بدرخان السندي… المثقف الذي حمل همَّ الإنسان والكرد والوطن

محمد علي محيي الدين

في مدينة زاخو، عند تخوم الجبال والأنهار والحدود المفتوحة على الحكايات القديمة، وُلد الأديب والمفكر الكردي بدرخان السندي عام 1943، في بيئةٍ كانت تختزن إرثاً ثقافياً وإنسانياً عميقاً، وتعيش في الوقت نفسه قلق التحولات السياسية والاجتماعية التي مر بها العراق في القرن العشرين. ومنذ سنواته الأولى بدا مختلفاً عن أبناء جيله؛ شديد الميل إلى القراءة، متأملاً في سلوك الإنسان، باحثاً عن المعنى الكامن خلف الكلمات والأحداث، وكأن حياته ستتشكل منذ البداية على تقاطع الأدب وعلم النفس والقضية الإنسانية.

نشأ في كردستان العراق حيث كانت الثقافة الكردية تحاول أن تجد صوتها وسط التحديات السياسية واللغوية، فشبَّ وهو يشعر بأن الكلمة ليست ترفاً، بل مسؤولية. وكان يرى أن المثقف الحقيقي لا ينعزل عن قضايا مجتمعه، بل يشارك في الدفاع عن إنسانه وهويته وحقه في المعرفة والحرية. لهذا اختار أن يتجه نحو دراسة علم النفس في كلية التربية بجامعة بغداد، وتخرج فيها عام 1966، في مرحلة كان العراق يعيش فيها تحولات فكرية وسياسية حادة، الأمر الذي عمّق اهتمامه بفهم الإنسان العراقي والكردي من الداخل، لا بوصفه رقماً في المجتمع، بل كائناً يحمل أحلامه وآلامه وصراعاته النفسية.
بعد تخرجه، عمل مدرساً في التعليم الثانوي لسنوات عدة، لكنه لم يكتف بالتدريس التقليدي، بل كان يحاول أن يجعل من الصف مساحة للحوار والتفكير الحر. وكان يؤمن بأن التربية ليست تلقيناً للمعلومات، وإنما بناء للشخصية وتنمية للوعي النقدي. وفي تلك الفترة بدأت تتضح ملامح شخصيته الثقافية، فدخل عالم الصحافة والأدب والعمل الثقافي الكردي، وانتُخب عام 1970 رئيساً لاتحاد الأدباء الكرد في أربيل، وهو منصب يعكس حضوره المبكر في المشهد الثقافي الكردي.
لكن طموحه العلمي لم يتوقف عند حدود الدراسة الجامعية الأولى، فسافر إلى بريطانيا لمواصلة دراساته العليا، وهناك نال شهادة الدكتوراه من جامعة ويلز عام 1979 في اختصاص علم النفس. وفي سنوات غربته الأوروبية، لم ينشغل بالدراسة الأكاديمية وحدها، بل واصل اهتمامه بالإنسان وذوي الاحتياجات الخاصة، حتى تمكن من تسجيل براءة اختراع حملت الرقم 1087 عام 1977، تتعلق بطريقة وجهاز لتعليم المكفوفين القراءة والكتابة، في إنجاز يعكس حسه الإنساني ووعيه بأهمية العلم في خدمة الفئات المهمشة.
وعندما عاد إلى العراق، انخرط في الحياة الأكاديمية والثقافية بقوة، فعُين أستاذاً في جامعة بغداد، وأشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعات العراقية وجامعات كردستان، وترك أثراً واضحاً في أوساط طلبته الذين رأوا فيه أستاذاً مختلفاً يجمع بين المعرفة الأكاديمية والانفتاح الفكري. كما عمل باحثاً في المراكز النفسية، وساهم في تطوير الدراسات التربوية والنفسية، واضعاً خبرته العلمية في خدمة المجتمع.
