سيكولوجية التطهير العرقي: قراءة في فاجعة 14 آب وتداعيات صراع الإدارات الموازية

هورين-حسن

جرح لا يندمل وتحول جذري

لم يكن التاريخ الإيزيدي في العراق سوى سلسلة من محاولات النفي والإقصاء، إلا أن يوم الرابع عشر من آب/أغسطس 2007 شكّل منعطفاً دموياً غيّر خارطة الوجع الإيزيدي في التاريخ الحديث.
في ذلك اليوم، تحولت بلدتا “تل عزير” (مجمع القحطانية) والجزيرة”سيبا شيخ خدر” في قضاء سنجار إلى ركام في غضون ثوانٍ معدودة، إثر هجوم منسق بأربع شاحنات مفخخة تحمل أطناناً من المواد المتفجرة.
أسفرت الفاجعة عن خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة، في عملية صُنفت كواحدة من أعنف الهجمات الإرهابية عالمياً وثاني أكبر هجوم من حيث عدد القتلى بعد أحداث 11 سبتمبر.
إن مجزرة عام 2007 لم تكن مجرد عمل إرهابي عابر، بل كانت المقدمة الهيكلية والأيديولوجية والجغرافية التي مهدت الطريق للإبادة الجماعية الشاملة عام 2014، وصولاً إلى واقع التنازع المستمر الذي يمنع استقرار القضاء حتى اليوم.
الفاتورة الدامية: إحصائيات وأرقام الفاجعة
حولت الأطنان المتفجرة من مادة (C4) البلدات الإيزيدية الآمنة إلى مقبرة جماعية مفتوحة، وتكشف الإحصائيات الرسمية الموثقة من قِبل الهلال الأحمر العراقي والمنظمات الإنسانية الدولية عن حجم الكارثة.
-الخسائر البشرية: تسجيل 796 شهيداً قضوا بشكل مباشر تحت الأنقاض وفي الشوارع.
-الإصابات والتشويه: إصابة 1562 جريحاً، غصت بهم مستشفيات سنجار والبعاج والموصل، وعانى المئات منهم من إعاقات دائمة وتشويهات جسيمة.
-الدمار الهيكلي: تدمير وجرف قرابة 1000 منزل سكني ومحل تجاري بالكامل، وتسوية حارات بأكملها بالأرض، نظراً لكون بيوت المنطقة مبنية من الطين والخرسانة البسيطة التي لم تتحمل القصف.
-التصنيف الدولي: أُدرجت هذه الهجمات المنسقة رسمياً في المرتبة الثانية ضمن قائمة أسوأ 25 تفجيراً إرهابياً دموياً في التاريخ الحديث.
السياق الجيوسياسي: العزلة والفراغ الأمني
وقعت سنجار وضواحيها ضحية لموقعها الجغرافي المعزول وتصنيفها الإداري ضمن “المناطق المتنازع عليها” المشمولة بالمادة 140 من الدستور العراقي.
هذا الوضع القانوني المعلق، خلق فجوة هائلة في الحوكمة والأمن؛ حيث تقاسمت بغداد وأربيل النفوذ السياسي دون وجود رؤية دفاعية حقيقية لحماية السكان.
وفي ذروة الاستقطاب الطائفي الذي شهده العراق بين عامي 2006 و2007، استغلت الجماعات التكفيرية (تنظيم القاعدة آنذاك) هذه الهشاشة الإدارية.
لقد تم استخدام الخطاب التحريضي وعزل المكون الإيزيدي ديموغرافياً واقتصادياً في محيطه، ممّا جعل قرى سنجار هدفاً رخواً ومكشوفاً عسكرياً أمام الاستهداف الممنهج.
الأثر البنيوي: تفكيك المجتمع والتأسيس لـ “سيكولوجية الخوف”
لم يقتصر أثر التفجيرات على الخسائر البشرية المهولة، بل امتد ليدمر البنية التحتية الهشة لبلدات كانت تعتمد بالأساس على اقتصاد زراعي ومعيشي بسيط.
سوّيت أحياء كاملة بالأرض، ومع غياب خطط الإعمار الحقيقية والتعويضات العادلة، بدأت ملامح “التهجير الصامت” تلوح في الأفق.
زرعت المجزرة سيكولوجية خوف دائم دفع بالعديد من الكفاءات والشباب الإيزيدي إلى التفكير بالهجرة الخارجية صوب أوروبا بحثاً عن الأمان.
هذا الاستنزاف الديموغرافي والنفسي أضعف من قدرة المجتمع المحلي على الصمود والمقاومة، ورسخ لديهم شعوراً مريراً بأنهم متروكون بلا غطاء دفاعي أو حماية مؤسساتية من القوى السياسية المهيمنة.
التحليل السببي: الرابط المباشر بين 2007 و2014
تُظهر القراءة التحليلية العميقة أن تفجيرات 2007 كانت بمثابة “بالون اختبار” وعملية استطلاع بالنار أجرتها التنظيمات الإرهابية لسبر أغوار المنطقة.
من خلال هذا الهجوم، تم اختبار جغرافية سنجار، وسرعة استجابة القوات الأمنية، ومدى تماسك الدفاعات المحلية.
والأهم من ذلك، أن المنظومة الفقهية والتكفيرية التي شرّعت دماء الإيزيديين واستباحت قراهم في القحطانية عام 2007، هي ذاتها الأيديولوجيا الإلغائية التي أعاد تنظيم داعش إنتاجها واستخدامها عام 2014 بآليات أكثر وحشية شملت السبي الشامل والقتل الجماعي.
