محمد مسلم الحسيني.. العلم في خدمة الإنسان

محمد علي محيي الدين

الدكتور محمد مسلم الحسيني طبيب وباحث وأديب عراقي، جمع في مسيرته بين دقة العلم واتساع الفكر، وبين البحث الطبي والكتابة في الشؤون السياسية والاجتماعية والثقافية. وهو نموذج للمثقف الذي لم يحصر اهتمامه في اختصاصه المهني، بل اتخذ من المعرفة نافذة يطل منها على الإنسان ومشكلاته، ومن القلم وسيلة للتعبير عن رؤيته للعالم، مستفيداً من تجربة علمية وحياتية امتدت بين العراق وبلجيكا والأردن، وتقاطعت فيها المختبرات الجامعية مع الصحافة والأدب والحوارات الفكرية.

Screenshot

يحمل الحسيني اسماً كاملاً هو محمد مسلم حمود الحسيني، ويقيم في العاصمة البلجيكية بروكسل، وقد ولد في مدينة الحلة سنة 1952حيث واصل جانباً مهماً من مسيرته العلمية والمهنية. وقد بدأ رحلته الأكاديمية من العراق، فحصل سنة 1977 على شهادة البكالوريوس في الطب والجراحة العامة من جامعة البصرة. وكانت تلك الخطوة الأولى في طريق تخصصي طويل، لم يكتفِ فيه بالمعرفة الطبية العامة، بل اتجه إلى ميادين دقيقة تتطلب الجمع بين الملاحظة العلمية والتحليل المخبري والبحث المتواصل.
بعد تخرجه، عمل طبيباً مقيماً في مستشفى مدينة الطب ببغداد ومستشفى الحلة الجمهوري بين عامي 1977 و1978، ثم انتقل إلى العمل الأكاديمي، فأصبح أستاذاً معيداً في قسم علم الأمراض بكلية طب الكوفة، التابعة للجامعة المستنصرية آنذاك، خلال الفترة من 1979 إلى 1981. وقد أتاحت له هذه التجربة المبكرة الجمع بين الممارسة الطبية والتدريس، والتعرف إلى أهمية إعداد الأجيال الجديدة من الأطباء على أسس علمية راسخة.
غير أن طموحه العلمي لم يتوقف عند حدود ما حصّله في العراق؛ فقد اتجه إلى بلجيكا لمواصلة الدراسة والتخصص، وبدأ مرحلة جديدة من التكوين العلمي في مؤسسات أوروبية متخصصة. حصل سنة 1987 على الدكتوراه في العلوم الطبية من جامعة لوفان الكاثوليكية، كما نال في العام نفسه دبلوماً عالياً في أمراض الفطريات من معهد ليوبولد العالمي في مدينة أنفيرس البلجيكية. وفي سنة 1988 حصل من المعهد ذاته على دبلوم عالٍ في أمراض المناطق الحارة، كما نال دبلوماً عالياً في الصحة والأمراض المتوطنة من كلية الأطباء الملكية البريطانية في لندن.
واستكمل مساره التخصصي سنة 1989 بحصوله على شهادة البورد في بيولوجيا أمراض الدم من مستشفى سان لوك الجامعي في بروكسل. وإلى جانب اختصاصاته الطبية، حرص على توسيع أدواته اللغوية والثقافية، فنال دبلوماً في اللغة الإنكليزية سنة 1984 من معهد بلدية ولوي سان لامبير في بروكسل، ودبلوماً في اللغة الفرنسية سنة 1985 من معهد إلياس فرانسيه، ثم شهادة في اللغة الهولندية سنة 1995 من معهد غرفة تجارة بروكسل. كما حصل سنة 1992 على دبلوم في الدراسات الإسلامية من معهد الدراسات الإسلامية في مدريد الإسبانية.
ويكشف هذا التنوع في التحصيل عن شخصية ترى في المعرفة منظومة مترابطة، لا جزرًا منفصلة. فالطبيب الذي يتعامل مع خلايا الدم وأسباب المرض يحتاج إلى الدقة والصبر، بينما تفتح دراسة اللغات والدراسات الإسلامية أبواباً أخرى لفهم الثقافات والأفكار والتجارب الإنسانية. ومن هنا تبدو مسيرته أكثر اتساعاً من مجرد سيرة اختصاصي طبي؛ إنها رحلة في ميادين متعددة، تتجاور فيها العلوم التجريبية مع الاهتمامات الفكرية والأدبية.
