د. مؤيد عبد الستار
صدر في إيران كتاب الكاتبة الكوردية زهراء حسيني بعنوان (دا) اماه، والكلمة هي نداء الابناء لامهم، تقابل ماما في العربية، وهي مختصر دالكة او دايكه، استخدمته الكاتبة عنوانا لكتابها الذي ذاعت شهرته بايران وطبع أكثر من 15 طبعة وبألاف النسخ.
أقدم لمحة من الفصل الاول والثاني للكتاب بترجمة موجزة، لما للكتاب من اهمية كون السيدة زهراء حسيني كانت من اسرة كوردية تسكن البصرة وانتقلت بسبب الظروف السياسية الى إيران.
تروي زهراء حسيني خواطرها باللغة الفارسية، واختارت الكلمة الكوردية دا عنوانا لكتابها الذي حررته الكاتبة السيدة أعظم حسيني. ترجمة موجزة عن الفارسية للفصلين الاول والثاني بسبب نشاطه السياسي نادرا ما كان ابي يعود الى البيت، زياراته متباعدة، ولكن هذه المرة طالت غيبته. كنا نعيش في مدينة البصرة، نسكن حي الرباط على ضفاف دجلة، محلة محاطة بالبساتين والنخيل. كان الجيران يسألون امي عن والدي فتجيبهم انه يعمل في القرنة، وبسبب بعد المدينة فانه نادرا ما يزورنا. محلتنا فقيرة، لا كهرباء فيها، نستخدم (لالة) فانوس نفطي للإضاءة، بينما كان بيت عمي في محلة العشار يضاء بالمصابيح. حين نذهب إليهم نرى اسواق العشار والدكاكين مضاءة وكأن الليل نهارا. في مدينة البصرة كنت اتكلم العربية بطلاقة، كذلك كانت امي تجيد العربية، حين تتكلم بها لا أحد يعرف انها كوردية، حتى ملابسها كانت مثل الملابس العربية، ترتدي عصابة على الرأس وعباءة سوداء، ولكننا نناديها بالكلمة الكوردية – دا – وهي تقابل ماما العربية.

كان اغلب سكان محلتنا يعملون مثل والدي في صناعة وبيع اكياس الطحين (الكواني) او عمالا في الميناء. في البيت كانت والدتي تعد الطعام على البريمس – طباخ نفطي – كان طعاما لا يختلف عن الطعام المألوف في المنطقة، يتكون عادة من السمك الصبور ومرق البامية، احيانا كانت تردنا بعض المواد الغذائية هدية من الاقارب في إيران، مثل الترخينة والسمن الحيواني – دهن حر – فيكون طعامنا له نكهة عيلامية. والدي من مواليد عام 1947 م، يصغر امي بثلاث سنوات، كان يلعب رياضة الزورخانة بعد الصلاة، يلعب بالميل – اداة من خشب على شكل مخروطي – ويردد الاشعار الحماسية، وحينما كان يرد اسم الامام علي في الشعر يردد الصلوات بصوت مرتفع. بعد الصلاة كان يفتح الراديو، الراديو يفتح فقط حين يكون هو في المنزل، عدا ذلك لا أحد يقترب منه، كانت له زاوية خاصة. فيما بعد اشترى والدي راديو أكبر، كان يأخذ وقتا اطول حتى يبدأ البث، كان يقول: يجب ان تحمي لمباته.
طال غياب ابي عن البيت، وخضع بيتنا لمراقبة الامن السري، ثم جاءوا يسألون عن ابي، فألقوا القبض على عمي الذي كان يسكن جوارنا، طلبوا منه معلومات عن مكان ابي، فأخبرهم انه لا يعرف اي شيء عنه، أطلقوا سراحه بعد ايام قليلة، قال ان جميع الاحداث هي بسبب صدام، وان احمد حسن البكر لا يحكم، ليس بيده شيء، صدام شمر ابن شمر. كانت في بيتنا صورة للسيد محسن الحكيم مرسومة في صحن معلق على الجدار، اشار اليه بيده وقال ان صدام لم يرحم هذا السيد فكيف بنا نحن.
بعد ذلك علمنا ان ابي اعتقل في خانقين وهو مسجون هناك بتهمة التجسس لصالح إيران. كنت دائمة السؤال لامي: دا.. متى نرى بابا؟ ترد علي: انشوفه انشاء الله.
اخيرا في يوم ربيعي من عام 1968 م اخذتني امي مع اخي على لرؤية ابي. كان من عادة الناس السير على اقدامهم، ولكن لان المسافة بعيدة ركبنا السيارة. اول مرة اركب فيها السيارة، سيارة قديمة طويلة لونها مثل الماء، على غير عادتها كانت امي مضطربة، سألتها: نشوف بابا!! هزت رأسها بالإيجاب ولم تقل شيئا.

بعد ساعات وصلنا خانقين، توقفت السيارة امام بناية يحرس بابها حارسان مسلحان، دخلنا الى البناية، رأيت فيها غرفا تشبه الاقفاص. التقينا ابي بواحد من تلك الاقفاص، كانت هيئته قد تغيرت، أفزعني وضعه وحالته، لم أكن قد تجاوزت الخامسة من عمري يومذاك. لما رأت امي حالته المزرية اجهشت بالبكاء، ثم رفعتنا الى اعلى الحاجز الذي بينينا وبين ابي كي يرانا. قبلنا ابي. لما رأى ابي عدم ارتياحنا للموقف، قال لامي لماذا جئت بالأطفال؟ لم يكن يرغب ان نراه على هذه الحال. بعد هنيهة قال لامي، حاولي عدم البقاء هنا، اذهبي بالأطفال الى بلدنا. لم ينقطع بكائي حين عزمنا على فراق ابي، فهدأني ومسح بيده فوق رأسي وقال بالكوردية: نه كَريو دالكَه كم، لا تبكي يا امي.
بعد تلك الزيارة ظللت مشغولة البال، اتساءل: لماذا ابي هنا؟ لماذا هو في السجن؟ فهو ليس من الذين يرتكبون افعالا سيئة. واخيرا توصلت الى نتيجة مفادها ان ابي برئ، ولأنه محب للإمام علي زجوه في السجن.
فيما بعد ذهبت امي الى القنصل الايراني في البصرة، حسب وصية والدي، وطلبت الموافقة على انتقالنا الى إيران، كوننا في العراق من التبعية الايرانية، ولذلك كان سفرنا الى إيران سهلا دون عوائق. غادرنا البصرة الى إيران، وظلت ذكريات البصرة وبيتنا الجميل والجيران لا تفارق خيالي.