سوريا بين أوهام الخلاص وفوضى السلاح

خوشناف سليمان

من المؤلم أن ترى وجوهًا كانت حتى الأمس القريب جزءًا من ماكينة التطبيل للاستبداد. تعود اليوم بثياب جديدة وخطاب أكثر تطرفًا. وكأنّ سوريا لم تدفع ما يكفي من الدم والخراب. فالشخصيات التي صفّقت لعقود باسم البعث ورفعت صور بشار الأسد في ساحات الخوف تحاول الآن إعادة إنتاج نفسها عبر شعارات دينية متشددة. مستفيدة من الفوضى والانهيار والانقسام الذي أصاب البلاد.
لقد كشفت تقارير دولية عديدة. منذ السنوات الأولى للثورة السورية. أنّ النظام السوري ساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في خلق البيئة التي سمحت بصعود الجماعات المتشددة عبر سياسات أمنية هدفت إلى تحويل الحراك الشعبي من ثورة حرية وكرامة إلى حرب مذهبية مفتوحة. وقد ترافق الإفراج عن متشددين من سجن صيدنايا مع قمع واسع للنشطاء المدنيين والديمقراطيين. الأمر الذي فتح الباب أمام تمدد قوى التطرف والسلاح على حساب الصوت المدني والعقلاني.
ما نشهده اليوم ليس سوى استمرار لتلك الكارثة. انتقال انتهازيين من عباءة البعث إلى عباءة / الدولة الإسلامية / أو إلى خطابات سلفية متشددة. مع بقاء العقلية ذاتها عقلية الإقصاء والتخوين واحتكار الحقيقة. والنظر إلى المجتمع بوصفه قطيعًا يُقاد بالخوف والشعارات.
إنّ أخطر ما أصاب سوريا لم يكن الاستبداد السياسي وحده. بل تحويل الدين إلى أداة سلطة. واستخدام المقدّس لتبرير القتل والكراهية والحروب الطائفية. فالدولة لا تُبنى بالعقائد المغلقة. ولا بالميليشيات. بل تُبنى بالقانون والمواطنة. والعدالة. والاعتراف المتساوي بكل المكونات القومية والدينية والاجتماعية التي عاشت على هذه الأرض منذ قرون طويلة.
لقد دفعت جميع المكونات السورية. عربًا وكردًا وسريانًا وآشوريين وعلويين ودروزًا وإيزيديين وغيرهم. ثمن مشاريع التطرف والاستبداد معًا. ولذلك فإن أي مشروع سياسي لا يؤمن بالتعددية والدولة المدنية الديمقراطية. سيعيد إنتاج المأساة مهما غيّر شعاراته وأسماءه.
أما الهدوء النسبي الذي تعيشه سوريا اليوم. فليس سلامًا حقيقيًا بقدر ما هو استراحة مؤقتة لمقاتلين أنهكتهم الحرب والجوع والتعب. بينما ما تزال مصالح تجار الحروب قائمة ومحمية. لقد حوّل أمراء الدم السراب إلى أوطان متخيلة وأقنعوا البسطاء بأن العمامة أو عباءة الشيخ أو سطوة العشيرة قادرة على صناعة المجد واستعادة أمجاد التاريخ. فيما كانت الحقيقة أنهم يُقادون إلى ساحات الموت لخدمة مشاريع لا علاقة لها بالدين ولا بالكرامة ولا بمستقبل البلاد.
لقد جرى استغلال الفقراء والمهمشين عبر خطاب تعبوي متخم بالشعارات والانفعالات. يدفعهم إلى الحلم بالغنائم والانتصارات الوهمية و كأنهم يعيشون في زمن الفتوحات القديمة لا في عصر الدول الحديثة والقوانين والمؤسسات. لكن هذا الوهم لم يُنتج سوى الخراب.. مدن مدمّرة. ومجتمعات ممزقة. وأجيال ضائعة بين المقابر والمخيمات والمنافي.