وفي بروكسل، اتجه الحسيني إلى العمل في المختبرات والبحث العلمي، فعمل بين عامي 1989 و1991 طبيباً استشارياً في مختبر فيزال الأهلي للتحاليل المرضية، ومعاوناً لمدير مختبر أيتيربيك للتحاليل المرضية. ثم انتقل إلى دائرة البحوث الوطنية البلجيكية، حيث عمل باحثاً علمياً بين عامي 1991 و1996. وخلال هذه الفترة، أشرف كذلك على بحوث بعض طلبة الدراسات العليا في قسم أمراض الفطريات بمعهد ليوبولد العالمي، وفي قسم الدراسات العليا بكلية الطب في جامعة بروكسل الحرة.
كانت تلك السنوات مرحلة مهمة في ترسيخ حضوره البحثي؛ إذ انتقل من ممارسة العمل الطبي إلى المشاركة في إنتاج المعرفة العلمية والإشراف على بحوث الدارسين. فالبحث لا يقتصر على الوصول إلى نتيجة جديدة، بل يتطلب أيضاً اختبار الفرضيات، ومراجعة الأدلة، وإعادة النظر في المسلمات كلما ظهرت معطيات تستدعي ذلك. وهذه الروح هي ما يمنح العمل العلمي قيمته، ويجعله قابلاً للتطور والتراكم عبر الأجيال.
وفي الفترة الممتدة من عام 1996 إلى عام 1999، عمل أستاذاً جامعياً في كلية العلوم الطبية بجامعة الإسراء الأهلية في عمّان، وتولى رئاسة قسم أمراض الدم، كما حاضر في مادتي علم الأمراض والصحة العامة في كلية الصيدلة بالجامعة نفسها. وفي سنة 1997 ترأس لجنة الدراسات والبحوث في كلية العلوم الطبية. وقد أضافت هذه التجربة الأكاديمية إلى مسيرته بعداً تعليمياً، إذ جمع بين نقل المعرفة الطبية إلى الطلبة والمشاركة في إدارة العمل البحثي داخل المؤسسة الجامعية.
ومنذ سنة 1999، واصل عمله طبيباً اختصاصياً في بيولوجيا أمراض الدم في مختبرات مستشفيات أكسيل وبراكوبس وبروكمان الجامعية في بروكسل، وفق السيرة المنشورة عنه. وفي هذا المجال الدقيق، تتطلب دراسة الدم وخلاياه فهماً متعمقاً للعمليات الحيوية التي تجري داخل الجسم، وقدرة على الربط بين النتائج المخبرية والظواهر المرضية. فالدم ليس مجرد مادة يجري تحليلها، بل منظومة حيوية تكشف اضطراباتها الكثير عن صحة الإنسان، وتساعد دراستها على فهم الأمراض وتطوير سبل تشخيصها وعلاجها.
ولم تكن صلته بالبحث العلمي مقتصرة على الوظائف والمواقع التي شغلها؛ فقد أنجز بحوثاً طبية أصلية نُشرت في مجلات علمية دولية بلغات متعددة، منها الإنكليزية والفرنسية والألمانية واليونانية والتركية والبولونية. ووفق ما تذكره سيرته في موقع «الحوار المتمدن»، نُشرت أعماله في دوريات متخصصة في أمراض الدم وديناميكية الخلية والنسيج وتكاثر الخلايا، إلى جانب مجلات معنية بالدم التجريبي والفسلجة والبيولوجيا وأمراض الفطريات والالتهابات، فضلاً عن دوريات أوروبية وأميركية وبلجيكية وفرنسية وألمانية وغيرها.
وتشير السيرة إلى أن بعض هذه البحوث حظي باهتمام باحثين آخرين، واستُخدم مرجعاً في دراسات لاحقة، لما تضمنه من نتائج واكتشافات في مجالات تخصصه. ومن بين موضوعاته العلمية تكون خلايا الدم في الالتهابات، واستخدام بلازما دم الالتهابات في علاج أمراض الفطريات، وزراعة مكونات الأقراص الدموية. وقد ارتبطت هذه الموضوعات بأطروحاته الأكاديمية، ومنها أطروحة الدكتوراه في العلوم الطبية، ودراسة الدبلوم العالي في أمراض الفطريات، وبحث البورد في بيولوجيا الدم.
