حين يتحول الانغلاق الفكري إلى عائق

د. احمد العامري

من المؤسف أن ظاهرة الانغلاق الفكري لا تقتصر على البسطاء، بل تتسلل إلى كثير ممن يضعون أنفسهم في ميزان الرقي الثقافي. فترى من يمارس ثقافة مغلوطة تميل إلى التطرف، لا تقل قسوة عن جهل العامة، حتى وإن زُوّقت بعبارات منمقة وألبست ثوب المعرفة

هذه الحالة لا تنشأ من فراغ، بل لها جذور نفسية واجتماعية واضحة. فالثقافة بحد ذاتها لا تعني بالضرورة تفكيراً نقدياً. الشهادة تمنح صاحبها معلومات. لكنها لا تضمن له عقلاً يفرّق بين الحق والهوى كثيرون يجمعون المعرفة جمعاً، ثم يوظفونها للدفاع عن قناعة مسبقة لا للبحث عن الحقيقة، فيقعون في فخ التحيز التأكيدي. يسمعون ما يوافقهم ويتجاهلون ما يهدمه، ويظنون أنهم بذلك يدافعون عن الحق وهم في الحقيقة يدافعون عن ذواتهم.

وأخطر من ذلك أن تطغى الهوية على المنطق. عندما يصبح الانتماء الطائفي أو الحزبي أو العشائري جزءاً من “الأنا”، فإن أي نقد لهذا الانتماء يُفهم كاعتداء شخصي. فيتحول العقل من قاضٍ يبحث عن العدل إلى محامٍ يدافع عن الجماعة مهما كان الثمن. عندها لا يستغرب أن تجد من يتعاطف مع عدو أهله، أو يبرر خرافة واضحة، فقط ليُثبت لنفسه وللآخرين أنه على صواب في كل خطوة وكلمة وموقف.

وهنا يظهر دور الجهل المركّب، وهو أخطر أنواع الجهل حيث لا يدري الجاهل أنه جاهل. فيتكلم بثقة ويهاجم بحدة، ويرفض كل رأي مخالف باعتباره مؤامرة أو انحرافاً. هذه الثقة الزائفة غالباً ما تنشأ عند من قرأ قليلاً فظن أنه أحاط بكل شيء، فأغلق عقله على ما عنده وفي أحيان أخرى لا يكون الأمر قناعة بقدر ما هو مصلحة. فالترويج للخرافة أو تمجيد العدو قد يكون وسيلة لنفوذ أو جمهور أو منفعة، فيتحول العقل من أداة بحث عن الحقيقة إلى أداة براغماتية تخدم المصلحة الآنية، النتيجة على المجتمه

ستكون واضحة ومؤلمة. حين تتقدم هذه العقول المغلقة، يتراجع التعايش، وتتآكل الثقة بين الناس، وتُتخذ القرارات على أساس الولاء لا الكفاءة. فيضيع البلد فرص النهوض، ويبقى يدور في حلقة مفرغة من الأزمات التراجع ان النهوض لا يبدأ
لا يبدأ بخطاب حماسي ولا بشعار مرفوع، بل يبدأ بكسر هذا القفل الداخلي يبدأ حين يجرؤ الإنسان على قول “ربما أكون مخطئاً”، وحين تصبح المكانة مرتبطة بالكفاءة والمهنية لا بالضجيج والانتماء وإذا أردنا للبلد أن ينهض، فلا بد أن نكسر قفل الانغلاق الفكري ونُعيد المكان لأهله بالكفاءة والمهنية.

قد يعجبك ايضا