من التحوّل بقناعة إلى التقلّب بمنفعة

ياسين الحديدي
كركوك

نموذج: من رئاسة الكتلة الكوردية إلى مهاجمة الإقليم

شاهد على زمن الحجل

كنا قد كتبنا في مقال سابق أن ثمة فرقاً جوهرياً بين التحوّل الذي تصنعه القناعة، والتقلّب الذي تفرضه المنفعة؛ وبين من يخدم فكرة يؤمن بها، ومن يتخذ من الأفكار سلّماً للوصول إلى المال والجاه والمناصب.

وما أثار استغرابي مؤخراً، كما أثار استغراب الشارع الكوردي والعراقي عموماً، هو ما يُنسب إلى النائبة السابقة آلا الطالباني، التي ترأست الكتلة الكوردية في مجلس النواب العراقي لثلاث دورات برلمانية متتالية.

فالطالباني، ابنة مدينة كركوك، تنتمي إلى عائلة كريمة كان لها دور بارز في الدفاع عن القضية الكوردية، وكان والدها من أبرز الموظفين الكورد في كركوك، وعُرف بالكفاءة والنزاهة. وهي أيضاً من القيادات المخضرمة في الاتحاد الوطني الكوردستاني. وقد عرفتها شخصياً عندما كانت موظفة في دائرة الطرق والجسور في كركوك، قبل انتقالها إلى السليمانية مطلع تسعينيات القرن الماضي.

بالأمس، كانت صوتاً كوردياً يدافع عن حقوق الكورد واستحقاقاتهم التي كانت، بحسب مواقفها آنذاك، لا تحظى بالإنصاف الكافي من الحكومة الاتحادية. أما اليوم، وبعد إعفائها وعدم ترشيحها مجدداً من قبل حزبها، فقد اتجهت، وفقاً لما هو متداول، نحو تحالفات سياسية عربية، وتشغل حالياً منصب مستشارة رئيس الوزراء لشؤون المرأة، لتطل عبر لقاء تلفزيوني باتهامات لحكومة إقليم كوردستان والحزب الديمقراطي الكوردستاني بسرقة النفط العراقي والاستحواذ على موارده.

واللافت أن هذه التصريحات قوبلت برد رسمي من وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كوردستان، التي فنّدتها ووصفتها بأنها «باطلة ومضللة وتفتقر إلى الحقائق»، مؤكدة أن حجم الإنتاج النفطي الحالي يبلغ 255 ألف برميل يومياً، وليس 650 ألف برميل، استناداً إلى بيانات شركة «وود ماكنزي»، المتعاقدة مع وزارة النفط الاتحادية نفسها.

كما أعلنت كتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في مجلس النواب، بتاريخ 29 تشرين الأول 2026، عزمها اتخاذ الإجراءات والمسارات القانونية كافة بحقها، رداً على ما وصفته بـ«الافتراءات والمغالطات».

وهنا نعود إلى السؤال الذي طرحناه في مقالنا السابق: هل نحن أمام تحوّل تصنعه القناعة، أي مراجعة فكرية حقيقية للمواقف والمسارات السياسية؟ أم أمام تقلّب تصنعه المنفعة، أي تبديل الأقنعة والمواقف والانتماءات بحثاً عن موقع أو منصب بعد فقدان الحاضنة الحزبية؟

إن الضمير ليس سلعة، والمبدأ ليس قميصاً يُخلع ويُرتدى وفق المصالح، والوطن، سواء أكان العراق الكبير أم البيت الكوردي، ليس ورقة سياسية تُباع لمن يدفع أكثر.

فحين كانت النائبة السابقة جزءاً من الكتلة الكوردية، كانت تدافع عن الإقليم واستحقاقاته، وحين أصبحت خارج إطارها الحزبي وتولت منصباً استشارياً في الحكومة الاتحادية، باتت تطلق الاتهامات بحقه. وهذا التباين في المواقف يطرح تساؤلات مشروعة عن دوافع التحوّل، ومدى ارتباطه بالقناعات السياسية أم بحسابات المصالح الشخصية.

فالسياسي الذي يغيّر مواقفه بتغيّر موقعه ومكاسبه، لا يخسر ثقة جمهوره فحسب، بل يعرّض رصيده السياسي والاجتماعي للتآكل، لأن الناس لا تقيس المواقف بالشعارات، وإنما بمدى ثباتها وصدقها واتساقها مع المبادئ.

وفي نهاية المطاف، قد تتبدل الأعلام، وتتغير الشعارات، وتتبدل المواقع والمناصب، لكن المواقف تبقى شاهدة على أصحابها، والتاريخ لا ينسى، والقانون يظل الفيصل في حسم الخلافات والاتهامات.

قد يعجبك ايضا
∧