بين عواصم الجوار ومنبر “الشرقية”: رئيس إقليم كردستان يضع النقاط على الحروف في “معركة السيادة”

هورين حسن

تحمل المقابلات التلفزيونية للقادة والزعماء السياسيين في الأوقات الاستراتيجية الحرجة دلالات بنيوية تتجاوز حدود التصريحات العابرة، وتتحول في كثير من الأحيان إلى وثائق سياسية ومحددات استراتيجية تكشف عن ملامح المرحلة المقبلة وتعيد رسم توازنات القوى.
وفي هذا السياق، جاءت الإطلالة التلفزيونية الأخيرة لرئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، في برنامج “مواجهة” المشهود على شاشة قناة الشرقية الفضائية، لتقدم مادة تحليلية بالغة الأهمية والدقة.
إذ سلطت الضوء على التموضع الجيوسياسي للإقليم في خضم بيئة شرق أوسطية وداخلية شديدة التوتر والتعقيد، فارتكز الخطاب على ثنائية المرونة الدبلوماسية والحزم السيادي.
1- التوقيت الجيوسياسي وسياق الحراك الإقليمي المكثف:
لا يمكن قراءة مضامين المقابلة بمعزل عن توقيتها الزمني والجغرافي؛ حيث جاء اللقاء تتويجاً لجولات مكوكية إقليمية شديدة الزخم قادها بارزاني على مدى الأسابيع القليلة الماضية.
شملت هذه التحركات زيارة رسمية بارزة إلى طهران والمشاركة في مراسم العزاء الرسمية والاجتماع بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، تلتها زيارة إلى العاصمة القطرية الدوحة ولقاء الأمير تميم بن حمد، وإلى العاصمة السورية دمشق واجتماعه مع الرئيس السوري، أحمد الشرع.
هذا التقاطع الدبلوماسي الواسع منح تصريحات بارزاني عبر منبر الشرقية ثقلاً نوعياً استثنائياً، كونه يتحدث مدفوعاً بـ “أوراق القوة” والتفاهمات المباشرة مع الفاعلين الإقليميين.
ولم يقتصر الحراك على الجوار الإقليمي، بل توازى مع خطوط تواصل مستمرة مع الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الدولي؛ حيث بحث مستشارو رئيس الإقليم هذه التحركات مع مسؤولين بارزين في الإدارة الأمريكية كوزير الخارجية ماركو روبيو، للتأكيد على جهود أربيل في تعزيز السلام والاستقرار الإقليمي.
وبالتالي، تحول اللقاء من مجرد تعليق على أحداث محلية إلى قراءة شاملة لهندسة الاستقرار في المنطقة برمتها.
2-تفكيك مفهوم “معركة السيادة” وعقيدة “العراق أولاً”
في تفكيك عميق لمفهوم “معركة السيادة” الذي شكل النواة الصلبة للقاء، يظهر بوضوح أن رئاسة الإقليم تتبنى مفهوماً شمولياً وغير مجزأ للسيادة الوطنية.
لقد دشن بارزاني معادلة سياسية جديدة تعتمد على أن السيادة العراقية هي “كتلة صلبة واحدة لا تقبل التجزئة الجغرافية أو المكوناتية”، معتبراً أن قصف أربيل واستهداف منشآت إقليم كردستان ليس اعتداءً موجهاً لجهة دون أخرى، بل هو طعنة مباشرة في خاصرة الدولة العراقية وهيبتها الدولية قبل أي طرف آخر.
انطلق رئيس الإقليم من رؤية فلسفية تؤكد أن استقرار كردستان هو جزء لا يتجزأ من استقرار بغداد والعكس صحيح.
وجسّد شعار “العراق أولاً” كعقيدة أمنية وسياسية تهدف إلى إعادة هيكلة شكل العلاقة والدولة من الداخل. السيادة في منطق بارزاني تقتضي تحويل العراق من ساحة لتصفية حسابات القوى الإقليمية والمحاور المتصارعة، إلى شريك استراتيجي يمتلك إرادة مستقلة وقراراً سيادياً حراً ومحايداً يستطيع حماية حدوده ومصالحه دون الارتهان لأجندات خارجية.
3- الجرأة السياسية المطلقة: رفع الغطاء السياسي عن الفصائل المسلحة.
