د . صباح ايليا القس
يحاول الشعراء اللصوص أن يجدوا لهم مكان آمنا بوصفهم يعيشون حياة قلقة تهددهم في كل لحظة والمكان المتخيل هو الذي يفضله الشعراء بوصفهم من عشاق الخيال فاذا لم يجدوا ذلك المكان في الحقيقة اخترعوه واوجدوه في مخيالهم الذي يعطيهم دفقا من الراحة والاطمئنان بغض النظر عن الواقع القاسي الذي ارتضوه او هم مكرهون عليه لانهم ثاروا على المجتمع او لان المجتمع اراد ان ينتقم منهم بوصفهم قد خرجوا على النظم الاجتماعية والقبلية التي لم يستطيعوا الانسجام معها .
الخروج على الثوابت والنظم المعروفة يعد تحديا لما سارت عليه القبائل من مواصفات سلوكية لا يراها الصعاليك مطابقة لتطور المجتمع والحياة الجديدة وهذا يحصل في تعاقب الاجيال فكل جيل له ثوابته وتحدياته ولا يجوز أن يكون الجيل الجديد نسخة مطابقة تماما لما اعتاده الاباء والاجداد واذا حصل فأنه تكرار ممل وليس فيه لذة التطور الانساني ..
حينما نقول هذا فأننا لا نعني ان الصعاليك قد تخلوا عن القيم العربية المعروفة برمتها وما بين أيدينا من شعر يعطينا يقينا بانهم التزموا بالكثير من عادات الكرم والحماية والشرف على الرغم من حياتهم البائسة والشحيحة احيانا .
احلام اللصوص تقترب من التمنيات والامال التي تعني حصول المطلوب إن لم يكن في الواقع فأنه قد يتحقق في الخيال والايام ربما تجعل الاحلام والامنيات حقائق بفعل التطور الانساني التي ربما ايضا بحاجة الى زمن قد يطول ويصير موكدا بعد حين وقد يكون بعد موت الشاعر .
الشعراء اللصوص ليسوا الوحيدين الذين يحنون الى الماضي لصناعة المستقبل اي الاحلام فلكل انسان ماضيه ومستقبله فالماضي مبني على الحافظة التذكارية والمستقبل يرسمه الشاعر من خياله وهذا يختلف من شاعر الى آخر بل من انسان الى آخر اي للناس جميعا امنياتهم وقليل جدا من ليست له امنيات فقط الذين يعيشون يومهم ولا يهمهم المستقبل .
الصعاليك واللصوص الذين عاشوا في الصحراء وفي تلك البيئة الجافة القاسية لا بد أن أقدارهم وأمانيهم لا تخرج عن حدود هذه الطبيعة ومعطياتها المأساوية احيانا لا سيما في الحروب وايام الدماء والتحديات التي تطبع في النفس الارتياح عند الانتصار والفجائع والبكاء عندما يحسب الناس خسارات الاحبة فالحروب لا تعرف غير الدماء وسيلة للبقاء وحسب القول البقاء للاصلح والاصلح يعني الاقوى والاكثر ايغالا في دماء الآخرين .
ما نزال نحنُّ الآن الى المواقع والبيوت او المدارس التي تركناها والشاعر الصعلوك المقموع يحن كذلك الى تلك المواضع لا سيما اذا ارتبطت بالحبيبة .
يقول الشاعر :
تَمنـّــــتْ سليمــــى أن أقيـــل بأرضهـــا وإنـــي لسلمــــى ويْبهـــا مـــــا تمنّـــــــتِ
الا ليــت شعـري هــل أزورنّ ساجـــرا وقـــد رَوَيـــتْ مـــاء الغــــوادي وعلـّــــتِ
وساجر هي المنطقة التي التقى حبيبته هنا وظلت المنطقة ( المكان ) أملا للقاء جديد ..
تكثر في التذكر كلمات ( تمنت , يا حبذا , ليت , عسى ) وغيرها من افعال وادوات التمني …
ألا حبـــذا تـــلك الديـــار واهلهــــــا لـــــو ان عذابــــي بالمدينــة ينجلــــي
ترى هل يزول عذاب الشاعر اذا تحققت الزيارة وكان اللقاء بالاحبة حاصلا ؟ هي امنيات تتعارض مع الواقع بالتأكيد .
فاذا لم يكن للشاعر من يستمع نداءه ويصغي الى اوجاعه فليس سوى الجمل المتفرد في الصحراء الذي يمكن أن يخاطبه ويحكي له تلك المعاناة في البعد والحرمان .
يقول الشاعر :
ايـــا جملـــي إن أنــتَ زرت بلادهـــا برحلـــي وأجــــلادي فأنـــتَ محــــرّرِ
ويستعين الشاعر الآخر بالرمل ويقصد القبر والنساء حوله بعد أن عجز الطبيب .
يقول الشاعر :
وبالرمـــل منـــا نســـــوة لــــو شهدننـــــي بكيـــن وفديـــــن الطـــــــبيب المداويـــــا
ما تقدم يدل ان للمكان حضورا متميزا في الشعر العربي برمته فالشاعر ابن المكان وللمكان اشتراطات لا تحصى ولا يستطيع اي شاعر تجاوزها .