كتابة تشبه الناس: حوار حول الفن والواقع مع أحمد فارس الينايري

حوار عطا درغام

حين نجلس مع شاعر يكتب بقلبه قبل قلمه، تذوب المسافات وتصبح الكلماتجسراً يربطنا بالحياة في أصفى صورها. الأدب الحقيقي ليس تعقيداً ولاقوالب جامدة، بل هو هذا النّفَس الصادق الذي يمسك بتفاصيل أيامنا،بآلامنا الصامتة، وبأفراحنا العابرة، ليعيد صياغتها في أبيات تشبهناوتعيش معنا. فارس الينايري هو أحد الأصوات الشعرية التي انحازتللإنسان؛ فلم يحبس قصيدته في أبراج عالية، ولم يغرقها في الغموض، بلتركها تمشي في الشوارع، تتنفس هواء الناس، وتتنقل بسلاسة وعفوية بينجزالة الفصحى وعذوبة العامية. من السطر الأول في مسيرته وحتى يومناهذا، يظل مشغله الروحي ممتلئاً بالأسئلة: كيف نحكي عن الحب والفقد دونبكاء مرير؟ وكيف ننقل هموم المجتمع دون خطابة جافة؟ وكيف نجعلالقصيدة تعيش وتتنفس في عصر الشاشات السريعة؟ في هذا الحوارالممتد، نقترب من حبره الهادئ، لنقشر الغلاف عن سر الصنعة، وعن الرؤيةالإنسانية والوجدانية الفسيحة التي تحرك قصائده وتجعلها مرآة لقلوبناجميعاً.

 

1- كيف يتحدد خيارك اللغوي (فصحى أم عامية) قبل ولادةالقصيدة؟ وهل تفرض الفكرة قالبها اللغوي؟

أترك للفكرة أن تختار لغتها؛ فبعض المشاعر لا تتسع لها إلا الفصحى،وبعض التفاصيل لا تنبض إلا بالعامية. اللغة عندي ليست قالبًا أفرضه علىالقصيدة، بل روحٌ تتشكّل على مقاس التجربة .

2- ما هي الحدود الفاصلة التي تضعها لمنع تداخل القاموسينأثناء الكتابة؟

لا أضع حدودًا صارمة بقدر ما أحتكم إلى الانسجام ؛ فلكل لغة موسيقاهاوخصوصيتها . المهم ألّا يكون التداخل زينةً عابرة ، بل ضرورةً فنية يفرضهاالمعنى.

3- كيف توظف النبرة الشفاهية المحكية داخل فضاء القصيدةالفصحى دون الإخلال بوقارها؟



أستدعي الروح المحكية لا ألفاظها وحدها ؛ أستثمر عفويتها وإيقاعهاوحرارة التعبير فيها ، لتقترب الفصحى من نبض الحياة دون أن تفقدأصالتها وجمالها.

 

4_هل ترى أن العامية تمتلك قدرة على التقاط التفاصيل اليوميةأسرع من الفصحى؟

 

تمتلك العامية أحيانًا سرعة الوصول إلى التفاصيل بحكم التصاقها بالحياةاليومية ، لكن الفصحى قادرة على استيعاب تلك التفاصيل وإعادة تشكيلهافي أفق إنساني أوسع . المسألة ليست مفاضلةً بين اللغتين ، بل قدرةالشاعر على الإصغاء لكلتيهما .

و من خلال تجربتي الخاصة أعترف و أقر أن اللغة بكل أشكالها هيالحاكمة والمتحكمة فى مصير النص .  

 

5- كيف تصنع التوازن الإيقاعي الذي يجعل القصيدتين قريبتينمن نفس القارئ؟

 

أبحث عن الإيقاع الذي يلامس الوجدان قبل الأذن ؛ فالموسيقى ليست وزنًافحسب ، بل تناغم بين الكلمة والشعور والصورة . وحين تصدق التجربة ،تجد طريقها إلى القارئ مهما اختلفت لغتها ، و هذا ما جعلني أعيش معالشعر الحر تجربة مثمرة _ من وجهة نظري _

 

6-كيف تحول العاطفة الذاتية العابرة في قصائدك إلى تجربةإنسانية عامة تخص كل من يقرأها؟

 

أبدأ من خصوصية التجربة ، ثم أجرّدها من التفاصيل التي تحبسها فيذاتي ، وأمنحها ما يجعل الآخر يرى نفسه فيها . فالشعر لا يعمّق التجربةحين ينقلها كما حدثت ، بل حين يكشف ما يتجاوز حدود صاحبها .

 

7-ما هي الأدوات الأدبية التي تستخدمها لتجنب الوقوع في فخالبكائية أو الرومانسية التقليدية؟

 

أعتمد على الصورة الموحية ، والاقتصاد في التعبير ، وترك مساحة للصمتبين الكلمات . لا أشرح الحزن حتى يستنفد أثره ، ولا أجمّل الحب حتىأفقده حقيقته ؛ فالشعور الصادق لا يحتاج إلى المبالغة كي يُرى ، كما أنالمباشرة فخ يقع  فيه البعض .

