نبيل عبد الأمير الربيعي
ليس من السهل أن يمر المرء على مشهد كهذا من دون أن يشعر بالأسى، ليس لأن عالماً عراقياً كبيراً تعرض لموقف محرج فحسب، بل لأن ما حدث يكشف خللاً أعمق في منظومة القيم المهنية والثقافية التي يفترض أن تحكم مؤسساتنا الإعلامية، ولا سيما حين تكون حاضرة في محفل أكاديمي وعلمي يفترض أن تكون المعرفة فيه هي صاحبة المقام الأول.
أتحدث هنا عن الموقف الذي تعرض له الأبروفسور سلمان الرواف، خلال مشاركته في مؤتمر طبي أقامته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في جامعة بغداد. وهو عالم وأكاديمي عراقي له مكانته العلمية الدولية، ويعمل أستاذاً للصحة العامة في كلية إمبريال كوليدج في لندن، إحدى المؤسسات الأكاديمية المرموقة عالمياً، فضلاً عن دوره البحثي وإسهاماته في التعليم الصحي وتطوير المعرفة الطبية.

كان من المفترض أن تكون عودته إلى العراق مناسبة للاحتفاء بكفاءة علمية عراقية استطاعت أن تحجز لنفسها مكاناً في المؤسسات البحثية والأكاديمية العالمية، وأن تكون مشاركته فرصة للاستفادة من خبرته وتجربته، وتقديمه نموذجاً للأجيال العراقية الشابة التي تبحث عن طريقها في ميادين العلم والمعرفة.
لكن المشهد، كما نُقل، اتخذ منحى مؤسفاً؛ إذ تسابقت بعض القنوات الفضائية إلى نصب ميكروفوناتها وشعاراتها أمام المسؤول الحكومي، وما إن انتهت كلمته حتى سُحبت تلك الميكروفونات والشعارات من أمام الدكتور سلمان الرواف، الذي كان يستعد لإلقاء محاضرته العلمية. تصرف وضع المحاضر أمام موقف محرج، وأثار استياء الحاضرين، ودفعه إلى التعبير عن اعتراضه على هذا السلوك.
إن المسألة هنا ليست خلافاً عابراً بين مراسل ومحاضر، ولا تتعلق بحق قناة في تغطية حدث إعلامي دون أخرى، بل تتصل بفهم وظيفة الإعلام وموقعه من المجتمع. فالإعلام الذي لا يرى في المؤتمر إلا المسؤول، ولا يتعامل مع العالم إلا بوصفه تفصيلاً ثانوياً، إنما يختزل الحدث العام في شخصيات السلطة، ويحول المهنة الصحفية إلى ممارسة شكلية غايتها التقاط التصريحات والصور، لا نقل المعرفة ومتابعة الإنجاز.
هنا يبرز سؤال جوهري: لماذا تحظى كلمات المسؤولين بهذا القدر من الاهتمام الإعلامي، بينما يتراجع حضور العلماء والباحثين والمبدعين إلى الهامش؟ وهل أصبحت قيمة الإنسان في مؤسساتنا الإعلامية تُقاس بمنصبه الإداري والسياسي، لا بما يقدمه من علم وخبرة وخدمة للإنسانية؟
إن احترام العالم ليس مجاملة شخصية، ولا امتيازاً يُمنح لأصحاب الألقاب العلمية، بل هو احترام للعلم ذاته، وللمؤسسة الأكاديمية، وللجمهور الذي جاء ليستمع إلى محاضرة أو يشارك في نقاش علمي. كما أن احترام الضيف لا يتوقف عند لحظة استقباله، وإنما يتجسد في التعامل المهني معه، وفي توفير الأجواء التي تحفظ مكانته وكرامته.
لا ينبغي أن نفهم نقدنا لهذا التصرف باعتباره حكماً على جميع العاملين في القنوات العراقية؛ ففي الوسط الإعلامي صحفيون ومراسلون ومحررون يمتلكون حساً مهنياً عالياً، ويؤدون عملهم بإخلاص وشجاعة. لكن ذلك لا يعفينا من نقد الممارسات التي تسيء إلى المهنة، ولا من مساءلة إدارات القنوات عن المعايير التي تعتمدها في تنظيم التغطيات الإعلامية وتوجيه مراسليها.
من هنا، فإن المطلوب ليس إلغاء وجود الميكروفونات في المؤتمرات والفعاليات الرسمية، وإنما إعادة النظر في هذه الظاهرة الاستعراضية، وتنظيم التغطية بما يضمن حق وسائل الإعلام في نقل الحدث، من دون أن تتحول القاعة إلى ساحة تنافس على الاقتراب من المسؤول، أو أن يصبح حضور الصحفي مرتبطاً حصراً بوجود شخصية سياسية أمام الكاميرا.
إن الإعلام الحقيقي لا يقاس بعدد الشعارات التي تظهر على الشاشة، ولا بعدد الميكروفونات المصطفة أمام المنصة، بل بقدرته على كشف الحقيقة، وإيصال المعرفة، واحترام الإنسان، وتسليط الضوء على أصحاب الإنجازات التي تستحق أن يعرفها المجتمع.
لعل ما حدث مع البروفسور سلمان الرواف ينبغي أن يكون مناسبة لمراجعة مهنية جادة، تبدأ من إدارات المؤسسات الإعلامية، ولا تنتهي عند الجهات المنظمة للمؤتمرات والفعاليات الأكاديمية. فالمؤسسات العلمية ليست منصات للدعاية، والعلماء ليسوا ضيوفاً من الدرجة الثانية في حضرة المسؤولين.
إن العراق، الذي أنجب علماء ومفكرين ومبدعين وقدمهم إلى العالم، أحوج ما يكون اليوم إلى ثقافة تحتفي بالعقل والكفاءة، وتعيد الاعتبار إلى المعرفة بوصفها أساساً للتقدم. فلا يمكن أن نبني مجتمعاً يحترم العلم بينما نمارس، في أبسط تفاصيل سلوكنا المؤسسي، ما ينتقص من مكانة أهله.
سلاماً للدكتور سلمان الرواف، ولكل عالم عراقي حمل اسم بلده إلى المحافل الدولية. إن قيمة العالم لا تنتقصها ميكروفونات تُسحب، ولا تحددها كاميرات تتجه إلى مسؤول وتعرض عن صاحب المعرفة. فالعلم يبقى، أما ضجيج الشعارات فينتهي بانتهاء البث.