاج حسين شكر هذا تسعة أولاد منهم المرحوم محمد جواد صاحب الدار إلى أوقفها على ذريته في محلة (البراق). بالقرب من مسجد البلاغيين. ومن أشهر أولاد الحاج حسين العالم الجليل (والد الشاعر عبد الحسين شكر) الشيخ أحمد بن الحاج حسين بن محمد بن شكر بن الحاج محمود فقد كان من مشاهير علماء عصره وطالما عبَّر عنه معاصره ملا محمد باقر بن عبدالكريم الدهدشتي صاحب كتاب (الدمعة الساكبة) عند ذكر ولده، زبدة العلماء الأفاخم ونخبة الحكماء الأعاظم العلامة الشيخ أحمد…الخ.
وذكره أيضاً الشيخ آغا بزرك الطهراني في كتابه (طبقات أعلام الشيعة) وعدَّ جملة من مؤلفاته ومنها: «زينة الأعياد في فضل الجمعة وأعمالها، روى عنه الشيخ النوري في (دار السلام) وزينة العباد في الأخلاق ورسالة في أحوال المختار الثقفي (رض) وكتاب الكشكول في عدة مجلدات، وذكر أيضا أجازته في الرواية الشيخ بهاء الدين صدر الشريعة يروي فيها عن أستاذه الشيخ أحمد الأحسائي عن جماعة من الأعلام منهم السيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي». ومن مشاهير الأُسرة الشاعر والعالم المحدث الشيخ عبد الحسين شكر المتوفى سنة 1285هـ، وقد جمع قصائده الخاصة بآل البيت عليهم السلام، شيخ الخطباء الشيخ اليعقوبي وطبعها في النجف بهمة المُتَرجَم له الحاج عبدالله شكر الصراف. وآل شكر اليوم يتوزعون في عدد من المدن العراقية، ومن شخصياتهم: الحاج موسى بن الحاج عيسى شكر مستشار المالية في إمارة آل رشيد، والحاج عبود اليوسف أحد المجاهدين في حرب الشعيبة عام 1914م، والحاج عبد العزيز الرويشدي أحد وجهاء الكوفة، والحقوقي الأستاذ علي الشيخ سعيد شكر، والحاج عباس حميدي شكر والحاج باسم عباس شكر.
نشأته وأعماله في النجف
ولد الحاج عبد الله شكر الصراف في النجف في اليوم الثامن والعشرين من جمادي الآخرة عام 1328 هـ الموافق للسابع من تموز 1910م. وهو مصرفيٌ شهيرٌ، وأديب مرموق، من أعلام العراق في القرن العشرين.
تعلم القراءة والكتابة في الكتاتيب والمساجد، حيث لم يكن هناك مدارس نظامية في النجف. وحين توفي والده المرحوم عبد الرسول، كان عبدالله في عمر السادسة عشرة، فعني به خاله الذي حاول أن يستثمر ما ورثه عبدالله من مال أبيه لكنه لم يوفق في ذلك وهكذا اعتمد عبدالله على نفسه الوثَّابة وهمَّته العالية وذكائه الوقَّاد فذُلِّلت له الصعاب حين خاض غمراتها منذ صغره، ونشأ في نوادي ومجالس النجف العلمية والأدبية، وحجَّ وعمره دون العشرين، كما طوَّف في شبابه في بلاد الحجاز والشام وقد بَدَت عليه مخائل النباهة والنبوغ مع بواكير صباه، وجذبته التجارة، حيث تفتقت فيها مواهبه، وبلغ بها غاية النجاح، ممارساً تجارة الحبوب، ثم تفرَّغ للعمل المصرفي، فأسَّس عدة مصارف، وكان أحد مؤسسي غرفة تجارة النجف، ونائبا لرئيسها، كما كان مسؤولاً عن مالية مدرسة الغري الأهلية لمدة عشرين سنة، ومسؤولاً عن إدارة المخابز لتوزيع الخبز على الفقراء مجاناً، كما عمل في الأدب وكان من أعضاء ونشطاء جمعية الرابطة العلمية الأدبية التي يرأسها صديقه الشيخ محمد علي اليعقوبي وسكرتيرها صديقه السيد محمود الحبوبي.
وفي أزمة عام 1929 خسر جميع أمواله، وفي عام 1932 بدأ من جديد حيث رافقه حسن الطالع والتوفيق فتوسَّعت أعماله في منطقة المشخاب الزراعية وأسس معملا للحبوب في الكوفة.
انتقاله الى بغداد
ثم انتقل إلى بغداد في عام 1947م مواصلاً عمله التجاري والمصرفي، وأسَّس مصرفين أحدهما في بغداد والثاني في البصرة وله مصرف ثالث في النجف، وكان دقيقاً في عمله مشهوداً له بالأمانة والإنصاف. وحين أممت الحكومة العراقية المعامل والمصارف عام 1964م انتهت أعماله في بغداد.
وبالرغم من مشاغله الخاصة كان ديوانه الأدبي بمنزله البغدادي كما كان عهده في داره النجفية، ملتقى لوجهاء وشخصيات العراق وفي كان يغصُّ بالأُدباء والمثقفين.