إن إفلات الجناة من العقاب وغياب المحاسبة الدولية والمحلية الجادة عن مجزرة 2007 وفر بيئة خصبة وتواطؤاً ضمنياً لتكرار الكارثة على نطاق أوسع.
الامتداد المعاصر: من عواقب الإبادة إلى صراع الإدارات
إن مأساة سنجار لم تنتهِ بالقضاء على تنظيم داعش عسكرياً؛ بل تحولت الجغرافيا الإيزيدية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والمحلية.
يتقاطع هذا التحليل مع الرؤية السياسية التي طرحها رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، في مقابلته مع قناة “الشرقية نيوز” (ضمن برنامج مواجهة)، حيث وصف الوضع الراهن في سنجار بأنه “وضع استثنائي وغير طبيعي”. وشدد بارزاني على خطورة وجود قوى ومجاميع مسلحة خارجة عن القانون فرضت نفوذها عنوة على حساب سلطة الدولة الشرعية، معتبراً أن استمرار هذا التعدد العسكري يخلق إدارة موازية تعطّل عودة مئات الآلاف من النازحين الإيزيديين القابعين في المخيمات، ويحرم أهالي القضاء من بيئة أمنية مستقرة تُتيح إعادة الإعمار ونيل التعويضات العادلة.
خارطة طريق لإنقاذ جغرافيا سنجار وحماية الهوية الإيزيدية.
بناءً على التراكمات التاريخية والانسداد السياسي الحالي، لا يمكن تحقيق الاستقرار المستدام في سنجار دون تبني حزمة من التوصيات العاجلة على المستويات الأمنية، والسياسية، والاجتماعية.
-تفعيل اتفاقية سنجار فوراً: إلزام الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان بتطبيق البنود الأمنية والإدارية للاتفاقية الموقع عليها، وإخراج كافة الفصائل والجماعات المسلحة غير المحلية من القضاء.
-توحيد السلاح وحصر القرار الأمني: تسليم الملف الأمني الداخلي بشكل كامل إلى قوات الشرطة المحلية المكونة من أبناء المنطقة والتعاون العسكري المشترك، لإنهاء تعدد مراكز القرار وتصفية الحسابات الإقليمية.
-إنهاء ملف النزوح وتأمين العودة الطوعية: تفكيك العقبات الأمنية والإدارية التي تمنع عودة مئات الآلاف من النازحين الإيزيديين القابعين في المخيمات، وضمان عودتهم بكرامة وأمان إلى مناطقهم الأصلية.
-إطلاق صندوق إعمار وطني ودولي: تأسيس صندوق خاص ومستقل لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة في مجمعات القحطانية، وتل عزير، وسيبا شيخ خدر، وسنجار، وتحفيز الاستثمار الزراعي والمحلي في المنطقة.
-تحويل سنجار إلى محافظة مستقلة: تبني المقترح الاستراتيجي لربط الإعمار بالاستقلال الإداري وعزل الملف الخدمي لقضاء سنجار عن التجاذبات عبر تحويله إلى محافظة عراقية قائمة بذاتها لتسريع التعافي.
-التوثيق القانوني والاعتراف الدولي: حث البرلمان العراقي والمجتمع الدولي على تصنيف تفجيرات 14 آب 2007 كجزء لا يتجزأ من سلسلة جرائم الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين، وملاحقة المحرضين والمنفذين الفارين قضائياً.
-تشريع قانون تعويضات عادل ومنصف: تسريع وتفعيل آليات التعويض المادي والنفسي لضحايا عامي 2007 و2014، واعتبارهم شهداء ضمن القوانين النافذة لضمان حقوق عوائلهم ومستقبل أطفالهم.
-تحييد سنجار عن الصراعات السياسية: إنهاء تسييس الملف الإيزيدي واستغلال الجغرافيا السنجارية كورقة ضغط في الخلافات بين بغداد وأربيل، والتعامل مع القضية من منظور إنساني وأمني بحت.
“اتفاقية سنجار” كبوابة للعدالة الانتقالية
في المحصلة، لا يمكن فهم المعاناة الإيزيدية الراهنة بمعزل عن تراكمات عامي 2007 و2014.
وتظل الرؤية التحليلية والسياسية مجمعة على أن الخروج من هذا النفق يمر حتماً عبر تطبيق “اتفاقية سنجار” الموقعة بين بغداد وأربيل؛ لإخراج الفصائل المسلحة غير المحلية، وتسليم الملف الأمني للشرطة المحلية والتعاون المشترك.
إن إنصاف الضحايا لا يتحقق ببيانات الاستنكار السنوية، بل بإنهاء تسييس جغرافيا سنجار، وتحويل الوعود السياسية إلى خطوات ملموسة تعيد السيادة والأمان لهذا المكون الأصيل، وتضمن عدم تكرار فاجعة القحطانية والجزيرة بثوب جديد.

قد يعجبك ايضا