د . صباح ايليا القس
الشعر هو وجدان الفرد وبوساطته يكون الشعر تعبيرا صادقا عن هواجس المجتمع وافرازاته الاجتماعية من خير وشر , وكلما سعى الانسان نحو التطور قلت المنافرات الاجتماعية حتى نجد هذه الاشكالات قليلة في هذه الايام ويتبع تلك القلة ضعف شعر الهجاء إن لم نقل انه يكاد يختفي نهائيا لا سيما ان الهجاء من معطيات شعر العمود الذي تكاد تغيب عنه الشمس بعد أن سيطر شعر الحداثة باشكاله المتعددة على الحركة الشعرية .
لا يمكن ان نقول إلا أن الهجاء غرض شعري أصيل عرفته الاجيال الشعرية وسجله النقاد بوصفه مرادفا للمديح فمتى ذكر المديح في اغراض الشعر كان الهجاء صنوه المقابل , لكن الهجاء مهما بلغ لا يمكن أن يضاهي المدح في عدد القصائد والابيات فالناس بحاجة الى المدح والفخر اكثر من حاجتها الى الهجاء الذي لا يشتمل على النيل من الآخر واظهار الجانب السلبي في قبائلهم او شخصياتهم بل لا يتورع الشاعر الهاجي من استعمال أخس الاساليب والرذائل للنيل من المهجو .
يعتمد غرض الهجاء على استثمار القيم المتعارف عليها في المجتمع القديم كالكرم والشرف والاعراض والقبح والعورات والجبن وهو بذلك يكون بالضد من سمو الشمائل والتفاخر والشجاعة عند المدح .
قد يكون الهجاء فرديا يتقصد شخصا بذاته او يكون قبليا ويقصد قبيلة بذاتها وهذا هو ميدان العصبية القبيلة ونتاج الصراعات المعروفة بين القبائل اذ قد يكون شعر الهجاء مدخلا لحروب تجر الويلات على الجميع وربما لا يكون للشاعر يد في ذلك الا انه يندفع مسايرة لرأي القبيلة وعونا لها بوصفه المدافع الخطابي والاعلامي عن رأي القبيلة وقد يكون له دور في إضعاف الآخرين وحماسا لقومه عند المقابلة اذ تبدأ المقابلة بين شاعري القبيلتين ويحاول كل واحد منهم أن يعلي شأن قبيلته ويقلل من شأن القبيلة المقابلة وهكذا يفعل الشاعر الآخر فيشتد الحماس وترتفع ااسيوف والرماح وحينها ليس للموت من بأس .
وفي هذا المقام يقول الشاعر حسان بن ثابت :
لنــا فــي كــل يــــوم مـــن معـــــدٍّ قتــــــــال او سبــــــاب او هجـــــاء
فنحكـــم بالقوافـــي مــــن هجانـــا ونضـــــرب حيـــن تختلـــط الدمــــاء
هذان البيتان هما شاهدان واقعيان عن الكلام الذي سبق .
ولا يستطيع كل الشعراء النجاح في قول الهجاء لان الهجاء هو فن التقاط المثالب واعادة صياغتها شعراً وهذا يتطلب عينا ترى المساوئ وتضخمها وترى الفضائل وتقلل من شأنها لذلك لا نجد هجاء عند عدد من الشعراء الا أن يقول شيئا جميلا لان باب المثالب ليس في قاموسه مهما حاول واجتهد .
وخشية الهجاء يحاول القدماء ارضاء الضيف وتقديم المستطاع ما أمكن ذلك لان عدم الاعتناء بالضيف معناه الاضرار بالعائلة والقبيلة فالذي يكون ضيفا هنا اليوم سيكون غدا عند الغير وسينقل بخل هذه العائلة او القبيلة ويقلل من شأنها بين القبائل حيثما قادته قدمه .
وقد يكون الهجاء مقصورا على فرد معين لذلك يسعى الشاعر الى مبدأ القصدية فينال من المهجو بوصفه فردا ولا ينتقص حينها من القبيلة برمتها او يكون الهجاء قبليا فيكون الهجاء أقسى وأشد وقعا .
يقول سويد بن أبي كاهل وهو يعطي لسانه قوة السيف للتأثير في الآخرين :
ولسانــــــا صيرفيــــا صارمــــــا كحسـام السيــــف مـــا مــسّ قطـــع
ما أهول هذا اللسان وما أشد وقعه على الناس مثل هذا يجعل الناس تهاب الهجاء وتخشاه .
ويقول النابغة الذبياني في هجاء قبيلة عبس :
جــــزى اللـــه عبســـا فــي المواطــن كلهـــا جـــزاء الكـــــلاب العاويــــات وقــد فعـــل
ويقول سعد بن مالك في هجاء قبيلتي يشكر واللقاح :
بئــــــس الخلائـــــــف بعدنـــــــا اولاد يشكــــــــــــر واللقــــــــــاح
وخلاصة ما سبق فأن الهجاء هو ابن الواقع وابن البيئة وهو نتاج قريحة الشاعر المرتبطة بالوضع الاجتماعي فما نراه في الشعر الجاهلي من هجاء نراه بصيغة اخرى في العصر العباسي وما تلاه لان الاساليب تغيرت والعادات تبدلت وبهذا تختلف صياغات الشعراء انسجاما مع متطلبات تلك المرحلة .