إعداد وحوار: نبيل عبد الأمير الربيعي
تعد الأنظمة الصحية من أهم المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس مستوى تطور الدولة وكفاءة مؤسساتها ومدى اهتمامها بالإنسان وحقوقه الأساسية. فالصحة ليست مجرد مستشفيات وأجهزة طبية وأدوية، بل منظومة متكاملة تشمل الوقاية والتشخيص والعلاج والتأهيل والبحث العلمي والإدارة والتمويل. وفي ظل التفاوت الملحوظ بين واقع الخدمات الصحية في العراق والتجربة الصحية في ماليزيا، تبرز الحاجة إلى قراءة علمية ومهنية تتجاوز الانطباعات العامة، وتبحث في أسباب الاختلاف، وآليات تطوير المؤسسات الصحية، ومدى قدرة الدولة على ضمان العلاج لجميع المواطنين.
في هذا السياق، أجرينا يوم 5/11/2026 هذا الحوار مع الدكتور جعفر مكي الجباوي، اختصاصي علم الأمراض، لمناقشة واقع النظام الصحي العراقي ومقارنته بالتجربة الماليزية، والوقوف عند أبرز التحديات التي تواجه القطاع الصحي في العراق، والفرص المتاحة لتطويره وإصلاحه. وتكتسب هذه المقارنة أهمية خاصة من واقع تجربة الدكتور الجباوي المهنية، إذ عمل في المستشفيات الماليزية زهاء سبع سنوات، خلال المدة من عام 2010 ولغاية عام 2016، مما أتاح له الاطلاع عن قرب على طبيعة عمل المؤسسات الصحية الماليزية وآليات إدارتها ومستوى خدماتها الطبية.
– السؤال الأول: كيف تنظرون إلى واقع النظام الصحي في العراق مقارنة بالنظام الصحي في ماليزيا؟
– الدكتور جعفر الجباوي:
المقارنة بين النظامين الصحيين ينبغي أن تنطلق من طبيعة بناء المؤسسات الصحية وآليات إدارتها وتمويلها، وليس من عدد المستشفيات أو حجم الأبنية الطبية فقط. يعتمد العراق بصورة أساسية على وزارة الصحة في تقديم الخدمات العلاجية والوقائية، من خلال المستشفيات الحكومية ومراكز الرعاية الصحية الأولية، إلى جانب القطاع الخاص الذي توسع دوره خلال السنوات الماضية.
أما ماليزيا، فتعتمد نظاماً صحياً مزدوجاً يجمع بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص، مع وجود دعم حكومي واضح للخدمات الصحية المقدمة للمواطنين. والاختلاف الأساسي يكمن في مستوى التنظيم والتخطيط والتكامل بين المؤسسات، وفي قدرة النظام على توفير الخدمات بصورة متوازنة، مع استمرار وجود تحديات في كلا البلدين.
– السؤال الثاني: هل المشكلة الصحية في العراق مرتبطة بنقص الأموال أم بضعف الإدارة والتخطيط؟
– الدكتور جعفر الجباوي:
لا يمكن تفسير المشكلات الصحية بعامل واحد. فالتمويل مهم، لكنه لا يكفي إذا لم يقترن بإدارة علمية وتخطيط سليم ورقابة فعالة. قد تتوفر الأموال، لكن ضعف آليات التعاقد والتجهيز والتوزيع يؤدي إلى هدر الموارد، وقد تنشأ مؤسسات صحية من دون توفير الملاكات والأدوية والأجهزة اللازمة لتشغيلها بكفاءة. لذلك، فإن إصلاح القطاع الصحي العراقي يحتاج إلى مراجعة شاملة لآليات الإدارة والإنفاق وتوزيع الموارد، وربط التخصيصات المالية بمستوى الإنجاز وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
– السؤال الثالث: ما أهمية التمويل الصحي في ضمان حق المواطن بالعلاج؟
– الدكتور جعفر الجباوي:
التمويل الصحي يمثل أحد الأعمدة الأساسية لأي نظام صحي ناجح. فالمواطن لا ينبغي أن يتحمل وحده الأعباء المالية المترتبة على المرض، خصوصاً أصحاب الدخل المحدود والمتقاعدون والفئات الأكثر هشاشة. وتشير بيانات البنك الدولي لعام 2023 إلى أن المدفوعات المباشرة من جيوب الأسر شكلت نحو 53.98% من إجمالي الإنفاق الصحي في العراق، مقابل نحو 37.09% في ماليزيا. وهذه الأرقام تعكس تفاوتاً في مستوى تحمل الدولة والجهات الأخرى للتكاليف الصحية، وتؤكد أهمية تطوير نظام تمويل أكثر عدالة، يضمن حصول المواطن على العلاج دون أن يتحول المرض إلى أزمة اقتصادية للأسرة.