إنّ أخطر ما تواجهه سوريا اليوم ليس السلاح وحده. بل العقلية التي ما تزال تؤمن بأن الوطن يمكن أن يُبنى بالعنف. وأن السلطة يمكن أن تستقر فوق جماجم الناس. وهذا وهم قاتل. لأن الدولة لا تقوم وسط فوضى الميليشيات. ولا العدالة تولد من فوهات البنادق. و لا المستقبل يُصنع عبر أمراء الحرب الذين ارتبطت مصالحهم باستمرار الفوضى والاقتتال.
وما يبدو هدوءًا اليوم قد يكون مجرد هدنة تسبق انفجارًا جديدًا لأن جذور الأزمة ما تزال قائمة.. السلاح المنفلت. والخطاب الطائفي. واقتصاد الحرب. و التدخلات الخارجية التي حولت سوريا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. فمن تركيا إلى أمريكا. ومن روسيا إلى إيران. تشابكت المصالح فوق الأرض السورية. واستُخدمت الفصائل والجماعات المسلحة أدوات لتنفيذ مشاريع تتجاوز السوريين أنفسهم.
ولا يمكن لأي مشروع وطني حقيقي أن ينجح في سوريا المستقبل ما لم يعترف بصورة دستورية واضحة بحقوق الكرد بوصفهم شعبًا أصيلًا من شعوب البلاد. تعرّض لعقود طويلة من الإقصاء والإنكار والتمييز. فالقضية الكردية اصلا هي جزء أساسي من أزمة الدولة السورية نفسها، التي فشلت تاريخيًا في بناء مفهوم المواطنة المتساوية والشراكة العادلة بين جميع المكونات.
إنّ بناء دولة مستقرة لا يتحقق عبر إعادة إنتاج العقلية المركزية القديمة. ولا عبر فرض هوية واحدة على مجتمع متعدد القوميات والثقافات والأديان. بل عبر الاعتراف المتبادل والشراكة الحقيقية في السلطة والثروة والقرار الوطني. فسوريا الجديدة تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يعترف بالعرب والكرد والسريان والآشوريين والدروز والعلويين والإيزيديين وسائر المكونات كشركاء متساوين في الوطن لا كأقليات خاضعة لمزاج السلطة أو لتوازنات القوة.
كما أنّ المجتمع السوري. بعد سنوات طويلة من الحرب والقتل والتحريض والكراهية. يحتاج إلى تأسيس ثقافة جديدة تقوم على قبول الآخر و احترام الاختلاف والتخلي عن ذهنية الغلبة والإقصاء. فالحروب لا تدمّر المدن وحدها. بل تشوّه وعي البشر أيضًا. وتزرع في النفوس خوفًا وأحقادًا تحتاج إلى سنوات طويلة من العمل الثقافي والتربوي والسياسي لمعالجتها.
وأي محاولة للالتفاف على هذه الحقائق أو إعادة إنتاج الدولة القديمة بعقليتها الأمنية والإقصائية. لن تقود إلا إلى انفجار جديد قد يكون أكثر عنفًا وخطورة من كل ما شهدته سوريا خلال السنوات الماضية. فتجاهل الحقوق الدستورية للكرد. ورفض الشراكة الحقيقية بين المكونات. والاستمرار في إدارة البلاد بعقلية الغلبة. سيدفع سوريا حتمًا نحو حرب طاحنة جديدة. ويضعها أمام خطر التقسيم الفعلي نتيجة انهيار الثقة بين المكونات وتفكك فكرة الدولة نفسها.
فالأوطان لا تبقى بالقوة وحدها، ولا بالشعارات القومية أو الدينية. بل بالعدالة والشراكة والشعور الجماعي بالانتماء. وعندما يشعر أي مكون بأنه مستبعد أو مهدد أو محروم من حقوقه. تبدأ فكرة الوطن بالتآكل من الداخل. وتتحول الجغرافيا إلى مناطق خوف ونفوذ وصراع دائم.
لقد آن الأوان لكي يبدأ دور العقلاء أولئك الذين يجمعون الخراب بدل توسيعه. و يطفئون نار الفتنة بدل النفخ فيه.

قد يعجبك ايضا