ولا تكمن قيمة البحث الطبي في المصطلحات الدقيقة أو كثرة النشر وحدهما، بل في قدرته على الإسهام في فهم المرض، وتطوير وسائل التشخيص، وفتح آفاق جديدة أمام العلاج. ومن هذا المنطلق، تتصل جهود الباحثين في المختبرات بحياة الناس بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ فكل معرفة موثوقة تضاف إلى رصيد الطب قد تصبح خطوة في طريق تخفيف الألم أو تحسين فرص العلاج. ومع ذلك، فإن تقدير الأثر العلمي المحدد لأي بحث يظل مرتبطاً بنتائجه المنشورة وما نالته من تقييم واستشهاد في الأوساط المتخصصة، وهي تفاصيل لا تتوسع السيرة المتاحة في عرضها.
وإلى جانب عمله العلمي، انتمى الحسيني إلى عدد من الجمعيات والنقابات المهنية، فهو عضو في جمعية أمراض الدم العالمية وجمعية أمراض الدم البلجيكية وجمعية أمراض الفطريات البلجيكية، كما أنه عضو في نقابتي الأطباء العراقية والبلجيكية. وتدل هذه العضويات على اتصاله ببيئات مهنية متعددة، وعلى امتداد تجربته بين المؤسسات الطبية في بلده الأصلي وبلد إقامته. كذلك تولى رئاسة رابطة العراقيين في بلجيكا، وهو دور يضيف إلى صورته المهنية بعداً اجتماعياً ووطنياً، إذ لا تقتصر صلة المغترب بوطنه على الحنين والذاكرة، بل قد تتجسد أيضاً في العمل الجماعي وخدمة أبناء الجالية وتعزيز روابطهم.
لكن الشخصية التي تكشف عنها سيرته لا تقف عند حدود الطبيب والباحث والأستاذ الجامعي؛ فثمة وجه آخر يتمثل في الكاتب الذي اتخذ من المقالة وسيلة لمناقشة قضايا السياسة والمجتمع والعلم والأدب. وقد نشر الحسيني مقالاته في عدد واسع من الصحف والمجلات العربية والأجنبية، شملت صحفاً مثل «الشرق الأوسط» و«الخليج» و«الحياة» و«العرب» و«القدس العربي» و«الزمان» اللندنية، إلى جانب صحف فلسطينية ولبنانية وأردنية وكويتية وسعودية وقطرية ويمنية ومغربية، فضلاً عن صحف عراقية متعددة، منها «طريق الشعب» و«التآخي» و«الدستور» و«الصباح» و«البينة الجديدة» و«الاتحاد» و«المؤتمر» و«بغداد» و«المنارة»
كما ظهرت كتاباته في مجلات ثقافية وفكرية، منها «الأقلام» و«العصر» و«النبأ» و«شبابيك» و«الهدى» و«الزهراء» و«المسار» العمانية و«السياسي»، فضلاً عن مواقع وشبكات إلكترونية، من بينها «ميدل إيست أونلاين» و«الحوار المتمدن» و«مركز الشرق العربي للدراسات الاستراتيجية» و«التجديد العربي» و«صوت العراق» و«العراق للجميع» و«آفاق» وغيرها، وفق القائمة الواردة في سيرته المنشورة.
إن هذا الامتداد الصحفي يبين أن اهتمامه بالكتابة لم يكن محصوراً في موضوع واحد؛ فقد تناول قضايا سياسية وعلمية واجتماعية وأدبية، متيحاً لنفسه الانتقال بين حقول مختلفة من دون أن يتخلى عن خلفيته العلمية. ويمنح التكوين الطبي الكاتب زاوية خاصة في النظر إلى المجتمع، إذ يدربه على الإصغاء إلى التفاصيل، والبحث عن الأسباب، وعدم الاكتفاء بالمظاهر السطحية. غير أن الكتابة السياسية والاجتماعية تحتاج، إلى جانب المعرفة، إلى فهم السياقات التاريخية والثقافية، وإلى التمييز بين الرأي الشخصي والمعلومة المثبتة، وهي مسؤولية تزداد أهميتها كلما اتسعت دائرة القراء.