– السؤال الرابع: ما موقع الرعاية الصحية الأولية والوقاية في بناء النظام الصحي؟
– الدكتور جعفر الجباوي:
الرعاية الصحية الأولية تمثل الأساس الذي تقوم عليه المنظومة الصحية. فليس من المنطقي أن نركز على المستشفيات الكبرى والعمليات المعقدة، ونتجاهل الوقاية والكشف المبكر ومتابعة الأمراض المزمنة. إن المراكز الصحية يجب أن تؤدي دوراً فعالاً في التلقيح، ورعاية الأم والطفل، ومتابعة مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم، وإجراء الفحوصات الأولية، والتوعية الصحية. وتجربة ماليزيا تقدم دروساً مهمة في هذا المجال، إذ أعطت الرعاية الأولية مكانة واضحة ضمن مسارات الإصلاح الصحي.
أما في العراق، فإن تطوير القطاع الصحي يتطلب رؤية متكاملة لا تقتصر على زيادة عدد المستشفيات أو إنشاء المراكز الصحية، بل تمتد إلى تحسين نوعية الخدمات المقدمة للمواطنين، وتجهيز المراكز الصحية بالأجهزة الطبية والمختبرات الحديثة، وضمان توفير الأدوية، وتطوير كفاءة الملاكات الطبية والتمريضية من خلال التدريب المستمر. كما ينبغي تحديث نظام إحالة المرضى من مراكز الرعاية الأولية إلى المستشفيات التخصصية، بما يضمن سرعة التشخيص وجودة العلاج. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاستفادة من التجربة الماليزية في إدارة النظام الصحي، من خلال دراسة آليات نجاحها وتكييفها مع الواقع العراقي، ونقل خبراتها في التخطيط الصحي والتمويل والإدارة والتدريب والوقاية، بما يسهم في بناء نظام صحي عراقي أكثر كفاءة وعدالة، ويضع صحة المواطن وكرامته في مقدمة الأولويات.
– السؤال الخامس: بصفتكم اختصاصياً في علم الأمراض، ما أهمية المختبرات والتشخيص المرضي في تطوير الخدمات الصحية؟
– الدكتور جعفر الجباوي:
علم الأمراض يمثل أحد الأعمدة الأساسية للطب الحديث، لأنه يوفر الأساس العلمي لتشخيص العديد من الأمراض، ولا سيما الأورام والأمراض الالتهابية والمناعية وأمراض الدم. فالتشخيص المختبري والنسجي الدقيق يساعد الطبيب على اختيار العلاج المناسب، ويقلل احتمالات التشخيص الخاطئ أو التأخر في اكتشاف المرض. ومن الضروري أن تتوافر في المؤسسات الصحية مختبرات متطورة، وأجهزة حديثة، وكوادر متخصصة، مع اعتماد برامج ضبط الجودة والمعايير العلمية المعترف بها.
كما ينبغي الاهتمام بالتشخيص النسيجي والخلايا المرضية، وتطوير تقنيات التشخيص الجزيئي والاختبارات المتقدمة، وفقاً للاحتياجات والإمكانات المتاحة. إن الاستثمار في المختبرات ليس إنفاقاً ثانوياً، بل هو استثمار مباشر في دقة التشخيص وسلامة المريض وفاعلية العلاج.
– السؤال السادس: ما دور الكفاءات الطبية العراقية في تطوير القطاع الصحي؟ وهل تمثل هجرة الأطباء تحدياً حقيقياً؟
– الدكتور جعفر الجباوي:
يمتلك العراق رصيداً مهماً من الكفاءات الطبية والعلمية، وقد أثبت الأطباء العراقيون قدراتهم في مختلف التخصصات داخل البلاد وخارجها. لكن الحفاظ على هذه الكفاءات يتطلب توفير بيئة عمل مناسبة، وتأمين الأجهزة والمستلزمات، وإتاحة فرص التدريب والتطوير المهني، وتقدير الجهود العلمية والمهنية.
إن هجرة الكفاءات الطبية تمثل تحدياً عندما يفقد البلد خبرات يحتاج إليها في مستشفياته وجامعاته ومراكزه البحثية. ولا بد من إيجاد سياسات تشجع الأطباء على الاستمرار في العمل داخل العراق، وتفتح في الوقت نفسه قنوات للتعاون مع الخبرات العراقية في الخارج، ونقل المعرفة والتكنولوجيا والتجارب الطبية المتقدمة.
– السؤال السابع: كيف تقيمون دور التكنولوجيا والتحول الرقمي في المؤسسات الصحية؟
– الدكتور جعفر الجباوي:
أصبح التحول الرقمي ضرورة وليس ترفاً. فالسجل الطبي الإلكتروني يساعد على حفظ المعلومات الصحية للمريض ومتابعة تطور حالته، كما يسهل تبادل البيانات بين المستشفيات والمراكز الصحية. كذلك فإن أنظمة حجز المواعيد وإدارة الأدوية والمختبرات والمخزون الطبي تسهم في تقليل الهدر وتحسين مستوى الخدمة.
