حين يحسب السياسي مكاسبه… ويحسب الناخب خسائره

محمد علي الحيدري
واشنطن

كشفت نتائج الانتخابات الأميركية عن فجوة تتكرر كلما طال بقاء السياسي في السلطة: ما يراه إنجازاً قد لا يراه الناخب كذلك، وما يعدّه ثمناً مقبولاً لسياساته قد يكون، بالنسبة إلى المواطن، عبئاً لم يعد يستطيع احتماله. وفي هذه المسافة بين رواية الحكم وتجربة الناس، تتبدل الولاءات وتُحسم انتخابات.

خاض ترامب والجمهوريون المعركة وهم يدافعون عن خياراتهم بوصفها تعبيراً عن القوة وحماية المصالح الأميركية. لكن استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الكونغرس أظهرت أن هذا الخطاب لم يعد كافياً لإقناع قطاعات حاسمة من الناخبين. فالسياسي يستطيع أن يشرح طويلاً لماذا اتخذ قراره، فيما يسأل المواطن عمّا أحدثه ذلك القرار في حياته.

هنا يختلف معيار الطرفين. يقيس السياسي نجاحه بقدرته على فرض إرادته، وتمرير أجندته، وإرباك خصومه، والظهور بمظهر القائد الذي لا يتراجع. أما الناخب فيختبر هذه القوة عند دفع الإيجار، وشراء الغذاء، وتعبئة الوقود، والاطمئنان إلى عمله ومستقبل أسرته. وقد يعجب بصلابة الرئيس، ثم يصوّت ضد حزبه حين يكتشف أن نصيبه من تلك الصلابة هو ارتفاع الفاتورة.

وهذا لا يجعل الناخب أسير مصلحته الضيقة، كما قد توحي بعض القراءات المتعالية. فالقدرة على العيش بكرامة هي أحد أهم اختبارات السياسة. وحين تطلب السلطة من الناس تحمّل التضحيات، يصبح من حقهم أن يسألوا عن ضرورتها، وعدالة توزيعها، والمدة التي ستستغرقها، والنتيجة التي ستنتهي إليها. لا يكفي أن تعلن القيادة أن الثمن يستحق؛ عليها أن تقنع الذين يدفعونه.

وقد بدت الحرب مع إيران مثالاً واضحاً على اختلاف الميزانين. تستطيع الإدارة تقديمها باعتبارها ضرورة استراتيجية، لكن المواطن الذي تصله آثارها عبر أسعار الطاقة والسلع يضمّ هذه الكلفة إلى حسابه الانتخابي. وليس ضرورياً أن يتبنى موقفاً مؤيداً لإيران حتى يرفض الحرب، أو أن ينكر المخاوف الأمنية حتى يعترض على طريقة معالجتها. إنه يطالب بإثبات أن القرار جعل بلاده أكثر أمناً، وأن كلفته قابلة للاحتمال.

مع ذلك، فإن اختزال النتائج في الحرب وحدها يكرر خطأ السياسي الذي يختار من الواقع ما يخدم تفسيره. فالغلاء، والقلق الاقتصادي، وشبهات الفساد، وطريقة ممارسة السلطة، والثقة بالمؤسسات، تتداخل في قرار التصويت. وقد يعجز المواطن عن فصل أثر كل عامل، لكنه يستطيع أن يصل إلى حكم عام: الاتجاه الذي تسير فيه البلاد لا يطمئنني، وأريد تغييره.

ومن هنا تبرز دلالة أخرى للنتائج: الناخب الذي يمنح حزباً صوته لا يسلّمه ملكية ذلك الصوت. فانتقال قطاعات من تأييد ترامب إلى التصويت ضد الجمهوريين يكشف حدود التعامل مع الجمهور بوصفه كتلة مضمونة. ما جرى في انتخابات سابقة كان تفويضاً مشروطاً بوعد، وعندما لا يلمس الناخب تحقق الوعد، يعيد النظر في التفويض.

هذه النقطة يصعب على السياسي شديد الاعتداد بشعبيته استيعابها. فهو يميل إلى تفسير التأييد باعتباره ثقة بشخصه، ثم يفسر التراجع باعتباره فشلاً في شرح إنجازاته أو نجاحاً لخصومه في تضليل الجمهور. وقد يكون لبعض ذلك نصيب من الحقيقة، لكن السؤال الأصعب يبقى: هل أخفقت الرسالة، أم أخفقت السياسة التي تحملها؟ فليس كل غضب شعبي مشكلة إعلامية، ولا تعالج التجربة المعيشية القاسية بخطاب أكثر حماسة.

وفي المقابل، ينبغي ألا يقرأ الديمقراطيون انتصارهم باعتباره قبولاً شاملاً بمشروعهم. التصويت لمعاقبة الحاكم أوسع أحياناً من التصويت اقتناعاً بالبديل. لقد حصلوا على فرصة لتمثيل الاعتراض ومراقبة السلطة، وسيكون عليهم أن يثبتوا قدرتهم على تحويل ذلك إلى نتائج. فإذا انشغلوا بتصفية الحسابات، فيما ظلت أعباء الحياة تتفاقم، فسوف تنشأ بينهم وبين ناخبيهم الفجوة نفسها.

كذلك لا تمنح هذه الانتخابات الناخب صفة العصمة. فقد يتأثر بالدعاية، ويحمّل السلطة مسؤولية ما لا تملك التحكم الكامل فيه، ويطالب بنتائج أسرع مما تسمح به الوقائع. لكن قيمة الانتخابات أنها تتيح تصحيح الاختيار، وتمنع السياسي من تحويل أعذاره إلى حق دائم في البقاء. ومن واجب القيادة أن تشرح التعقيد بصدق، لا أن تستخدمه لإعفاء نفسها من المحاسبة.

الدرس الأعمق أن السياسي والناخب قد يستخدمان الكلمات نفسها ويقصدان بها أشياء مختلفة. يتحدث السياسي عن الأمن وهو ينظر إلى خرائط النفوذ، ويتحدث المواطن عنه وهو يفكر في استقرار بيته. ويتحدث الأول عن قوة الاقتصاد، بينما يبحث الثاني عن أثرها في دخله. وتبدأ أزمة الحكم حين تتوقف السلطة عن وصل المعنيين، وتطالب الناس بالتصفيق لأرقام وانتصارات لا يجدون لها مكاناً في حياتهم.

لقد أعادت الانتخابات الأميركية طرح سؤال بسيط وثقيل على كل من يتولى السلطة: ما قيمة نجاحك السياسي إذا كان الذين تحكم باسمهم يشعرون بأن حياتهم تزداد صعوبة؟

في النهاية، يدخل السياسي الانتخابات حاملاً روايته عمّا أنجز، ويدخلها الناخب حاملاً تجربته عمّا عاش. وحين تتعارض الروايتان، تكون الكلمة في الصندوق لمن دفع الثمن.

قد يعجبك ايضا
∧