نجاح هيفو
ليست عظمة الأوطان بما تمتلكه من ثروات وإمكانات فحسب، بل بما تؤسسه من قيم، وما تمنحه لأبنائها من حقوق وفرص للمشاركة والشعور بالانتماء. ومن هذا المنطلق، تبرز تجربة برلمان إقليم كوردستان بوصفها مشهداً سياسياً ومؤسساتياً يحمل دلالات مهمة عن التعددية والشراكة الوطنية والتعايش بين مختلف المكوّنات.
إن وجود ڤالا فريد على رأس البرلمان، ورامي نوري نائباً للرئيس من المكوّن المسيحي، ومونا قهوجي سكرتيرةً للبرلمان من المكوّن التركماني، ليس مجرد توزيع للمواقع والمسؤوليات، بل هو صورة تعبّر عن حضور التنوع القومي والديني داخل مؤسسة تشريعية واحدة. وهي رسالة تؤكد أن المشاركة في إدارة المؤسسات والعمل العام يجب أن تكون متاحة لجميع أبناء الإقليم، بعيداً عن الحواجز والانقسامات.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها تضع التعددية أمام اختبار الممارسة العملية؛ فالتعايش الحقيقي لا يُقاس بالشعارات والخطابات، وإنما بمدى حضور المكوّنات في المؤسسات، واحترام خصوصياتها، وضمان مشاركتها في المسؤوليات الوطنية.
وفي هذا السياق، يبرز دور الحكومة ورئيسها مسرور بارزاني في مواصلة العمل على ترسيخ الاستقرار المؤسسي، وتعزيز ثقافة الشراكة، وتهيئة الظروف التي تسمح لمختلف المكوّنات بالمشاركة في إدارة شؤون الإقليم والمساهمة في رسم مستقبله. فبناء المؤسسات لا يتحقق بجهد جهة واحدة، بل يحتاج إلى تعاون البرلمان والحكومة والقوى السياسية والمجتمع بمختلف أطيافه.
إن العلاقة بين البرلمان والحكومة تمثل ركيزة أساسية في الحياة السياسية؛ فالبرلمان يمارس دوره التشريعي والرقابي، والحكومة تتحمل مسؤولية الإدارة والتنفيذ وتقديم الخدمات. وكلما تكاملت الأدوار في إطار من المسؤولية واحترام المؤسسات، ازدادت فرص الاستقرار والتقدم.
إن ما يميز مجتمع كوردستان هو غناه بتنوعه؛ فالكورد والتركمان والمسيحيون والعرب وسائر المكوّنات يشكلون جزءاً من نسيجه الاجتماعي والثقافي. وهذا التنوع ينبغي أن يكون مصدر قوة واعتزاز، لا سبباً للانقسام أو التنافس السلبي.
ومن هنا، فإن الرسالة التي تحملها تجربة رئاسة البرلمان بتعدد مكوّناتها، إلى جانب مسؤولية الحكومة في دعم الشراكة، تتجاوز حدود السياسة والإدارة، لتصل إلى معنى أعمق: أن الوطن الحقيقي هو الذي يجد فيه كل مواطن مكانه، ويحظى فيه كل مكوّن بالاحترام والتقدير، ويشعر الجميع بأنهم شركاء في الحاضر والمستقبل.
كوردستان ليست مجرد أرض تجمع المكوّنات، بل مشروع وطن يقوم على الاعتراف بالتنوع، واحترام الإنسان، وتكامل المسؤوليات.
إنها تجربة تستحق المتابعة والتطوير، ورسالة بأن قوة الإقليم واستقراره يرتبطان بمدى قدرته على تحويل التعددية إلى شراكة حقيقية، والشراكة إلى عمل مؤسسي، والعمل المؤسسي إلى مستقبل أفضل لجميع أبنائه.
تحية لكل جهد يسعى إلى ترسيخ التعايش، وتعزيز المشاركة، وبناء كوردستان التي يشعر فيها الجميع أنهم أصحاب وطن واحد ومستقبل مشترك.