تجاوز اللقاء حدود الكلاسيكيات الدبلوماسية، وشهد قفزة نوعية في الجرأة السياسية والمكاشفة الصريحة عندما تم فتح ملف المجموعات المسلحة غير المنضبطة.
رفع نيجيرفان بارزاني الغطاء السياسي عن الفصائل المسلحة بشكل كامل وبلا قفازات، موجهاً نقدًا بنيوياً حاداً ومباشراً لتحركاتها العسكرية.
فقد وضع علامات استفهام كبرى حول الجدوى الاستراتيجية من قيام بعض الفصائل باستهداف دول الجوار والمنشآت الدولية بدون أي مبرر منطقي أو قانوني، متسائلاً باستنكار عما إذا كانت هذه الهجمات تخدم مصالح العراق أم تعزله وتتسبب في قطيعة دبلوماسية حادة مع الأشقاء والأصدقاء؟
وفي خطوة تحليلية ذكية تعكس حنكته السياسية، استخدم بارزاني استراتيجية “الفصل الهيكلي” لتفكيك المشهد الأمني؛ فميّز بوضوح تام بين هيئة الحشد الشعبي كمؤسسة رسمية تابعة للدولة يحترمها ويقدر تضحياتها، وبين الفصائل الخارجة عن القانون التي تتحرك في المساحات الرمادية وخارج نطاق القرار العام.
هذه الصراحة المتناهية وضعت تلك الجماعات في مواجهة مكشوفة وحرجة أمام الرأي العام العراقي، ونزعت عنها أي ذريعة سياسية أو وطنية لاستمرار حمل السلاح.
4-كواليس طهران وبغداد: تفاهمات حصر السلاح في يد الدولة
من أكثر مفاصل المقابلة إثارة للاهتمام السياسي والكاشفة لما وراء السطور، كان إعلان رئيس الإقليم عن فحوى محادثاته المباشرة مع القيادة الإيرانية في طهران بشأن الأمن الداخلي العراقي.
فجّر بارزاني مفاجأة سياسية معلناً أن المسؤولين الإيرانيين أبلغوه رسمياً وعلانية باستعداد الجمهورية الإسلامية التام لتقديم الدعم والمساندة للحكومة العراقية برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي في ملف “حصر السلاح بيد الدولة”.
وكشف بارزاني أن الإيرانيين طلبوا منه صراحة نقل رسالة واضحة المعالم إلى بغداد تؤكد أن استقرار العراق وسيادة مؤسساته تمثل مصلحة استراتيجية عليا وثابتة لطهران.
يكتسب هذا التصريح بعداً تحليلياً بالغ الأهمية؛ كونه يعيد ترتيب أوراق اللعبة الأمنية ويمنح الحكومة الاتحادية غطاءً إقليمياً حاسماً للمضي قدماً في ضبط الأمن الداخلي وحظر أي مظاهر مسلحة خارج النطاق الشرعي للمؤسسات الأمنية الرسمية، ممّا يضيق الخناق على الأطراف الرافضة للاندماج في جسد الدولة.
5- الخلاصة والاستشراف: الإنذار الأخير في مركب الدولة الواحدة.
لم تكن إطلالة نيجيرفان بارزاني عبر منبر “الشرقية” مجرد استعراض لمواقف سياسية آنية، بل كانت بمثابة قراءة عميقة لرجل دولة يدرك خطورة المنزلقات التاريخية.
لقد وضع رئيس الإقليم جميع الشركاء السياسيين أمام مسار إجباري ومكاشفة حتمية تتلخص في أن العراق بجميع مكوناته يعيش في “مركب واحد”؛ فإما الذهاب الشجاع والجاد نحو دولة المؤسسات، وحصر السلاح بيد القوات الشرعية، واستكمال العقد الفيدرالي القائم على الشراكة الحقيقية لا الهيمنة، أو الاستسلام لفوضى الفصائل المنفلتة التي ستقوض الكيان السياسي والاقتصادي للبلد وتدفع به إلى آتون صراع المحاور.
تثبت هذه القراءة التحليلية الشاملة أن إقليم كردستان بقيادته الحالية لا يتحرك بعقلية الانعزال أو النكوص، بل يطرح نفسه بقوة كـ بوصلة للأمان الاستراتيجي وصمام أمان دبلوماسي قادر على صياغة التوافقات الكبرى وحماية السيادة العراقية في واحدة من أكثر فترات الشرق الأوسط تعقيداً وخطورة.

قد يعجبك ايضا