معادلة بين واشنطن وأربيل.. البرلمان وإعادة الشرعية لكردستان

گرميان صلاح الدين

إن الخطوة التي اتخذها إقليم كردستان لإعادة تفعيل البرلمان والاستعداد للمرحلة المقبلة تطرح معادلةً مفادها أن التغييرات التي تلت الانتخابات ستغير كيفية إدارة السياسة الخارجية الأمريكية مقارنةً بالحاضر والماضي. فخلال المرحلة الراهنة، يؤثر اختلال توازن القوى في واشنطن وبداية مرحلة سياسية جديدة يفقد فيها الجمهوريون السيطرة على المؤسسات التشريعية والرقابية تأثيراً عاجلاً ومباشراً على خريطة الأحداث في الشرق الأوسط.

كما أن بروز سلطة تحقيق جديدة في واشنطن أثار قلق الأطراف والشخصيات التي كانت تتحرك تحت ظلال قرارات إدارة ترامب؛ إذ إن فتح ملفات السياسة الأمريكية في سوريا، وتوضيح تورط بعض الشخصيات في منح سفارات سياسية أو تحويل المنطقة إلى مأوى للتطرف، سيعيد تغيير معادلة القوى في المنطقة بشكل مباشر. وفي خضم هذا التحول الإقليمي، تُعتبر خطوة إقليم كردستان لتفعيل البرلمان وإعادة ترتيب البيت الداخلي بمثابة استجابة استراتيجية استباقية للتغيرات القائمة. فالجاهزية السياسية والدستورية للإقليم في هذه المرحلة ليست مجرد شأن داخلي، بل هي أداة لتعزيز الموقف الكردي أمام واشنطن جديدة باتت فيها الأجهزة الرقابية أكثر صرامة وتقيّم ملف التحالفات بدقة متناهية.

من جهة أخرى، يوجه إعادة تفعيل البرلمان رسالة قوية عن الشرعية والاستقرار تحمي المنطقة من التغيرات والاضطرابات التي قد تنجم عن عجز بعض الأطراف الإقليمية أو مواجهة المبعوثين والمستشارين (اللوبيست) القدامى. وبهذا الشكل، ومن خلال توحيد بيته الداخلي وإعادة تفعيل مؤسساته الشرعية، لا يحمي إقليم كردستان نفسه من تداعيات المسؤولية والاضطرابات في سوريا والمنطقة فحسب، بل يظهر أيضاً كفاعل منظم ومستقر في نظر السلطات الجديدة في واشنطن، ويمتلك القدرة على بناء شراكة استراتيجية ومواجهة التغييرات القادمة.

يمكن تلخيص تحليل العلاقة بين التغييرات في واشنطن وخطوة إقليم كردستان لتفعيل البرلمان والاستعداد للمرحلة المقبلة في عدة أبعاد جيوسياسية واستراتيجية، أبرزها:

1. الانتقال من «السياسة الشخصية والمصطنعة» إلى «السياسة المؤسسية»

في واشنطن: يشير المقال إلى أن حقبة اتخاذ القرارات العاجلة عبر المبعوثين الشخصيين (مثل توم براك أو التغطية السياسية دون رقابة) ستواجه مساءلة من قبل الكونغرس. تعود واشنطن إلى نمط العمل المؤسسي حيث تخضع القرارات لتدقيق ومراقبة السلطة التشريعية.

في كردستان: تفعيل برلمان كردستان يحمل ذات الرسالة تماماً؛ إذ إن عهد التعامل عبر الشخصيات السياسية أو الاتفاقات غير المؤسسية قد انتهى. إن القوى الكبرى، ولا سيما واشنطن الجديدة، لا تتعامل إلا مع الأقاليم الكيانات التي تمتلك شرعية تشريعية ومؤسسات رسمية وفاعلة. ويُعد تفعيل البرلمان درعاً قانونياً ودبلوماسياً لإبعاد الإقليم عن الانخراط في اللعب غير الواضحة في المنطقة.