هوايته الأثيرة في جمع المسكوكات الإسلامية
اشتهر عبدالله الصراف بهواية جمع الكتب النادرة والمسكوكات الثمينة، وعن تاريخ اهتمامه وولعه بالمسكوكات يقول الأستاذ الصراف: ((بعد وفاة المغفور له والدي ــ عبد الرسول شكر الصراف ــ وجدت في كيس نقوده درهماً مما ضربه المسلمون في غابر الزمان وسبب ذلك أن العملة الرسمية في العراق كانت هي النقود المتعامل بها في الهند، والمنقوشة بالخطوط الإفرنجية وكان ــ رحمه الله ــ قد وضع ذلك الدرهم في كيسه تبرُّكا وتيمنا بالشهادتين المكتوبتين عليه، أثابه الله على حسن عقيدته، لقد ذهبت بذلك الدرهم إلى ــ المرحوم الشيخ جابر الكرماني ــ أحد العارفين بالخطوط القديمة في النجف الأشرف فقرأه وأخبرني أنه مما ضربه الأمويون في مدينة واسط. وقد بعث هذا الدرهم في نفسي حب اقتناء المسكوكات القديمة من الدراهم والدنانير، وكانت تُجلب كميات منها إلى الصاغة من خرائب الكوفة القريبة من مدينة النجف.
وقد حصل عندي عدد غير قليل منها، وكنت أعالج أمر قرائتها بنفسي وكثيراً ما كنت استعين بالمرحوم الشيخ محمد السماوي العالم المؤرخ المعروف والذي كان حجة في دراسة المخطوطات. وفي سنة 1935م سافرت إلى فلسطين واشتريت من أسواق القدس الشريف بعض المسكوكات كما اشتريت مسكوكات أخرى من أسواق دمشق وبعد أن صارت عندي كمية لا يستهان بها من المسكوكات واستعصى علىَّ حل طلاسمها وخطوطها المعقدة فذهبت إلى المتحف العراقي وكان حينذاك في جانب الرصافة من بغداد واستعنت بالخبير بأمر المسكوكات أستاذي ومعلمي المغفور له السيد ناصر النقشبندي مؤلف كتاب الدينار الإسلامي فكان ــ رحمه الله ــ خير مساعد. وقد ارشدني إلى كتب متعددة استعين بها على دراسة النقود الإسلامية في مختلف عصورها. وبعد ذلك سافرت إلى باريس وزرت متحف المكتبة الأهلية واطلعت على النقود الموجودة هناك وعلى الكتالوك الخاص بها، ثم قصدت لندن وذهبت إلى قسم المسكوكات الإسلامية في المتحف البريطاني واطلعت عليها وعلى كتب جديدة تخص المسكوكات واشتريت بعضها. كما أنني تمكنت من شراء مائة مسكوكة من أسواق لندن. وخلال مدة تقارب الأربعين عاما بلغت مجموعتي (1093) قطعة تم درسها وشرحها، وكتبت عنها بعض التعليقات في حدود عملي ومعرفتي، ووضعتها في صفحات مغلفة تحتويها مجلدات عددها ثماني عشر..)). وقد أهدى مجموعة نفائس مسكوكاته إلى المتحف العراقي يوم 18 آذار 1969م، فخصَّته الحكومة العراقية بالتبجيل الذي يستحقه، وخصص المتحف العراقي قاعة خاصة حملت عنوان (قاعة عبد الله شكر الصراف للمسكوكات الإسلامية) عُرضت فيها مسكوكاته التي بلغ عددها 1593، (منها 431 نقدا من الذهب و1091 نقداً من الفضة والباقي من النحاس). ويعود تواريخ المسكوكات إلى حقبٍ زمنية مختلفة وهي من الذهب والفضة والمعدن منذ العهد الساساني الذي تمتد للمدة من 262 ــ 637 م ونقود الدولة الأموية التي تمتد للمدة من سنة 77 ــ 132 هـ ونقود الدولة العباسية للمدة من 132 ــ 656هـ، ونقود الدولة البويهية للمدة من 334 ــ 447هـ، ونقود دولة السلاجقة للمدة من 511 ــ 573هـ، وأيضاً نقود الدولة الطولونية للمدة من 354 ــ 292هـ وغيرها من نقود الدول التي حكمت وصولاً إلى نقود الدولة العثمانية للمدة من 699 ــ 1341 هـ فنقود مختلفة من العصور الحديثة.
كما أصدرت مديرية آثار العراق عدداً خاصاً من مجلة المسكوكات تضمنت عدة دراسات عن مجموعة مسكوكات الصراف وكتب فيه خبراء مختصون في دراسة المسكوكات، ومنهم: الدكتور محمد باقر الحسيني، الدكتور عيسى سلمان، والأستاذة وداد علي القزاز، والأستاذة مهاب درويش البكري وقد أُغلقت القاعة خلال السنين الأخيرة من عهد البعث، وأُعيد تأهيلها بتاريخ 18 أيار عام 2016م بجهود أسرة الصراف مع تبرع من سبطه السيد زيد مصطفى قنبر آغا. كما أُعيد تأهيلها ثانية بهمةِ ونفقةِ ابنته الأستاذة ثريا الصرَّاف والقاعة اليوم مفتحة الأبواب للزائرين في المتحف العراقي ببغداد..