 

8- كيف تتعامل القصيدة مع مشاعر الفقد والحنين دون أن تفقدطاقتها الإيجابية أو رغبتها في الحياة؟

 

أتعامل مع الفقد بوصفه جزءًا من الحياة لا نهايتها ، ومع الحنين باعتبارهذاكرةً تحفظ ما أحببناه ، لا قيدًا يمنعنا من المضي . قد تولد القصيدة منالوجع ، لكنها ليست مطالبةً بأن تنتهي إليه . الشعر يتجدد مع كل شمس

 

9-هل تعتقد أن الشعر الوجداني المعاصر قادر على ابتكارمفاهيم جديدة للحب والغربة؟

 

نعم، حين يتحرر من الصور الموروثة التي استهلكها التكرار ، ويعيد اكتشافالإنسان في تحوّلاته الجديدة . فالحب لم يعد مجرد اقتراب ، والغربة لم تعدمجرد ابتعاد ؛ قد نكون غرباء في أوطاننا ، وقريبين ممن لم نلتقِ بهم قط  ،كما أن الشعر المعاصر بصفة عامة أصبح قادرا على المنافسة و بقوة  .

 

10-كيف توازن في نصك الإنساني بين الصدق الشعوري العفويوبين الانضباط الفني؟

 

أترك الشعور يكتب مسودته الأولى ، ثم أترك للفن أن يهذّبها دون أن يخنقعفويتها . فالصدق يمنح النص حياته ، والانضباط يمنحه القدرة على البقاء ؛وأيٌّ منهما دون الآخر قد يترك القصيدة ناقصة ، كما إنه لا يوجد أى تعارضعلى الأقل  من خلال تجربتي الشخصية

 

11- كيف تنجو قصيدتك ذات الطابع الاجتماعي من المباشرةوالتقريرية التي تشبه المقال الصحفي؟

أحوّل القضية من فكرةٍ تُقال إلى تجربةٍ تُرى وتُحسّ . فبدل أن أشرح الفقر ،أبحث عن أثره في وجه إنسان ، وبدل أن أرفع صوتي ضد الظلم، أتركتفاصيل الضحية تكشف فداحته ، حيث قصيدتي ( يا عرب .. أين عروبتي ) تحمل هذة التجربة …

 

12-ما هو دور القصيدة في رصد التحولات السريعة في الشارعونقلها بأسلوب فني؟

 

القصيدة ليست كاميرا توثّق ما يحدث فحسب، بل عينٌ تنفذ إلى ما وراءالحدث. إنها ترصد التحولات في الإنسان قبل أن ترصدها في الشوارع،وتمنح اللحظة العابرة معنى قد يتجاوز زمنها ، فليس غريبا على القصيدة أنتشعر بالحدث قبل أن يحدث ، و بالزلزال قبل أن يقع …

 

13-كيف تختار شخوص قصائدك الإجتماعية وهل هم انعكاسمباشر لأناس حقيقيين؟

 

أستمد شخوصي من الواقع، لكنني لا أنقلهم بالضرورة كما هم؛ فقد تجتمعفي شخصية واحدة ملامح أشخاص وتجارب متعددة. ما يعنيني ليس توثيقالأسماء، بل اكتشاف الإنسان المختبئ خلفها .

قاعدة عامة .. لا يوجد نص ينزل على الأرض بدون وقود ..بدون سبب معروفو واقعي .. نحن الكتاب نعرض الحقيقة خلف  جدران لا تري …

 

14-إلى أي مدى يمكن للقصيدة الإجتماعية أن توازن بين إبرازالألم المعيشي وبين تقديم الأمل؟

 

بقدر ما تحترم حقيقة الألم دون أن تحوّله إلى قدرٍ أبدي. لا أرى الأمل فيإنكار الواقع أو تزيينه، بل في كشف قدرة الإنسان على مقاومته، ولو منخلال موقف صغير يحفظ كرامته.

 

15-كيف ترى استجابة الجمهور اليوم للقصيدة التي تطرحهمومه المعيشية واليومية؟

 

يتفاعل الجمهور مع القصيدة حين يشعر أنها تعبّر عنه لا أنها تتحدث باسمهمن بعيد. ومع ذلك، لا يكفي أن تشبه القصيدة هموم الناس؛ ينبغي أنتمنحهم أيضًا لغةً جديدة لفهم ما يعيشونه …. فالشاعر الذي يلقي قصيدتهمن برج عال لا يرى و لا يسمع و لا يعترف به و يفقد مشروعيته و مشروعه…

 

16-كيف تبني الصورة الإبداعية باستخدام مفردات بسيطةومتاحة في الحياة اليومية؟

 