ولم يغفل الحسيني الجانب الإبداعي من تجربته؛ فقد كتب القصة القصيرة والرواية، ومن أعماله «المأزق» و«رهان في ساحل النورماندي» و«الشبيه» و«حقائق تبحث عن التفسير» و«عشيق الشمس» و«كيف أختار بحثي». ويكشف تنوع هذه العناوين عن انتقاله من التأمل في المواقف الإنسانية إلى مساءلة الحقيقة ومحاولة تفسيرها، وهي أسئلة يمكن أن تلتقي فيها التجربة الأدبية مع الروح البحثية، وإن اختلفت أدوات كل منهما وغاياته.
فالأدب لا يقدم المعرفة بالطريقة التي يقدمها البحث العلمي، لكنه يمنح الإنسان فرصة لتأمل التجربة من الداخل، ويضعه أمام احتمالات النفس وتناقضاتها، ويكشف ما قد تعجز الأرقام وحدها عن التعبير عنه. وإذا كان المختبر يسعى إلى تفسير الظواهر وفق المنهج العلمي، فإن القصة والرواية تمنحان الكاتب مجالاً لاستكشاف المعنى الإنساني وراء الوقائع، واستحضار المشاعر والأسئلة التي تصاحب الحياة اليومية.
وله أيضاً ديوان شعر مخطوط، إلى جانب قصائد منشورة وأخرى ألقيت في مناسبات عامة وخاصة. كما ألقى محاضرات اجتماعية وعلمية في بروكسل تناولت ظاهرة الأحلام ومحاولة ترجمة لغتها، وشارك في محاضرات عن الإعجاز العلمي في القرآن في بعض المدن البلجيكية. وتدل هذه الأنشطة على اهتمامه بأسئلة الإنسان ومعرفته بذاته، وبالعلاقة بين التفكير العلمي والتأمل الثقافي والديني، مع اختلاف المناهج التي يتطلبها كل مجال.
واتسعت مشاركاته كذلك إلى الندوات السياسية التي عقدت في بروكسل، وإلى الحوارات التلفزيونية التي تناولت قضايا متعددة. وظهر في قنوات فضائية عربية وأجنبية، من بينها «إم بي سي» و«الحرية» العراقية و«فرنسا 24» و«الفيحاء» العراقية و«كونفاس» البلجيكية و«آر تي إل» البلجيكية، كما شارك في حوارات إذاعية عبر إذاعة «المنار» العربية في بلجيكا وإذاعة «آر تي بي إف» البلجيكية. ويعكس هذا الحضور انتقاله من فضاء الكتابة إلى النقاش العام، حيث تصبح الفكرة موضوعاً للحوار المباشر، وتواجه أسئلة الجمهور وتعدد وجهات النظر.
إن قراءة تجربة الدكتور محمد مسلم الحسيني تتيح لنا رؤية مسيرة متعددة المسارات، لم يفصل فيها بين الطبيب والباحث والأستاذ والكاتب. فقد بدأ من جامعة البصرة، ثم واصل تحصيله في المؤسسات العلمية الأوروبية، وعمل في المختبرات والجامعات، قبل أن تتسع اهتماماته إلى الصحافة والأدب والحوار الثقافي. ولم يكن انتقاله بين هذه الميادين تخلياً عن مجال لمصلحة آخر، بقدر ما كان محاولة للجمع بين أدوات مختلفة لفهم العالم والتعبير عنه.
وتبقى سيرته، كما يقدمها موقع «الحوار المتمدن»، صورة لمثقف عراقي حمل اختصاصه العلمي إلى خارج بلده، لكنه لم يحصر هويته في مكان إقامته أو في حدود مهنته. ففي البحث الطبي سعى إلى المعرفة المتخصصة، وفي التدريس شارك في نقلها إلى الطلبة، وفي الصحافة تناول شؤون المجتمع والسياسة، وفي الأدب فتح باباً آخر للتأمل في الإنسان وأسئلته. وبين هذه المسارات جميعاً، تتشكل قيمة التجربة في اتساعها وتعدد أدواتها، وفي الإيمان بأن المعرفة لا تنتهي عند حدود الشهادة أو المنصب، بل تظل رحلة متواصلة تتجدد بالبحث والقراءة والكتابة والحوار.

قد يعجبك ايضا
∧