هدايا أخرى
هناك هدايا أخرى من تركة المرحوم الأستاذ عبد الله الصراف قدمتها اسرته الكريمة الى عدد من المؤسسات الدينية والثقافية، وكنت شاهداً عليها ومنها الثريا الأثرية النفيسة التي أهدتها الاسرة الى حرم أمير المؤمنين في النجف الأشرف، ففي سنة 2011 صحبت الأخت الفاضلة السيدة ثريا الصراف مع زوجها الأستاذ نعمان بن الحاج محمد رشاد عجينة، (توفي رحمه الله في عمَّان بتاريخ 13/3/2022م) أمام إحدى بوابات مشهد الإمام علي (ع) في النجف، ومنها اهداء مجموعة نادرة من المطبوعات القديمة الى مكتبة جامع الكوفة المعظم.
هجرته الى الولايات المتحدة
في عام 1970م ذهب إلى لبنان وعمل هناك إلى حين وقوع الحوادث فيها، عندها عاد إلى بغداد في سنة 1985 وعندما اشتدت المضايقات عليه من قبل النظام والتهديد بمصادرة الأموال غادر العراق إلى الرباط. وبعد ذلك ذهب إلى الولايات المتحدة، حيث كانت له علاقات ونشاط مع أركان ونخب الجالية العراقية في الولايات المتحدة الأمريكية..ثم ألقى عصا الترحال في الولايات المتحدة الامريكية عام 1985 وبقي فيها حتى وفاته بفرجينيا في الثلاثين من أكتوبر عام 2000م، الموافق للأول من شهر شعبان عام 1421هـ الموافق للأول من شهر شعبان عام 1421هـ. وشُيَّع ودُفن في مقابر المسلمين بفرجينيا رحمة الله عليه. له من الأولاد: عطارد، ثريا، فينوس، تاييس، ولَّادة، لونا، حسين 1954م، مشعل 1956م، فوَّاز 1957م، لهيب، نيران، بان. والمرحومة هالة التي توفيت في السابعة من عمرها.
شاعرية الصراف
كان الحاج عبدالله الصرَّف من حفَّاظ الشعر وله ولعٌ كبير جداً في منادمة الشعراء ومعاشرتهم، ومن الطبيعي أن ينظم الشعر في بيئة شعرية عريقة تربَّى في منتدياتها الأدبية العامرة خلال صباه وفتوته، وكان غالباً ما يستشهد بالشعر في معظم أحاديثه الخاصة أو العامة، وقد نبغ من أُسرته شاعر فحل هو الشيخ
عبد الحسين بن الشيخ أحمد بن شكر النجفي الجبَّاوي المتوفى سنة 1285 هـ، والذي جمع شعره الشيخ محمد علي اليعقوبي، ونشره الحاج عبدالله الصراف في النجف مطبوعاً في المطبعة العلمية سنة 1374 هـ.
ومن بقايا نظم الحاج عبدالله الصراف هذه المقطوعات وأغلبها من أدب الإخوانيَّات:
قال مراسلاً صديقه السيد نوري شمس الدين:
الدهر شتت شمل الصحب فارتحلوا
وتلك شيمته من سالف الحقب
لم يبقَ لي من أخٍ إلاَّكَ يا سندي
والود أمتن أسباباً من النسب
يا نور إنَّ فراق الصحب معضلة
فخلِّي هذا الجفا يا صفوة النجب
لنغتنم فضلة في الكاس في عجل
فالركب سار وجفَّ كرمة العنب
وله:
النار في كركوك موقدة على مرِّ الزمان
وببرقة الحمَّر فاض النفط فيض النهروان
وعلى الرميلة والزبير مشاعلٌ ولها دُخان
ربي قد احترق العراق فنجِّنا يا ذا الحنان
وله مؤرخاً ومهنئاً صديقه المقدَّم الركن محمد بن الحاج حسن الطريحي (1908 ــ 2003م)، بولادة حفيده حسن هيثم محمد الطريحي:
آل الطريحي أنارت بيتكم
أنوار سعدٍ من كريمٍ منعم
أضف ثلاثة يكن تاريخها
(قد أشرقت بالحسن بن هيثم)
ولم يكن يولد للحاج عبد الإله ولد ذكر، وقد رزقه الله في مطلع الخمسينيات ولداً ذكراً أسماه (حسين)، فهنئه الدكتور محمود البستاني بهذين البيتين:
تهانينا نقدمها ابتهاجاً
لحضرتكم بميلاد الحسين
وإني من إلهي سائل أن
يقرّ به عيون الوالدين
فأجابه الحاج عبدالله بقوله:
أشكركم وشاعراً جاء في
شعرٍ رقيقٍ كرحيق الرضاب
عطَّره ذكر الحسين الذي
طهَّره الله بآي الكتاب
ولاؤه في عنقي بيعة
وحبُّه ذخري يوم الحساب
* * *
صفحات من مذكراته
(هذه مقتطفات من ذكريات الأستاذ الصراف انتخبناها من لمحاته التاريخية المنشورة في موسوعة الموسم الهولندية).
مشاهد من أيام الاحتلال الإنكليزي في النجف
من الأمور التي حدثت في النجف على إثر ثورة العشرين أن بريطانيا فرضت على أهالي النجف غرامة كبيرة من الدراهم والبنادق وكانت لبعض رؤساء العشائر بيوتاً في النجف منها بيت للسيد نور الياسري وبيت لمرزوق العواد وهما من الذين هربوا إلى الحجاز فهدمت بريطانيا بيتهما. وأعلن الحاكم العسكري بأنه سيدخل إلى المدينة وعلى الناس أن يظهروا الابتهاج بهذه المناسبة وكان في النجف رجل ظريف اسمه عبادة الدلال. كان الرجل جسيماً بطيناً خلع الرجل عباءته وشدها على وسطه وجمع الأطفال وسار أمامهم وهو يصفق ويقول:
«تزهي على الدول».
