متابعة – التآخي
تسعى روسيا لتعزيز نفوذها في أفريقيا عبر طرق شتى منها مجموعة “فاغنر” و حملات التكنلوجيا المعلوماتية، وقد توضح مدى النفوذ الروسي في أفريقيا في أحداث الانقلاب العسكري الأخير في جمهورية النيجر ورفع المتظاهرين النيجريين الذين ايدوا الانقلاب العلم الروسي.
وتظهر دراسة نشرها مؤخرا “مركز أفريقيا للدراسات الإستراتيجية” أن روسيا تحاول التدخل في أكثر من عشرين دولة أفريقية من خلال التدخل السياسي وحملات معلوماتية ونشر أفراد من مجموعة “فاغنر” الروسية.

وقد تجلى ذلك خلال إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة في شباط 2023، قرار يدعو إلى “سلام شامل وعادل ودائم” في أوكرانيا مع مطالبة روسيا بسحب قواتها “فورا” ووقف القتال.
فخلال الجلسة، صوتت دول مثل بوتسوانا وزامبيا وتونس لصالح القرار فيما صوتت دول أفريقية أخرى مثل مالي وإريتريا ضد القرار مع امتناع 15 دولة أفريقية أخرى عن التصويت مما يشير إلى تزايد النفوذ الروسي في القارة السمراء.
يرى مراقبون أن أفريقيا باتت هدفا رئيسا للدعاية الروسية يتمثل برغبة موسكو في الحصول على شرعية دبلوماسية لحربها في أوكرانيا.
ويقول مارك دوركسن، الباحث المساعد في مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية، إن روسيا “بحاجة فعلا إلى أفريقيا في ظل أنها تواجه عزلة دولية متزايدة”، بحسب قوله.

وبحسب رأيه، تعاني حكومات أفريقية من سوء إدارة وفساد وفي بعض الأحيان عزلة دولية ما يخلق بيئة تسمح لروسيا بممارسة نفوذها في القارة السمراء.
بدوره، يقول جاستن أرينشتاين، الرئيس التنفيذي لشركة “كود لأفريقيا” التي تعد أكبر شبكة للتكنولوجيا المدنية في القارة الأفريقية، انه حتى قبل الحرب في أوكرانيا، تم رصد “قيام روسيا بمحاولة حشد الدعم لسياساتها في أفريقيا خاصة عندما كانت سياساتها تتعارض مع سياسات أوروبا أو الناتو أو الولايات المتحدة”.
في المقابل، يرى خبراء أن روسيا تعد دولة ذات أهمية كبيرة للعديد من البلدان الأفريقية داخل أروقة مجلس الأمن الدولي إذ في عام 2019 أفشلت روسيا مشروع قرار يدين قتل مدنيّين في عملية فض الاعتصام في الخرطوم في الأحداث التي تسببت في الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير.
من جانبه، قال جوزيف سيغل، الباحث في مركز إفريقيا للدراسات الإستراتيجية، إن وضع روسيا في مجلس الأمن يمثل “إشكالية لسبل تعزيز الديمقراطية في أفريقيا”. وأضاف أن روسيا ترغب من وراء تعزيز نفوذها في أفريقيا، خلق “أسواق بديلة عن أوروبا والولايات المتحدة بعد العقوبات الغربية الاقتصادية”.
ويُضاف إلى ذلك الانخراط العسكري الروسي في أفريقيا في ضوء انتشار مجموعة “فاغنر” في دول أفريقية عدة مثل مالي وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى. وفي مقابل دعمها للحكومات، تحصل فاغنر على مواد خام لا سيما الذهب فيما تعمل أيضا على تقوية النفوذ الروسي في أفريقيا.
وعقب انسحاب فرنسا من مالي التي دعت إلى سحب قوات حفظ السلام الأممية، بدا واضحا أن مالي تسعى إلى النأي بنفسها عن القوة الاستعمارية السابقة مع مساعي للتعزيز التعاون بشكل وثيق مع روسيا. وقد ذكر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن روسيا كانت مصدر 44 ٪ من الأسلحة التي تم بيعها إلى الدول الأفريقية بين 2017 و2021.

