خوشناف سليمان
ما يقوم به بافل طالباني تجاه الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي)، كلما خطا خطوة باتجاه تفعيل مؤسسات الإقليم وخدمة مصالح كردستان وشعبها نشب خلاف سياسي أو اختلاف في وجهات النظر. بل سلوك يكشف عن أزمة عميقة في فهم معنى القيادة والمسؤولية القومية.
يبدو أن بافل تائه بين مفهوم قيادة مجتمع وصيانة مصالح شعب. وبين عقلية إدارة النفوذ الحزبي وكأن كردستان ملكية خاصة يتقاسمها أصحاب المصالح. فالقائد الحقيقي هو من يحمي شعبه من الحروب. ويصون مكتسباته. ويعمل على تطوير مؤسساته واقتصاده. لا من يدفعه مجدداً نحو الانقسام والاقتتال.
ما المصلحة من مقاطعة جلسة البرلمان. ورفض الاعتراف بنتائجها. ثم التهديد بتشكيل حكومة ومؤسسات موازية لحكومة الإقليم؟ ولمصلحة من يجري التلويح بالانفراد بقرار السليمانية والاندماج مع بغداد خارج إطار الموقف الكردستاني الموحد. على نحو يثير مخاوف من إعادة إنتاج سيناريوهات شهدنا ملامحها في روج آفا. وسط دعم من PKK وتأييد بعض القوى السياسية في بغداد؟
إن إعادة إنتاج إدارتين متوازيتين داخل إقليم واحد ليست مناورة سياسية بل هي مغامرة خطيرة قد تعيد كردستان إلى زمن الحرب الأهلية. ذلك الزمن الأسود الذي دفع فيه الكرد ثمناً باهظاً من دماء أبنائهم ودمار مدنهم وضياع فرص تاريخية. كنا نظن أن ذلك الزمن قد ولى وانتهى. وأن دروس الاقتتال الأخوي أصبحت جزءاً من الذاكرة التي لا يجوز تكرارها.
لكن يبدو أن المصلحة الحزبية لدى البعض أصبحت أسبق من مصلحة كردستان وشعبها. وأن الحفاظ على النفوذ والمواقع أهم من حماية التجربة الكردستانية نفسها.
إن تقسيم القرار الكردي لن يخدم سوى خصوم الكرد. فسيجدون أنفسهم أمام طرفين متنازعين بدلاً من موقف موحد وقوي. وستجد تركيا وإيران مجالاً أوسع للتدخل والضغط وفرض الإملاءات على مراكز القرار. بينما ستتعامل القوى الدولية مع إقليم فاقد لوحدة الموقف والقدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة. أما المواطن الكردي. فسيكون كالعادة الخاسر الأكبر. وسيدفع ثمن مغامرات السياسيين من أمنه واستقراره ودماء أبنائه. ثم لن يبقى لنا سوى ترديد شعار: ( شهيد نامرن )
إن كردستان أكبر من البارتي واليكتي. وأكبر من حسابات الأحزاب ومشاريعها السلطوية. والاختلاف السياسي حق مشروع. لكن تحويله إلى تهديد لوحدة الإقليم ومؤسساته خط أحمر.
ومن هنا. فإننا نأمل من الرئيس مسعود بارزاني. بما يمتلكه من رصيد تاريخي ونضالي وسياسي. وبما يمثله من ثقل في المعادلة الكردستانية. أن يواصل العمل على حماية مؤسسات الإقليم. وإعادة تفعيل البرلمان. وإبقاء أبواب الحوار مفتوحة أمام الاتحاد الوطني. دون التفريط بالحقوق الدستورية أو السماح بإعادة إنتاج إدارتين متوازيتين أو تقسيم الإقليم إدارياً وأمنياً.
لقد دفع شعب كردستان ما يكفي من الدماء كي لا يعود إلى الاقتتال الداخلي. وليس من حق أي قيادة حزبية أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء من أجل الحفاظ على كرسي أو توسيع نفوذ.
كردستان تحتاج إلى رجال دولة. لا إلى أمراء صراعات حزبية. تحتاج إلى قيادة تحمي شعبها وتوحد صفوفه. لا إلى من يضع مستقبل أجياله رهينة لحساباته الضيقة.