والأطفال يصفقون ويقولون:
«أياباه دولتنه».
والحاكم وحاشيته يسيرون خلفهم. وكان لدى الإنكليز شرطة من العجم الإيرانيين. وجاء إلى النجف زوار من إخواننا أبناء الريف فكان بعض أفراد الشرطة العجم يسلبون العقالات من رؤوسهم نكاية بهم لأنهم كانوا يحابون سادتهم الإنكليز وهذا التصرف يعتبر إهانة بالغة. وفي العشرة الأولى من شهر محرم كان هؤلاء الشرطة العجم ــ بتشجيع من الإنكليز ــ يخرجون في موكب عزاء يعزفون فيه على الطبول والصنوج ويضربون ظهورهم بالسلاسل. لم يكن العراقيون يعرفون هذه البدعة من قبل، فقد حرَّم السيد محسن الأمين العاملي وفقهاء آخرون هذه البدعة.
والذين استولوا على الحكم بعد الثورة لم يكن أحد منهم قد شارك فيها. والكثيرون منهم كانوا خارج العراق إبان حدوثها. وفي أيام الثورة كنت واقعاً عند باب المدينة عندما خرج رجل من أبناء محلتنا حاملاً سلاحه متجهاً إلى جبهة القتال وبعد أيام قليلة استشهد رحمه الله وترك ولده الصغير مهملاً سائباً. وفي الثلاثينيات كنت في بغداد وكانت ساحة الميدان عند المساء مسرحاً للمسرات المنكرة فشاهدت ذلك الولد في حالة سكر مزرية مخجلة. فتذكرت والده ذلك الجندي المجهول وتصورت أحوال أبناء الذين جلسوا على كراسي الحكم بعد ثورة العشرين وكيف يعيشون مرفهين ويدرسون في الجامعات فتألمت كثيراً وعدت إلى الفندق حزيناً.
أسباب مقتل الكولونيل لجمن
الكولونيل لجمن مستشرق يتكلم العربية باللهجة المصرية وقد عيَّنته بريطانيا حاكماً على منطقة (الدليم) محافظة الأنبار حالياً كان لجمن حقوداً متهوراً يتطاول على الناس ويعتدي عليهم. وكانت (المس بيل) تحذره من عواقب تصرفاته المنكرة. وكان الشيخ ضاري المحمود رئيس عشيرة زوبع مسؤولاً من قبل الإنكليز عن حراسة الطريق بين بغداد والفلوجة. براتب شهري مقداره خمسمائة روبية. وفي يوم 12 آب استدعى الكولونيل لجمن الشيخ ضاري إلى خان النقطة القريب من الفلوجة وأخذ يشتمه ويهدده ويتوعده بسبب سيارة سلبت على الطريق بين بغداد والفلوجة. فاستثارت تلك الإهانات نخوة سليمان بن ضاري فقتل لجمن. ولا شك أن أخبار الثورة في الفرات الأوسط شجعته على ذلك، وذهب ضاري ومن معه إلى معسكر المجاهدين في مدينة المسيب فاستقبله مرزوق العواد رئيس عشيرة العوابد وقبَّل يده، وبعد ذلك ذهب ضاري ومن معه إلى كربلاء، وقبيل نهاية الثورة هرب ومن معه إلى الجزيرة جنوب تركيا. فأعلنت بريطانيا عن جائزة مالية مقدارها عشرة آلاف روبية ــ الروبية عملية هندية تساوي 75 فلساً
ــ لمن يقبض على ضاري. وفي سنة 1927 وبينما كان ضاري مريضاً وفي طريقه إلى المستشفى اجتاز به سائق السيارة الأرمني الحدود وسلّمه إلى مركز الشرطة في مدينة سنجار وتسلم الجائزة وهرب إلى مصر.
وجرت محاكمة ضاري في بغداد فحكموا عليه بالسجن وفي اليوم الأول من شهر شباط 1928 انتقل ضاري إلى رحمة الله، فشيعته الجماهير بمظاهرات صاخبة وأهازيج شعبية منها: «هز لندن ضاري وبجاها» ودفن ــ رحمه الله ــ في مقبرة الشيخ معروف في جانب الكرخ. وفي هذه الأيام ظهر من يزعم أن مقتل الحاكم البريطاني لجمن كان السبب في حدوث ثورة العشرين. إنه زعم باطل. فقد بدأت الثورة في اليوم الثلاثين من حزيران وقُتل لجمن في الثاني عشر من آب. وفي مايس سنة 1921 أصدرت بريطانيا العفو عن الذين شاركوا في الثورة، ولم يشمل العفو المرحوم ضاري لأن قضيته شخصية
ولا علاقة لها بثورة العشرين.
لقد كبدت ثورة العراق الخزينة البريطانية عشرات الملايين من الباونات الإسترلينية، وكانت أخبار الثورة تنشر في الصحف البريطانية وتبحث في البرلمان، فطلب بعض السياسيين الإنكليز من حكومتهم الانسحاب من العراق.
