فينوس بابان
في اللحظات التي تتصدع فيها جدران التوافق التقليدي، تقف الكيانات السياسية أمام امتحانيْن هائلين: إما الانزلاق نحو شلل هيكلي يهدد الوجود المؤسسي، أو المضي في مسارات إجرائية جريئة قد تفتح الباب أمام استقطاب حاد، إن خطوة تفعيل برلمان إقليم كوردستان لم تكن مجرد حدث تشريعي عابر بل هي نقطة تحول كبرى تختبر متانة البنيان الدستوري للإقليم بموجب دستور جمهورية العراق لسنة 2005 وبين من يرى فيها طوق نجاة لمنع الفراغ ومن يراها كسراً لأعراف الشراكة يتطلب الموقف قراءة رصينة ومجردة من العاطفة تستند حصراً إلى روح النصوص الدستورية والفلسفة السياسية.
تشير الحقائق الدستورية والسياسية إلى أن تعطيل المؤسسات التشريعية لأشهر طويلة يمثل خطراً هيكلياً على بنية الإقليم إذ يُضعف موقفه التفاوضي ويعطل القوانين الناظمة لحياة المواطنين وتسيير المرافق العامة، من هذا المنظور جاءت خطوة تفعيل البرلمان بانضمام كتل وأعضاء اختاروا كسر حلقة المقاطعة كضرورة عمليّة لإعادة عجلة الحياة الدستورية إلى الدوران ضمن التوقيتات القانونية لتشكيل الكابينة الجديدة، وفي المقابل تؤكد الحقائق السياسية أن أي قرار يتخذ بغياب توافق المكونات الرئيسية يحمل تحديات تتعلق بقبول الشركاء مما يجعل المشهد محكوماً بضرورة موازنة الشرعية الشكلية مع الشرعية التوافقية.
إن انتقال نواب من أحزاب معارضة أو مقاطعة للمشاركة في جلسات تفعيل البرلمان يعكس تحولاً في الديناميكيات الحزبية، فهؤلاء النواب استندوا إلى دافع تقديم مصلحة الكيان العام على الانضباط الحزبي الضيق معتبرين أن الشلل السياسي يضر بالقاعدة الشعبية قبل القيادات، غير أن هذا الفعل يحتم على القيادة السياسية قراءة هذه الرسائل بحكمة بالغة، فالاحتواء والتعامل بروح وطنية جامعة يمنعان تحول التصدعات السياسية إلى شروخ مجتمعية عميقة.
تتجسد مخاوف الشارع والمراقبين في هواجس رئيسية مرتبطة بالواقع الإقليمي والمحلي، حيث يُعد الاستقرار الأمني وبقاء المؤسسات الأمنية وقوات البيشمركة خارج أي تجاذبات سياسية الضمانة القصوى لبقاء الإقليم إلى جانب التوازنات الإقليمية التي تفرض كون تماسك الجبهة الداخلية في كوردستان هو السور المنيع الذي يمنع أي استغلال إقليمي للتباينات الداخلية في ظل معادلات الشرق الأوسط المعقدة. وفيما يتعلق بالأساس الدستوري والمسارات القانونية والتحليل الدستوري للخطوة ومآلات الطعن فلا يمكن مقاربة جلسة التفعيل بعيداً عن النصوص الصريحة في دستور جمهورية العراق لسنة 2005 بدءاً من المظلة الدستورية لسلطات الإقليم المتمثلة بالمادة (117 / أولاً) التي نصت على أن “يقر هذا الدستور، عند نافذيته، إقليم كوردستان وسلطاته القائمة، إقليماً اتحادياً”، وهي شرعية تأسيسية مطلقة للكيان، وصولاً إلى المادة (121 / أولاً) التي نصت على أن “تختص سلطات الأقاليم بالحق في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية…” والتي تمنح برلمان الإقليم حق التشريع وتنظيم جلساته وفق قوانينه الداخلية ما لم يتعارض مع الاختصاصات الحصرية لبغداد.
فيما يتعلق بإمكانية الطعن الدستوري والأطر القانونية ومآلاتها، تتمثل الوجهة الدستورية في اختصاص المحكمة الاتحادية العليا في بغداد (وفق المادة 93 / ثالثاً) بالفصل في القضايا الناشئة عن إجراءات سلطات الأقاليم مع التأكيد على أن شرط القبول لا يُعتمد فيه على غياب التوافق السياسي بل يجب إثبات عيب إجرائي ملموس مثل عدم اكتمال النصاب العددي (50%+1) لحظة التصويت أو مخالفة صريحة للنظام الداخلي أما المآلات المتوقعة فتقضي بأنه إذا ثبت للمحكمة استيفاء الجلسة للشروط العددية والإجرائية فإن الاتجاه الغالب هو رد الطعن وتثبيت الشرعية تأسيساً على أن المجالس النيابية تُدار بالأرقام الدستورية لا بالتوافقات الحزبية.