2. استقلالية الحكم والابتعاد عن تهم «التطرف والغموض الأمني»

في واشنطن: يوضح المقال أن ملف سوريا والدعم المقدم للمجموعات غير الواضحة (أو الجولاني واندلاع الاضطرابات) سيكون محل تحقيق في المستقبل، واحتمالية اندلاع الحرب من جديد قوية جداً؛ لأن الفاعلين الذين اعتمدوا فقط على المظلة المؤقتة يواجهون الآن خطر رفع الدعم عنهم.

في كردستان: يُظهر إقليم كردستان نفسه لواشنطن —عبر تفعيل البرلمان وإعادة الترتيب الداخلي— كـ «المنطقة الوحيدة المستقرة والديمقراطية والمناهضة للتطرف» في الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي تمتلئ فيه ملفات الأطراف الأخرى في سوريا والعراق بالغموض والعلاقات مع الجماعات المسلحة، يعبر كردستان من خلال مأسسة سلطاته عن جاهزيته ليكون شريكاً تنفيذاً وموثوقاً للولايات المتحدة للحفاظ على التوازن الأمني الإقليمي والدولي.

3. حماية الشرعية السياسية في مواجهة القرارات الصارمة لواشنطن الجديدة

في واشنطن: عندما يستحوذ الديمقراطيون أو الكونغرس الجديد على أدوات التحقيق، سينفذون مراجعة شاملة لكافة التحالفات والنفقات والمساعدات. والأطراف التي لا تمتلك أسساً ديمقراطية أو تعيش في فراغ قانوني ستفقد المزيد من نفوذها ومكانتها.

في كردستان: إن إعادة تحريك المؤسسة التشريعية (البرلمان) ليس مجرد خطوة داخلية، بل هو رد استباقي على مطالبات واشنطن والغرب التي تؤكد على سيادة القانون، الانتخابات، والشفافية. وهذا يحمي كردستان من الوقوع في خانة السلطات التي يتم تهميشها من قبل واشنطن بسبب غياب الشرعية المؤسسية.

4. الاستعداد والجاهزية لتغيرات الخريطة الإقليمية (سوريا والعراق)

في واشنطن: إن فتح ملفات السياسة الأمريكية في سوريا بهذا الشكل الحالي يعني إعادة صياغة موقف واشنطن تجاه مستقبل شمال شرق سوريا (روجآفا)، والوضع الكردي، والحدود العراقية السورية. ومن الناحية الجيوعسكرية، فإن مواجهة حرب حتمية تنتظرهم في المستقبل.

في كردستان: الإقليم الذي يمتلك برلماناً فاعلاً وحكومة شرعية تدعم قراراته يستطيع اتخاذ قرارات وطنية واستراتيجية بشكل أسرع وأكثر فاعلية تجاه أي تطورات في سوريا أو العراق والمنطقة.

إن الحزبية والنزاعات والفراغ القانوني الداخلي تجعل الكرد ضحية للتغييرات؛ لكن البرلمان الفاعل يتيح لكردستان الدخول بصوت واحد وبموقف قانوني قوي في مفاوضات المرحلة القادمة للمنطقة والمحافل الدولية.

وهنا، يعطي الوضع الدولي والجيوسياسي العالمي إنذاراً مفاده أن «المظلة الحامية الشخصية والغامضة في واشنطن قد انتهت، وحان وقت المساءلة». إن رد كردستان على هذا الواقع الجديد في المنطقة يتمثل في إعادة تفعيل البرلمان وإعادة تنظيم بيته الداخلي؛ لكي يستند إلى المؤسسات الشرعية والقانونية بدلاً من الاعتماد على الأشخاص، وليكون جاهزاً كقلعة مستقرة في منطقة معقدة لمواجهة أي سيناريو جديد للسياسة الخارجية الأمريكية، وليكون في الوقت نفسه درعاً لبقاء الكرد في موجة التغيرات التي يحتاج كردستان لأن يكون له دور ومكانة فيها.

قد يعجبك ايضا
∧