وتستخدم روسيا منصات التواصل الاجتماعي لنشر حملات المعلوماتية و”البروباغندا”، بحسب دوركسن الذي يضيف، إن هذه الاستراتيجية نجحت بشكل خاص في البلدان التي تفتقر إلى وجود صحافة حرة ومستقلة.
ومن بين الأمثلة على ذلك مقطع رسوم متحركة قصير يروج لمجموعة فاغنر حيث يُظهر أحد المشاهد قيام جنود روس بمحاربة جنود فرنسيين في شكل “زومبي” فيما يقول أحد الجنود الفرنسيين إنه أحد شياطين ماكرون و”مالي بلدنا”. وتستخدم روسيا مثل هذا الفيديو لإذكاء المشاعر المعادية للدول الغربية.
وقال ديميتي زوفيري، الباحث في منظمة “العيون على فاغنر”، إن مثل هذه المقاطع المصورة ترتبط بشكل مباشر بروسيا. ومشيرا إلى “تورط” روسيا في دعم كيانات سياسية في أفريقيا، مردفا “موسكو تدفع أموالا لمؤثرين أفارقة لنشر البروباغندا الروسية.”
ويعد، كيمي سبا، من أبرز المؤثرين في فرنسا فيما لا يتوقف على منصات التواصل الاجتماعي عن تبني رسائل مؤيدة لروسيا ومعادية للغرب بين متابعيه الذين يصل عددهم على موقع فيسبوك إلى أكثر من مليون فيما زعم عقب الهجوم الروسي على اوكرانيا، أن موسكو “تحاول استعادة الأراضي الروسية”.
يشار إلى أن روسيا تمتلك وسائل إعلام عديدة تُقدم على نشر الدعاية الروسية في أفريقيا فيما تلعب السفارات الروسية أيضا دورا مهما في نشر المعلومات المتكاثرة.
ويعد المثال الأبرز على ذلك ما نشرته السفارة الروسية في جنوب أفريقيا مطلع تموز 2023 حيث قامت بنشر “لقطة شاشة” زعمت أنها لمقال نشرته مجلة بوليتيكو حمل عنوان “حياة عشرين مليون شخص من أجل الحرية”.
ولحقت السفارة الصورة بتعليق جاء فيه “الناتو يدفع نحو استمرار الحرب حتى آخر أوكراني”، لكن مع التحقيق تبين أن الصورة مزيفة وأن “لقطة الشاشة” لا تعود إلى مجلة “بوليتيكو” التي لم تنشر مثل هذا المقال فضلا عن أنه يحتوي على أخطاء نحوية، بحسب مراقبين.

ويظهر أن ذلك دفع السفارة الروسية في جنوب أفريقيا إلى حذف المنشور بعد أن حقق أكثر من مئة ألف مشاهدة على تويتر.
وفي سياق متصل، قامت شبكة “آر تي” الدولية المدعومة من الرئاسة الروسية بتوسيع تواجدها في أفريقيا مع تدشين مشاريع متنوعة مع وسائل إعلام أفريقية مثل مؤسسة Afrique Media التي تنشر دعاية موالية لروسيا ومعادية للغرب.
وقد لوحظ تواجد محطات إذاعية وصحف تمولها مؤسسات روسية في أفريقيا مثل صحيفة “ندجوني سانغو” وإذاعة ” لينغو سونغو” في جمهورية إفريقيا الوسطى.
لكن ما مدى نجاح الدعاية الروسية في أفريقيا في ظل شبكة كبيرة ومعقدة تدعم الرواية الروسية؟ وفي ذلك، قالت دراسة “مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية” أن نفوذ روسيا يعد جليا في دول مثل جمهورية أفريقيا الوسطى ومالي والسودان وزيمبابوي حيث تنشط مجموعة فاغنر.
بدوره، قال دوركسن إن جمهورية أفريقيا الوسطى تتصدر قائمة الدول عندما يتعلق الأمر بالنفوذ الروسي بخاصة مع تواجد مدربين عسكريين يعملون كمستشارين للرئيس.
وتستند روسيا في الترويج لسياستها في وسائل الإعلام الأفريقية على حقيقة مفادها أن روسيا لم تكن أبدا قوة استعمارية في القارة السمراء ولم يكن لها طموحات إمبريالية. كما تولى العديد من الأفارقة الذين درسوا في بلدان الاتحاد السوفيتي السابق، مناصب قيادية في بلدانهم مثل جنوب إفريقيا وأنغولا وجمهورية أفريقيا الوسطى.
وقد حافظ العديد منهم على التواصل مع روسيا لاسيما أن الاتحاد السوفيتي كان يدعم حركات التحرر الأفريقية خلال حقبة الاستعمار.
وبرغم تزايد وتيرة الدعاية الروسية في أفريقيا، إلا أن آراء مواطني القارة السمراء لا زالت منقسمة حيال الحرب في أوكرانيا إذ أظهر استطلاع للرأي أجري في حزيران الماضي في جنوب أفريقيا وكينيا ونيجيريا والسنغال وأوغندا وزامبيا أن الأغلبية تعتقد أن الهجوم الروسي في اوكرانيا كان مخالفا لمبادئ القانون الدولي.
وبرغم أن روسيا ليست الدولة الوحيدة في العالم التي تحاول تعزيز نفوذها في أفريقيا، إلا أن جاستن أرينشتاين يرى أن الأمر يمثل تهديدا للقارة السمراء، موضحا “روسيا تعمل على تقويض المجتمعات المنفتحة وتقويض قدرة المواطنين على اتخاذ خياراتهم الخاصة”، بحسب قوله.