السيناريوهات السياسية القادمة للمرحلة الانتقالية
مع دخول الإقليم التوقيتات الدستورية لتشكيل الحكومة واختيار الرئاسات، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: الاحتواء الشامل والتسوية التوافقية (الأرجح والأكثر أماناً)
تحويل خطوة تفعيل المؤسسات إلى دافع للجلوس على طاولة الحوار والوصول إلى تسوية شاملة تضمن مشاركة كافة الأطراف الفاعلة في الكابينة الحكومية وتوزيع المسؤوليات التنفيذية، مما يضمن استقراراً سياسياً طويل الأمد وتأمين غطاء متين للحكومة.
السيناريو الثاني: الاستمرار بالمسار الدستوري والأغلبية التشريعية
المضي قدماً في إتمام الاستحقاقات بناءً على النصاب القانوني القائم، مع إبقاء الأبواب مفتوحة لانضمام بقية الأطراف لاحقاً. يحمي الإقليم من الفراغ القانوني، لكنه يتطلب إدارة عالية الدقة لتقليل التوتر الإداري والسياسي بين دوائر النفوذ.
السيناريو الثالث: الوساطة الضاغطة والتوافق في اللحظات الأخيرة
تدخل جهات ودول حليفة وداعمة للاستقرار لتقريب وجهات النظر واستثمار الوقت المتبقي لإنضاج اتفاق متوازن يرضي الجميع ويمنع أي تداعيات سلبية على الجبهة الداخلية.
مهما بلغت حدة التجاذبات الدستورية والسياسية، تظل هناك عقدة جوهرية وحاكمة تمثل الاختبار الحقيقي لنجاح أي سلطة تنبثق عن هذا البرلمان المفعل، وتتجلى أبعاد هذه العقدة في الملف المالي وقرارات المحكمة الاتحادية حيث إن الشرعية التشريعية والسياسية تظل هشّة إذا لم تُترجم فوراً إلى انتظام مالي كامل مع الحكومة الاتحادية في بغداد لضمان صرف رواتب موظفي الإقليم ومستحقاتهم المالية بانتظام ودون تسييس. ويرتبط ذلك مباشرة بضغط الشارع والاستقرار المعيشي إذ إن المواطن في إقليم كوردستان لا يرهن طمأنينته بالصراعات الحزبية أو موازين القوى بقدر ما يرهنها بلقمة عيشه واستقراره المالي فإن نجحت السلطات القادمة في تأمين هذا الشريان الحيوي بالاتفاق التام مع بغداد ستتلاشى حدة الانقسامات الداخلية أما إذا تعطل هذا الملف فإن الغضب الشعبي سيكون هو الفيصل كقوة ضاغطة تتجاوز كل السقوف السياسية والدستورية.
ختاماً، وتجسيداً لصرخة التاريخ والضمير التي تؤكد ألا تساوموا على وطن أُسس بالدم فإن الكيانات السياسية لا تسقط بفعل عدو خارجي بقدر ما تتداعى من الداخل حين تتآكل مناعتها بالأنانية الحزبية وصراعات النفوذ، إذ إن تفعيل البرلمان والمسارات الدستورية ومعارك الأغلبية والطعون، ليست سوى تفاصيل في معركة الوجود الكبرى، ومن هذا المنطلق يُوجه النداء إلى صناع القرار لاتقاء الله في هذا الشعب وفي هذا الكيان لأن الكراسي تزول والمنصات تتبدل لكن التاريخ لا يرحم من فرّط في بيتٍ أُسس بدموع الأمهات ودماء التضحيات، حيث إن النصوص الدستورية ليست سيوفاً لتجزئة الصف والمحاكم ليست أداة لكسر الإرادات والانتصارات الوهمية بالأغلبية المنقوصة ستنكسر على صخرة الرفض الشعبي إن لم تُوجّج بحكمة الاحتواء والشراكة الحقيقية والعودة إلى الرشد تعني إدراك أن خسارة الشريك هي هزيمة للجميع وأن كوردستان الموحدة القوية أكبر بكثير من الأحزاب والكراسي، وإلى المجتمع والشعب الأبي في كوردستان الذين يمثلون السور الأخير والدرع الحقيقي لهذا الكيان يُهاب بهم ألا يسمحوا لصراعات السياسيين بأن تسرق طمأنينتهم أو تشتت إرادتهم بل ليكونوا الصوت الصارخ والواعي الذي يكسر صمت الخوف والضغط المدني الذي يجبر الجميع على النزول من أبراجهم العاجية والجلوس تحت سقف مصلحة الوطن العليا، فكوردستان ليست ملكاً لحزب ولا إرثاً لفصيل بل هي أمانة تاريخية في الأعناق إما أن تُحْمى بالوعي والوحدة وإما أن يكتب التاريخ التفريط بالجنة الوحيدة التي أُتيت بعد تعب السنين.