رشيد فتحي محمد علي
انجرار شلّة من اليزيديين المأجورين، ومعهم آخرون ممن تآمروا على الإقليم، وتقف خلفهم جهات معادية للقضية الكردية، يُعدّ عارًا عليهم واستهتارًا بمصير سنجار. فالمال والمكاسب قد أعمت بصيرة هذه الشلّة، وجعلتهم يغفلون عن مستقبلهم المجهول، وينساقون إلى مهالك مظلمة، غير مدركين لما يُحاك في الخفاء من صراعات إقليمية على هذه المناطق. إنهم يؤدّون دور أبي رغال العربي، الذي كان دليلًا لهولاكو في سقوط بغداد.
إن انفصال سنجار عن الإقليم يعني السير بها نحو الهاوية والمتاهات المهلكة، وذلك نتيجة انقطاعها عن حاضنتها وملاذها الاستراتيجي الآمن على المدى البعيد. فالقرى المجاورة لها كانت حاضنة لتنظيم داعش، وهناك من ساند التنظيم في احتلال سنجار واستباحة أرواح أهلها ودمائهم، وهتك أعراضهم، وتشريد مئات الآلاف من المواطنين. وذلك في عام ٢٠١٤
أما حجة تخلّي البيشمركة عنهم، فهي افتراء باطل وكذب صريح؛ لأن العراق وسوريا لم يتمكّنا من مواجهة تنظيم داعش وإيقاف تمدّده، إذ احتلّ التنظيم ثلث أراضي البلدين. وكانت هناك أربع فرق عسكرية مزوّدة بأحدث الأسلحة في الموصل، لكنها لم تتحرّك لمواجهته، بل استسلمت وسلّمت أسلحتها لهؤلاء الإرهابيين. فكيف كان يُتوقّع من قوات البيشمركة الكردية، المحدودة عددًا وعدّةً، أن تقاوم تلك الموجة الشرسة؟
ثم إن أهالي سنجار كانوا يمتلكون أسلحة، وكان لديهم أكثر من ألف مقاتل يتقاضون رواتب، ومع ذلك لم يبذلوا جهدًا كافيًا للدفاع عن مدينتهم. وفي إحدى المقابلات التلفزيونية، قال أحد المواطنين إن الإرهابيين دخلوا داره وأخذوا أمواله وأهله، بينما كان هو يختبئ في إحدى زوايا المنزل، ولم يضحِّ بنفسه من أجل حماية عائلته. وهذا مثال على ما كان عليه حال بعض أهالي سنجار، الذين كانوا يمتلكون ربما آلاف القطع من الأسلحة.
وبعد وقوع الكارثة، أُعِدّت قوات البيشمركة ودُرّبت وزُوّدت بالأسلحة، وسُخّرت لها جميع الإمكانات المادية، وذلك بإشراف القيادات العليا، وعلى رأسهم الرئيس مسعود البارزاني. وقد بُذلت كل الجهود وهيِّئت جميع المستلزمات، حتى تمكّنت القوات من محاصرة داعش داخل سنجار، ثم تحريرها من التنظيم، وقدّمت البيشمركة خيرة مقاتليها، وسقط منهم ٥٠٠ شهيد وأكثر من ألف جريح.
كما أن أهالي الإقليم احتضنوا إخوتهم الكرد الإيزيديين، وفتحوا لهم أبواب مدارسهم وحتى مساجدهم، وقدّموا لهم كل ما كانوا يحتاجون إليه، وأدّوا واجبهم القومي والأخوي. وفي المقابل، التزمت الحكومة الاتحادية الصمت، واكتفت بمراقبة الموقف، بل إن هناك من كان يؤيد ذلك العمل الشنيع.
لذا، فإن الحشد الشعبي وقياداته يهدفون، بحسب هذا الطرح، إلى فتح ممر لإيران نحو سوريا لتنفيذ مخططاتها، كما يسعى الشوفينيون في بغداد إلى إعادة تعريب سنجار من خلال هذه المجموعة المرتزقة.
أما الدول الإقليمية الأخرى، فتريد بأن تجعل من سنجار موطئ قدم لتنفيذ أطماعها التوسعية. وهكذا، فإن جميع هذه الصراعات والتحركات تستهدف الكرد وقضيتهم.
وبعد نجاح هذه المخططات، سيُعزل سنجار عن الإقليم، وسيشتد التآمر عليها، من خلال شنّ مزيد من الحملات على أهلها بهدف تغيير قوميتهم، بل وحتى عقيدتهم، نتيجة انفصالهم عن كردستان وفقدانهم عمقهم الأمني وملاذهم الاستراتيجي.
فكفى خيانةً للضمائر، واتجارًا بمصير الأبرياء من أجل مصالح الأعداء والحصول على مكاسب غير مشروعة. وكونوا على يقين بأن انفصالكم عن كردستان قد يقودكم إلى مصير مشابه لمصير عشيرتي المحمودية والدومبلي، اللتين أصبحتا تركيتين في أذربيجان، وفقدتا دينهما، وكما حدث في القرن الخامس عشر
إنكم في كردستان أحرار، وتتمتعون بكامل حقوقكم الدينية والقومية، وتمارسون طقوسكم وتحافظون على تراث أجدادكم، شأنكم شأن بقية الكرد من المسلمين والمسيحيين وغيرهم، بكل حرية وكرامة. لذا، عودوا إلى رشدكم، ولا تفقدوا المكاسب والصلات والروابط التاريخية التي تربطكم بوطنكم الكبير، كردستان؛ فلن تحصدوا من الانفصال إلا الخذلان والخسران.
أما الذين لجؤوا إلى الخارج، فمع مرور الزمن قد تتخلّى الأجيال القادمة من أبنائهم عن قوميتهم وعقيدتهم وتراثهم وقيمهم الاجتماعية الأصيلة، نتيجة ترك الوطن والابتعاد عنه.
فالإيزيدية ديانة، والقومية الكردية قومية، كما هو الحال لدى شعوب وأمم أخرى. فعلى سبيل المثال، في الهند قومية واحدة تضم أتباع ديانات عديدة، وكذلك في أمريكا وأوروبا توجد مجتمعات متعددة الأديان ضمن دول وشعوب مختلفة.
وليكن الإنسان، مهما كانت قوميته أو عقيدته، أصيلًا وشريفًا ومخلصًا لمبادئه. ومثال ذلك الأسير الألماني في إنجلترا، عندما طلبوا منه تقديم معلومات عن الجيش الألماني، فرفض التعاون معهم على حساب وطنه، وقال: «إنني هربت من هتلر، لكنني لن أخون وطني». فكان مصيره الإعدام.