عندما فقد فيصل عرشه في سورية ذهب إلى أوروبا، استدعت بريطانيا الشريف فيصل إلى لندن وفاوضته حول عرش العراق، فسافر الشريف فيصل إلى مكة المكرمة لبحث الموضوع مع والده الملك حسين وفي ذات الوقت وصل وزير المستعمرات ونستون تشرشل إلى القاهرة وعقد مؤتمراً حضره خبراء سياسيون وعسكريون يعملون في العراق وفي مناطق أخرى من الشرق الأوسط، وحضر المؤتمر من العراقيين جعفر العسكري وساسون حسقيل. اتخذ المؤتمر عدة قرارات منها قرار بتنصيب الشريف فيصل ملكاً على العراق. فأبرق جعفر العسكري إلى الملك حسين يخبره بما قرر المؤتمر. وأرسل الوطنيون العراقيون مئات البرقيات إلى الملك حسين يعربون فيها عن رغبتهم بأن يكون ولده فيصل ملكاً على العراق.
العفطة البغدادية التي أحرجت الموسيقار محمد عبد الوهاب!!
وعلى أثرها غادر العراق ولم يعد اليه أبداً
في اليوم الأول من نيسان 1932 افتتح الملك فيصل الأول المعرض الزراعي الصناعي في بغداد، وعرضت في المعرض منتوجات عراقية ومصنوعات تقليدية ونصبت في ساحة المعرض منتوجات عراقية ومصنوعات تقليدية ونصبت في ساحة المعرض ساعة كبيرة جداً صنعها أحد العراقيين ونقلت بعد ذلك إلى مرقد الإمام أبي حنيفة في الأعظمية. وفي هذا المعرض سمعت الصوت بالميكرفون لأول مرة.
دعت الحكومة عدّة شخصيات عربية لزيارة المعرض منها الأديب اللبناني أمين الريحاني الذي سبق أن تجوّل في البلدان العربية وكتب عن رحلاته وعن ملوك العرب. كما حضر إلى بغداد الموسيقار محمد عبد الوهاب وأقيمت حفلة ساهرة في البلاط الملكي حضرها صاحب الجلالة وكانت أمسية ربيعية مقمرة أنشد فيها عبد الوهاب أبياتاً لأمير الشعراء المرحوم أحمد شوقي:
يا شراعاً وراء دجلة يجري
في دموعي تجنبتك العوادي
سر على الماء كالمسيح رويداً
وأجر في اليّم كالشعاع الهادي
وأتِ قاعاً كرفرف الخلد طيباً
أو كفردوسه بشاشة وادي
قف تمهل وخذ أماناً لقلبي
من عيون المهى وراء السواد
أمة تنشيء الحياة وتبني
كبناء الأبوة الأمجاد
تحت تاج من القرابة
والملك على فرق أريحي جواد
ملك الشط والفراتين والبطحاء
أعظم بفيصل والبلاد
وأقيمت حفلة عامة في قاعة المعرض حضرها عدد من البغداديين وأخذ عبد الوهاب ينغِّم على أوتار عوده ويردد يا ليل يا ليل يا ليل وأطال في ترديد يا ليل يا ليل فعفطَ له بغدادي ثَمِل عفطة قوية يسمونها (زِيك) وتبعه آخر بمثلها وانتقلت العدوى للآخرين وانقلب الحفل إلى ضحك وصخب فاعتذرت الحكومة لعبد الوهاب وغادر عبد الوهاب بغداد ولم يعد إليها مرة أخرى. (للأسف أن يسفّ بعض العامة عندنا الى هذا الحد من الإسفاف والتهور، ولديّ شواهد أخرى جرت فيها حوادث مماثلة لا تليق في محضر الضيوف أثْبَتها بمحالها من تراجم أعلام العراق، ولا شك أن الطبع العراقي السليم يأبى هذا السلوك الشاذ ويتحاماه – الطريحي).
أحوال وتقاليد العراق في مطلع القرن العشرين
كان النظام العشائري والتقاليد البدوية يسودان جميع أنحاء العراق، وكانت صفة الرئيس في العرف البدوي أن يكون «كسَّاباً وهَّاباً» ينهب الأموال ويصرفها على الأصناف. وكانت سلطة الدولة العثمانية لا تتعدى حدود مدينة بغداد وكان لها جيش مهمته تحصيل الضرائب (الميري) فإذا امتنعت إحدى العشائر عن دفع الميري يذهب إليها الجيش وكثيراً ما كانت تقع المعارك بين الجيش والعشائر فإذا انتصر الجيش ينهب أموالها وأغنامها ويعود بها إلى سيده الباشا في بغداد.
كانت وظيفة الوالي أن يجمع الأموال ويأخذ نصيبه منها ويرسل
المبلغ المقرر إلى دار السلطنة في استانبول. كان الأمن مفقوداً وكان على
المسافر من بلد إلى بلد آخر أن يرافق قافلة محروسة، وكثيراً ما كانت العصابات المسلحة تقتل المسافرين وتنهب الأموال، وكان على أصحاب السفن أن يدفعوا للعشائر النازلة على ضفاف الأنهار أتاوة يسمونها (تسيار) كي تسمح لسفنهم بالمرور.