إن العراق بحاجة إلى منظومة معلومات صحية وطنية مترابطة، تعتمد معايير موحدة وتحافظ على سرية بيانات المرضى، وتساعد الإدارة الصحية على اتخاذ قرارات تستند إلى معلومات دقيقة.
– السؤال الثامن: ما أبرز الدروس التي يمكن للعراق الاستفادة منها في التجربة الماليزية؟
– الدكتور جعفر الجباوي:
يمكن الاستفادة من التجربة الماليزية في عدة مجالات، أهمها:
1- تطوير الرعاية الصحية الأولية وتعزيز دور الوقاية.
2- تحسين إدارة المستشفيات والمؤسسات الصحية.
3- بناء نظام تمويل صحي أكثر عدالة واستدامة.
4- تطوير المختبرات ومراكز التشخيص.
5- الاستثمار في التعليم الطبي والتدريب المستمر.
6- تنظيم العلاقة بين القطاعين الحكومي والخاص.
7- اعتماد التكنولوجيا والسجلات الطبية الإلكترونية.
8- تعزيز الرقابة على جودة الخدمات وسلامة المرضى.
لكن ينبغي التأكيد أن التجارب الصحية لا تنقل بصورة حرفية؛ فلكل دولة ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية. المطلوب هو دراسة التجربة الماليزية واستخلاص ما يتناسب مع احتياجات العراق وإمكاناته.
– السؤال التاسع: ما الإصلاحات التي ترونها ضرورية للنهوض بالنظام الصحي العراقي؟
– الدكتور جعفر الجباوي:
أعتقد أن الإصلاح ينبغي أن يكون شاملاً وتدريجياً، وأن يستند إلى استراتيجية وطنية بعيدة المدى، لا إلى قرارات متفرقة أو معالجات مؤقتة. ومن الضروري إعادة تقييم توزيع المؤسسات الصحية والكوادر الطبية بين المحافظات، وتطوير الخدمات التخصصية، وتأمين الأدوية والمستلزمات، وتحسين ظروف عمل الملاكات الصحية.
كما ينبغي تفعيل الرقابة والمساءلة، وضمان الشفافية في العقود والتجهيزات، والاهتمام بالبحث العلمي والتعليم الطبي، وتطوير التعاون بين الجامعات والمستشفيات. والأهم من ذلك كله أن يكون المواطن محور السياسة الصحية، وأن تقاس كفاءة المؤسسات بقدرتها على تقديم خدمة آمنة وعادلة وذات جودة، لا بعدد الأبنية والمشروعات المعلنة.
– السؤال العاشر: ما رسالتكم إلى صناع القرار والمواطن العراقي بشأن مستقبل الصحة في البلاد؟
– الدكتور جعفر الجباوي:
الصحة مسؤولية وطنية مشتركة، لكنها في المقام الأول مسؤولية الدولة ومؤسساتها. وعلى صناع القرار أن يدركوا أن الاستثمار في صحة الإنسان هو استثمار في مستقبل المجتمع كله. كما أن المواطن يحتاج إلى ثقافة صحية تقوم على الوقاية والفحص الدوري والالتزام بالإرشادات الطبية، وعدم اللجوء إلى المعلومات والعلاجات غير الموثوقة. إن بناء نظام صحي متطور يحتاج إلى تعاون المؤسسات الحكومية والجامعات والأطباء والقطاع الخاص والمجتمع، ضمن رؤية واضحة تحترم العلم والكفاءة وحقوق الإنسان.
– كلمة أخيرة: الصحة مرآة الدولة
إن الحوار مع الدكتور جعفر الجباوي يفتح باباً واسعاً للتفكير في طبيعة النظام الصحي الذي نطمح إليه في العراق. فالمقارنة مع ماليزيا ليست غاية بحد ذاتها، ولا تعني أن تجربتها خالية من المشكلات، وإنما هي فرصة لفهم كيفية بناء المؤسسات الصحية وتطويرها، والاستفادة من التجارب التي سبقتنا في بعض مجالات التنظيم والتمويل والرعاية الأولية.
إن العراق يمتلك أطباء وعلماء ومختصين ومؤسسات جامعية وموارد مالية تؤهله لبناء نظام صحي أكثر كفاءة وعدالة. لكن ذلك يتطلب إرادة إصلاحية حقيقية، وإدارة مهنية مستقلة عن المصالح الضيقة، وتخطيطاً علمياً طويل الأمد.
ويبقى السؤال الأهم: هل نريد مستشفيات كثيرة بأبنية كبيرة، أم نظاماً صحياً يستطيع فيه المواطن أن يحصل على التشخيص الصحيح والعلاج المناسب والدواء المتوفر، بصرف النظر عن دخله ومكان سكنه؟
فالصحة ليست امتيازاً تمنحه الدولة، بل حق دستوري وإنساني، وكرامة المواطن تبدأ من حقه في العلاج.