وكان بدرخان السندي مؤمناً بأن الثقافة لا تنفصل عن الهوية، لذلك لعب دوراً بارزاً في الصحافة والنشر الكردي، فتولى رئاسة تحرير عدد من الصحف والمجلات الثقافية، منها “جيا” و”هاوكاري” و”بيان” و”رنكين” و”روشن بيري نوي”، كما شغل منصب المدير العام لدار الثقافة والنشر الكردية في بغداد بين عامي 1990 و1996. وخلال تلك السنوات، عمل على دعم الأدب الكردي وتشجيع حركة الترجمة والنشر، وإبراز الأصوات الثقافية الشابة، مؤمناً بأن النهضة الثقافية تبدأ من الكتاب والكلمة الحرة.
ولم يكن نشاطه مقتصراً على الجانب الثقافي، بل امتد إلى العمل الاستشاري والتربوي، فعمل مستشاراً في دائرة المناهج والكتب العراقية، ثم مستشاراً تربوياً في جامعة صلاح الدين بأربيل، كما تعاون مع منظمة اليونسيف في برامج تربوية وتعليمية تهدف إلى تطوير التعليم ورعاية الأطفال، واضعاً خبرته العلمية في خدمة القضايا الإنسانية والتنموية.
أما مؤلفاته، فقد تنوعت بين علم النفس والأدب والدراسات الاجتماعية والفكرية، وهو تنوع يكشف عن عقل موسوعي لا يحب الانغلاق في حقل واحد. ففي كتابه “طبيعة المجتمع الكردي في أدبه” حاول قراءة المجتمع الكردي من خلال نصوصه الأدبية، بينما تناول في “علم نفس الطفل” و”علم نفس النمو ومشكلات الطفولة” القضايا النفسية والتربوية بلغة علمية مبسطة. أما كتاب “تحليل المحتوى في الأدب والإعلام” فقد أظهر اهتمامه بالمناهج الحديثة في قراءة النصوص والخطاب الإعلامي.
وكان للقضية الكردية حضور واضح في مشروعه الفكري، إذ تناولها في أعمال مثل “أسطورة الكورد المغناة” و”الحكمة الكردية” و”المجتمع الكردي في المنظور الاستشرافي”، حيث حاول أن يربط بين التراث والواقع والمستقبل، وأن يقدم قراءة عقلانية لهوية المجتمع الكردي وتحدياته.
غير أن أكثر أعماله تأثيراً ربما كان ديوانه الشعري “عندما بكت الجبال” الصادر عام 2005، والذي تناول فيه مآسي عمليات الأنفال التي تعرض لها الكرد. ففي هذا العمل امتزجت لغة الشاعر بألم الإنسان، وتحولت الجبال إلى شاهدٍ حي على المأساة والوجع والذاكرة. لم يكن الشعر عنده مجرد كتابة جمالية، بل وسيلة للاحتفاظ بصوت الضحايا ومنح الألم معنى إنسانياً لا يضيع مع الزمن.
وقد دفع ثمن أفكاره ومواقفه غالياً، إذ اعتُقل عام 1996 بسبب نشاطه الفكري وتعاطفه مع القضية الكردية واتهامه بنشر الأفكار العلمانية، وصدر بحقه حكم بالإعدام قبل أن يُخفف إلى السجن المؤبد، ثم إلى ثماني سنوات في سجن أبو غريب. وكانت تلك التجربة القاسية واحدة من أكثر مراحل حياته إيلاماً، لكنها لم تكسر روحه أو إيمانه بالكلمة والفكر. فقد خرج من السجن أكثر تمسكاً بحرية الإنسان وحقه في التعبير والمعرفة.
وبعد عام 2003 عاد إلى العمل الثقافي والصحافي، فتولى رئاسة تحرير صحيفة “التآخي” منذ عام 2005، مواصلاً دوره في الدفاع عن الثقافة والحوار والتعددية، ومؤمناً بأن العراق لا يمكن أن ينهض إلا عبر الاعتراف بتنوعه واحترام إنسانه.
لقد كان بدرخان السندي واحداً من أولئك المثقفين الذين لم يفصلوا بين الفكر والحياة، بين الجامعة والشارع، بين العلم والقضية الإنسانية. جمع في شخصيته بين الأديب والأكاديمي والباحث والمربي، وظل طوال مسيرته مؤمناً بأن الثقافة الحقيقية هي التي تفتح أبواب الحرية وتمنح الإنسان القدرة على فهم نفسه والعالم من حوله.

قد يعجبك ايضا