كانت الفيضانات تدمّر المدن والأرياف، وكانت الأنهار تنحسر
عن بعض المناطق فتبور وتخصب مناطق أخرى، وكان النزاع المسلح
بين الذين بارت أرضهم والذين أخصبت أرضهم يدور على مدار السنين والدنيا
لمن غلب.
فرعون رئيس عشيرة آل فتله ــ جد عبد الواحد حاج سكر ــ استولى على المشخاب وبحكمته وضع على حدود المشخاب مقاطعات للسادة، منهم السادة آل ياسر والسادة العذاريين والسادة المحانية والسادة آل أبو زبد والسيد كاظم أبو طبيخ حيث أن السادة العلويين تحترمهم العشائر ولا تعتدي عليهم وبذلك حافظ على المشخاب.
وكانت للمدن أسوار تحميها من الغزاة وكان سكان المدن يؤلفون بينهم أحلافاً شبه عشائرية لحماية أنفسهم وكثيراً ما كانت المعارك تقع بين حلف وآخر كما هو الحال في حلف (الشمرت) وحلف (الزقرت) في النجف وحتى في بغداد كان أهل المحلات يتفاخرون بالأشقياء من أبنائهم الذين يدافعون عنهم عندما تحدث معركة مع محلة أخرى.
لم يكن في العراق مستشفيات ولا أطباء وكانت الأمراض المستوطنة الوافدة كالطاعون تفتك بالناس فتكاً ذريعاً. وكان الدجالون والمشعوذون يعالجون المرضى وكان في المدن الكبيرة شيوخ يدرسون الطب اليوناني القديم ويعالجون المرضى بالأدوية الشعبية من الأعشاب وغيرها وكانت تلك الأدوية تباع في مخازن العطارين.
كان عدد سكان العراق في نهاية القرن التاسع عشر لا يزيد على المليون ونصف المليون نسمة. كانت نسبة الأمية بين سكان العراق بمن فيهم سكان الأرياف والبدو في حدود 90% وكان في كل من بغداد والبصرة والموصل مدارس لغير المسلمين يسمونها (سكول). وكان للمرأة النصيب الوافر من الجهل والظلم فإذا اعتدت عشيرة على عشيرة أخرى وقتلت بعض أفرادها تدفع لها عدداً من فتياتها (دية) أو (فصلا) كما يسمونه. وإذا زعم أحد الشباب بأنه غازل فلانة بيت فلان وبلغت الإشاعة مسامع أخيها فإنّه يقتلها بدون محاكمة ويسمون هذه الجريمة الشنعاء (غسلاً للعار). وإذا تقدم أحد الفتيان يطلب يد إحدى الفتيات فإن لابن عمها الحق في (النهوة) فيمنع ذلك الفتى من الزواج من بنت عمه ويتزوجها هو وإن كانت له عدة زوجات وأولاد، يتزوجها ظلماً وليس لها من نصير، لأنها بنت عمه وهي حسب (العرف) حق من حقوقه، ومن المؤسف أن هذا العرف لا يزال موجوداً حتى الآن في بعض مناطق العراق.
انتحار عبد المحسن السعدون
في سنة 1929 كان عبد المحسن السعدون رئيساً للوزراء وكان بين يديه مشروع معاهدة مع بريطانيا، وفي هذه المعاهدة مواد لصالح الإنكليز وفيها مادة تعترف باستقلال العراق وتؤهله لعضوية عصبة الأمم. عندما عرض عبد المحسن منهاج وزارته على مجلس الأمة تصدت له الفئة المعارضة بعنف واتهمته بالخيانة وبكونه خادماً للإنكليز. خرج عبد المحسن من المجلس حزيناً، يقول الشيخ علي الشرقي «إن السعدون عندما مرَّ بسوق السراي سمع الناس يشتمونه فأصيب بنوبة عصبية أدت به إلى الانتحار في مساء الثالث عشر من تشرين الثاني سنة 1929 وترك وصية كتبها باللغة التركية يقول فيها: «العراقيون الضعفاء يريدون الاستقلال والإنكليز لا يوافقون وأنا الفدائي لوطني الأكثر إخلاصاً قد صبرت على أنواع الإهانات وتحملت المذلات كل ذلك من أجل هذه البلاد التي عاش فيها آبائي وأجدادي مكرمين. أنهم يتهمونني بالخيانة وبأنني خادم للإنكليز فما أعظم هذه المصيبة. يوصي ولده بالإخلاص للوطن وللملك فيصل». وقد نظم الشاعر أنور شاؤول الوصية شعراً أتذكر بعضه وهو قوله:
طلاب الاستقلال أبناء الوطن
أسفي عليهم أنهم ضعفاء
هم عاجزون عن استماع عظات من
آباؤه وجدوده شرفاء
صيّرت عبد الإنكليز المحتقر
وأنا الوفي لموطني أفديه
ولقد حزن العراقيون على السعدون وأمر الملك فيصل بأن لا تقام مراسيم عيد ميلاده في تلك السنة حداداً على السعدون ورثاه جميع الشعراء وكان مطلع قصيدة المرحوم الشيخ محمد علي اليعقوبي النجفي:
أبيت سوى الإحسان حياً وميتاً
فإنك في الحالين للشعب محسن
وأطلقوا اسم السعدون على أحد شوارع بغداد وأقاموا له تمثالاً لم يزل قائماً هناك.
