محمد علي محيي الدين
وُلد الفنان فائق حسين عام 1944 في قضاء سوق الشيوخ بمحافظة ذي قار، في جنوب العراق، حيث أمضى سنواته الدراسية الأولى قبل أن يتابع تعليمه في الناصرية، ثم ينتقل إلى بغداد لدراسة الفن في معهد الفنون الجميلة بين عامي 1961 و1965، متخرجاً في قسم الرسم. ومنذ بداياته، بدا واضحاً أن الفن بالنسبة إليه ليس مجرد ممارسة جمالية، بل وسيلة للتعبير عن رؤية فكرية تنحاز إلى الإنسان وحريته، وتتطلع إلى تجديد الخطاب التشكيلي العراقي والانفتاح على التجارب العالمية.

في عام 1965، شارك حسين في تأسيس «جماعة المجددين»، إلى جانب عدد من الفنانين، من بينهم سالم الدباغ وصالح الجميعي وطالب مكي ونداء كاظم وعلي طالب. وجاءت هذه الخطوة في سياق حركة فنية عراقية كانت تبحث عن مسارات جديدة، وتسعى إلى تجاوز القوالب المألوفة في التعبير والرسم. وقد انسجمت ميوله اليسارية وأفكاره الليبرالية مع هذا التوجه التجديدي، فكان الفن لديه متصلاً بالأسئلة الاجتماعية والفكرية، لا منفصلاً عن التحولات التي يعيشها المجتمع.
لكن بغداد لم تكن المحطة الأخيرة في رحلته؛ إذ شدّ الرحال إلى إسبانيا، حيث درس بين عامي 1968 و1972 في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة «سان فرناندو» في مدريد، وتخرج فيها بدرجة الشرف. وهناك اتسعت تجربته، وتعمقت صلته بفنون الحفر والغرافيك، فعمل عام 1970 في قسم الغرافيك بالمدرسة العليا للفنون الجميلة، وأقام معرضاً في صالة رامون دوران بمدريد، واقتنى متحف الفن الإسباني الحديث أربعة من أعماله، في إشارة إلى ما حظيت به تجربته من اهتمام خارج حدود وطنه. وفي العام التالي، شارك في معرض الحفر الإسباني في نيويورك، ليواصل حضوره في فضاء فني دولي تتعدد فيه الاتجاهات والمدارس.
ولم يكن فائق حسين رساماً فحسب؛ فقد امتدت موهبته إلى الشعر، وأثمرت تجربته الأدبية ديوان «حراشف القلب» المكتوب باللغة الإسبانية، الذي نال عنه عام 1972 جائزة مدينة ليون الإسبانية. ويكشف هذا الجانب من شخصيته عن حساسية إبداعية تتجاوز حدود الوسيط الفني الواحد، إذ تلتقي الصورة بالكلمة، ويتجاور التشكيل والشعر في التعبير عن العاطفة والتجربة الإنسانية.
وفي مدريد، خلال سبعينيات القرن الماضي، عمل في المعهد الإسباني العربي، وأسهم بفاعلية في أنشطته الثقافية، ولا سيما مجلة «المنارة» (Almenara)، التي كان يشرف على إدارتها المستشرق الإسباني بدرو مونتابث (Pedro Montávez)، واهتمت بالشعر والأدب والثقافة العربية. وقد شارك حسين في هذا المشروع الثقافي برسوم حملت حساسية فنية عالية، واستجابت بروحها ومناخاتها لمضامين القصائد المنشورة. ومن أبرز إسهاماته رسوماته المصاحبة لمجلدات خصصت للشعر العربي الحديث، ومنها مجلد عن الشعر العراقي الحديث صدر عام 1973، وآخر عام 1977. وهكذا تحولت رسومه إلى حوار بصري مع النصوص الشعرية، لا إلى مجرد إضافات تزيينية، وظلت هذه الأعمال محفوظة في صفحات المجلة التي يحتفظ بها المعهد الإسباني، شاهدة على تفاعل الفن العراقي مع الثقافة العربية في المهجر.
وفي عام 1975، انتقل إلى تجربة جديدة في أميركا الجنوبية، فأسس قسم الغرافيك في جامعة كيتو المركزية في الإكوادور، بناءً على طلبها، ودرّس فيه فترة قصيرة. وفي العام نفسه، شارك في بينالي الحفر العالمي بمدينة فلورنسا الإيطالية، مؤكداً اهتمامه بهذا الفن وقدرته على العمل في بيئات ثقافية مختلفة. وعلى الرغم من إقامته في مدريد خلال جانب مهم من السبعينيات، فإنه ظل كثير التنقل، يجمع بين التدريس والمشاركة في المعارض والعمل في مشغله الخاص، محتفظاً بصلة فنية وثقافية بالعراق.
وفي عام 1976، أقام معرضه الشخصي الثاني في المتحف الوطني للفن الحديث ببغداد، في عودة فنية إلى المكان الذي انطلقت منه تجربته الأولى. غير أن مسيرته اتخذت لاحقاً مساراً أكثر اضطراباً؛ ففي ثمانينيات القرن الماضي غادر إسبانيا، وتنقل بين بلدان عدة في أميركا الجنوبية، قبل أن يستقر في الولايات المتحدة الأميركية، وتحديداً في ولاية ميشيغان. وخلال تلك المرحلة، زار العراق وأقام معرضاً شخصياً في قاعة الأورفلي للفنون بمنطقة المنصور في بغداد، مستعيداً عبر أعماله صلته بالجمهور العراقي، على الرغم من المسافات التي فرضتها عليه سنوات الاغتراب.
لكن الاختلاف الفكري والسياسي، وما ارتبط بمواقفه اليسارية ومعارضته للنظام العراقي آنذاك، جعلا حياته أكثر قسوة؛ فقد تعرض للسجن والتعذيب، وهي تجربة تركت آثاراً في صحته، وألقت بظلالها على سنواته الأخيرة. وفي الرابع عشر من تموز عام 2003، توفي في ولاية ميشيغان إثر إصابته بجلطة دماغية، عن عمر ناهز التاسعة والخمسين.
ترك فائق حسين تجربة تتوزع بين الرسم والغرافيك والشعر، وتتحرك بين العراق وإسبانيا وأميركا الجنوبية والولايات المتحدة. ولم تكن هذه الجغرافيا الواسعة مجرد انتقال بين أمكنة، بل كانت جزءاً من تكوينه الفني، إذ أتاحت له الاحتكاك بتجارب متعددة، وأسهمت في تشكيل لغة بصرية تتصل بالثقافة والوجدان والحرية. وتبقى رسومه المنشورة في مجلة «المنارة»، ومعارضه ومشاركاته الدولية، شواهد على فنان لم يحصر نفسه في حدود المكان، وظل يبحث عن فضاء أرحب للفن، حتى حين جعلت ظروف السياسة والمنفى رحلته أكثر صعوبة. المصدر: مجموعة دجلة للفنون.