غازي ملك العراق
جلس على عرش العراق ــ بعد رحيل فيصل ــ ولده الملك غازي. وكان عمره حينذاك 21 سنة. لم تكن للملك غازي قدرة والده ودرايته في إدارة دفة الحكم في العراق ومعالجة مشاكله المعقدة. وقد أحدث رحيل والده اختلالاً في التوازن السياسي الذي كان يسود البلاد على عهد فيصل، الأمر الذي أدى إلى تفاقم التنافس بين رجال السياسة الذين أراد كل منهم الوصول إلى كراسي الحكم بأي ثمن كان.
ففي سنة 1934 أوعز ياسين الهاشمي وصاحبه رشيد عالي الكيلاني إلى أصحاب لهما في منطقة الفرات الأوسط منهم عبد الواحد سكر والسيد علوان الياسري والسيد محسن أبو طبيخ وعبود الهيمص بأن يقاطعوا الحكومة متذرعين بالمطالبة بحقوق الشيعة المهضومة. فأوفدت الحكومة الوجيه الشيعي الحاج عبد الحسين جلبي كي ينصحهم بالعدول عن هذه الحركة ولكنه لم يوفق في وساطته وقالوا عنه (يوحيّد طب ثور الشيعة)، ووحيد تعني عبد الواحد. وتوسعت الحركة وانتقلت عدواها إلى بعض المدن وكادت أن تكون قوة مسلحة، فاستقالت وزارة علي جودت الأيوبي وشكل الوزارة جميل المدفعي. وبعد أيام قليلة، استقال المدفعي وشكل الوزارة ياسين الهاشمي، فعين رشيد عالي وزير للداخلية، وأوكل قيادة الجيش لأخيه طه الهاشمي.
قال المرحوم الشيخ محمد علي اليعقوبي النجفي:
قالوا وزارتكم (ياسين) يرأسها
وقائد الجيش (طه) في الميادين
يا رب طه وياسين بحقهما
أجِر عبادك من (طه وياسين)
حلّ ياسين الهاشمي مجلس النواب وأخرى الانتخابات المزورة ــ كالعادة ــ وعيّن أصحابه الذين كانوا يطالبون بالحقوق المهضومة نوابا في المجلس الجديد. منع ياسين الهاشمي بدعة الضرب بالسيوف والسلاسل تلك البدعة التي كان الجهلاء يمارسونها في بعض المدن بمناسبة العزاء. وبعد فشل حركة مايس 1941 عاد الجهلاء إلى ممارسة هذه البدعة وكانت الاستخبارات البريطانية تشجعهم وتمولهم.
في سنة 1935 أوعز بعض ممتهن السياسة إلى أصحاب لهم في كل من الرميثة والسماوة وسوق الشيوخ بالمطالبة بالحقوق المهضومة فكانت هذه المرة ثورة مسلحة. فقصفت الطائرات مناطق الثورة وذهب الجيش يقوده بكر صدقي لإخماد الثورة فقتل وأعدم الكثيرين وممن اعتقلهم خوّام العبد العباس الفرهود رئيس عشيرة زريج.
قالت شاعرة آل زريج:
يا ربي رد خوام للدار سالم
كلهم صفوا عدوان حتى الظوالم
هجرة اليهود إلى إسرائيل
في سنة 1950 كان توفيق السويدي رئيساً للوزراء فأصدرت حكومته مرسوم إسقاط الجنسية العراقية، وبموجب هذا المرسوم هاجر إلى إسرائيل 130 ألف من يهود العراق، وأسقطت عنهم الجنسية العراقية وحل في محلاتهم التجارية والصيرفية عراقيون من النجف والموصل وعانه وراوه ومن أماكن أخرى.
الاتحاد بين مصر وسورية
في سنة 1958 توحّدت سورية ومصر بزعامة جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة. فارتفع اسم جمال عبد الناصر إلى الذروة وعلّقت عليه الآمال. كانت الجمهورية العربية المتحدة ذات علاقة ممتازة مع الاتحاد السوفياتي وكانت حكومة العراق تسير في ركاب الإنكليز. وكانت إذاعة صوت العرب المصرية ــ وهي إذاعة قوية ــ والمذيع المصري أحمد سعيد اللسن الذي يوجه صواعق الكلم على عبد الإله ونوري السعيد. وكان العراقيون يترصدون مواعيد إذاعة صوت العرب وينصتون إليها باهتمام. وكانت إذاعة بغداد الواهية والمذيع يونس بحري يتناول جمال عبد الناصر ويذيع أغنية مصرية قديمة (البوسطجية اشتكوا) استهانة بجمال الذي كان والده موظفاً في دائرة البريد.
آثار العدوان الثلاثي على مصر في تغيير المزاج العراقي
وقبل أحداث 1956 كانت دور السينما تعرض في قاعاتها صورة الملك فيصل الثاني ويعزف السلام الملكي قبل عرض الأفلام وكان الناس يقفون احتراماً لصاحب الجلالة ولكن الحال تبدل بعد العدوان الثلاثي حيث امتنع الناس عن الوقوف وكان بعضهم يصفر استهانة بالملك فمنعوا عرض الصورة والسلام الملكي في السينمات. وفي أحد الاستعراضات العسكرية سقطت قذيفة بالقرب من الملك وعبد الإله ولكنها لم تنفجر، وانفجرت سيارة ملغومة في باب قصر الزهور، كان عبد الإله قد اعتاد الذهاب إلى افتتاح جلسات مجلس النواب عبر شارع الرشيد ولكنه صار يذهب إلى المجلس في زورق عبر نهر دجلة خوفاً من وقوع اعتداء عليه في شارع الرشيد.
كان عبد الإله يشعر بالخطر وكان يقول لمن حوله (إذا كانوا لا يريدوننا فإننا نخرج من العراق) وانتشرت إشاعة مفادها أن الضباط الأحرار سيقومون بانقلاب على الحكومة.
كنت مع جماعة من العراقيين على مائدة السفارة العراقية في طهران وكان هنالك ضباط عراقيون جاءوا إلى طهران لأمور تتعلق بحلف بغداد. وإذا بهم يشتمون الأمير عبد الإله ونوري السعيد جهاراً وبدون خشية فقدرت أن الساعة آتية.
يوم سقوط الملكية العراقية
عدت إلى بغداد في يوم الأربعاء 9 تموز، وفي صباح يوم الاثنين 14 تموز 1958 اتصل بي تلفونيا المرحوم رجب الصفار قائلاً افتح الراديو، وفتحت الراديو وإذا به بلاغات وبيانات عسكرية يذيعها العقيد عبد السلام عارف. لقد استولى الجيش على دار الإذاعة وعلى قصر الرحاب حيث تعيش العائلة المالكة وقتلوا الملك فيصل وعبد الإله ونساء العائلة المالكة، وفي يوم 16 قتلوا نوري السعيد وخرج الناس إلى شوارع بغداد يسحبون جثماني عبد الإله ونوري السعيد ويمثلون بهما أشنع التمثيل.
الشاعر الحبوبي يزور الصراف ويصف مجلسه وأريحيته
وفي ختام هذه السيرة العطرة للأستاذ الصراف، أثبت قصيدة عامرة لصديق الصراف الشاعر النجفي الكبير السيد محمود الحبوبي، يصفُ فيها مجلس الصراف وأدبه وجميل مزاياه، وكان قد أنشدها خلال زيارته الى بيت الصراف، وقد انتابته حمَّى ألزمته الفراش وذلك في١٢ – ١ – ١٩٤٥:
جئناك نسرِّع زائرينا تحت الدجى لا عائدينا
جئنا نهيُ مجلساً نرتاده حينا فحينا
ولتوقَدِ النيران، ولَـيُحرق لظاها الحاسدينـا
ولنستدر سمارَ ليل حولها متحدثينا
و لتنفجر عين السحائب فوقنا غيثاً هتونا
جئنا وقد ملأ الغمام دروبنا ماء وطينا
وكأننا نطأ الشقائق غضة والياسمينا
خلت الدروب فما نشاهد غيرنا من عابرينا
ونسير في أضواء شو ق ساقنا لك مسرعينا
ليُمَتِع الأرواح لفظك حين نُصغي منصتينا
من كل نادرة تفوق بحسنها العقد الثمينا
لولا اتقادُ (ذكاءَ) لم يعرف ذكاك له قرينا
إن غبت عنا ساعة زدنا إلى اللقيا حنينا
أأبا (عطارد) لا وعت أسماعنا منك الأنينا
(حمًّى) أتتك خفيفة لتشاهد العقل الرزينا
وترى الشكوك تموج في آفاق صدرك واليقينا
ولتكبر القلب المجمعَ قسوة فيه ولينا
إن أسخنتك فقد غدا جسم الفخار بها سخينا
لا تعجين إذا تجنبت العداة المبغضينا
وردت دماءَك دون خصـمك حين كان الخصم دونا
شأن الظماء تجانب الاوشال كي ترد المعينا
ولقد نرى أنَفَا بها أن تطرق المتهيبينا
فحصت عداك فلم تجد إلا الجبان أو الضنينا
فمشت إليك وعافت الجبناء جنب الباخلينا
ولئن غدوت ضجيعها يوماً ستهجرها سنينا
(حمًّى) نراها ذات فضل إذ نراك بها سجينا
أو لم تكن حجبتك عمن يجلبون لك الشجونا ؟
يتعاظمون وهم أخف من الهبا لو يوزنونا
من كل من هو فرحةُ الاعمى، وحزنُ المبصرينا
لولاه ما حسد الأصَمَّ من الأنام السامعونا
إن فاءَ أوقر كل سمع أو بدا أقذى العيونا
لو أنهم قرنوا المنون بشخصه ظلموا المنونا
زِد شكرها إذ صيّرتهم عن لحاظك غائبينا
أأبا (عطارد) دام بيتُك مجمعا للسامرينا
ولرافعي الأدب الصحيح صَبا له الفضلاء فينا
ولحاملي الفِكَر التي يهدي سناها التائهينا
فكأنما هو من عكاظ ندوة للشاعرينا
وكأنَّه بنفائس الأبحاث جزء من أثينا
جئنا نحثّ لك الخطى تحت السحاب مبادرينا
كيما تقابل طلعة شغفت قلوب الناظرينا
ولنسمع الطُّرَف التي جئنا لها متشوقينا
فلكم أعدتَ مهنئاً بحديثك القلب الحزينا
إنَّا لتغنينا نكاتك عن كؤوس الشاربينا
زدنا اغتباطاً لا برحت بكل محمدة قمينا
ولَنلْهُ عمَّا في الحياة من الحوادث غافلينا.