أؤمن بأن المفردة البسيطة قد تحمل عالمًا كاملًا إذا وُضعت في سياق غيرمألوف. ليست قيمة الصورة في فخامة كلماتها، بل في قدرتها على جعلنانرى الأشياء التي اعتدناها كما لو أننا نراها للمرة الأولى.كنت أتناقش منذأيام مع زملاء حول غياب اللغة الأم عن المشهد الثقافي المعاصر … اختلفناولكن ظلت الحقيقة ثابتة .. و هى أن لغتنا تتطور و تنمو في أي طقس .. فيأي مكان و لا تموت …

 

17- ما الذي يمنح الصورة الشعرية عمقها؟ هل هو غرابة اللفظ أمزاوية الرؤية الفنية؟

 

زاوية الرؤية هي التي تمنح الصورة عمقها؛ فاللفظ الغريب قد يلفت الانتباه،لكنه لا يصنع الشعر وحده. أما الرؤية الجديدة، فتستطيع أن تحوّل أبسطالأشياء إلى اكتشافٍ يغيّر علاقتنا بالعالم…. أنا ضد استعداء مفرداتالعصر الأول.. و لكن مع تطورها و تطويرها لتناسب المرحلة الجديدة و هذاما يميز لغتنا عن غيرها ..

 

18-كيف تتجنب المبالغات والمجازات المستهلكة لتقديم مشهدبصري مبتكر؟

أعود إلى التجربة نفسها، وأبحث عن الصورة التي تخصّها ولا تصلح بديلًاجاهزًا عنها. وأحذف كل مجاز لا يضيف معنى، لأن الصورة الحقيقية لاتحتاج إلى ازدحام الزينة كي تترك أثرها.كما أنني أتجنب الحشو القاتلللمعنى ..

19-هل تعتمد على الحركة السينمائية داخل القصيدة أم تفضلاللقطة الثابتة الملهمة؟

 

أترك طبيعة المشهد تختار شكلها؛ فبعض القصائد تحتاج إلى حركة تتوالدفيها الصور، وأخرى يكفيها مشهد ساكن يختزن وراءه حكاية كاملة. المعيارعندي ليس التقنية، بل مقدار ما تمنحه من حياة للتجربة الشعرية.

 

20- كيف يسهم الاختزال وتكثيف الكلمات في جعل الصورةالشعرية أكثر رسوخاً في مخيلة القارئ؟

 

يمنح الاختزال الصورةَ فرصةً كي تتنفس في خيال القارئ؛ فكلما قلّالشرح، اتسعت مساحة المشاركة في اكتشاف المعنى. والتكثيف ليس حذفالكلمات فحسب، بل الاحتفاظ بالكلمة التي لا يمكن الاستغناء عنها دون أنيخسر النص شيئًا من روحه.لا تقدم المعنى كاملا للقارئ على طبق من ذهب.. نترك له مساحة يخوض معنا فى الصورة و يبحث عن ضالته فيها ..

 

21-كيف أثر النشر الرقمي السريع على طول القصيدة المعاصرةوحجم أبياتها؟

 

شجّع النشر الرقمي على سرعة الوصول، لكنه لم يجعل القصيدة القصيرةبالضرورة أفضل من الطويلة. الخطر أن نكتب وفقًا لما تتحمله أنت ( الكاتب)، بدلًا من أن نكتب وفقًا لما تتطلبه التجربة ، و هذا أيضا ينطبق على النشرالورقي أيضا… إذن سيدي الفاضل النشر الرقمي برىء من تغيير المساحةو لكن هو التطور الطبيعي للقصيدة …

 

22-هل يتغير نمط التلقي وفهم المعنى عندما يقف القارئ أمامشاشة هاتف بدلاً من ورقة كتاب؟

 

نعم، فالشاشة تضع القصيدة وسط منافسة مستمرة على الانتباه، بينمايمنح الكتاب القارئ غالبًا فرصة أهدأ للتأمل. ومع ذلك، لا تحدد الوسيلةوحدها عمق التلقي؛ فقد يقرأ المرء قصيدةً على هاتفه فتغيّر حياته، وقد يغلقكتابًا دون أن يتجاوز صفحاته.

 

23- كيف تتعامل مع ردود الفعل الفورية والمباشرة من المتابعين،وهل تؤثر على خياراتك القادمة؟

 

أتعامل معها بوصفها نافذةً لفهم أثر النص، لا سلطةً تحدد اتجاهه. أستمعإلى القراء، لكنني لا أكتب لإرضاء التوقعات؛ فالشاعر يحتاج إلى التواصلمع جمهوره، كما يحتاج إلى الاحتفاظ بصوته المستقل.كما أن سياسةالمتابعة تحددها عناصر أخرى كثيرة و غير مستقرة بما فيها البرمجيات وهذا غير جيد للجميع …

 

24-ما هي شروط القصيدة الناجحة التي تستطيع الصمودوجذب الإنتباه وسط سيل التدفق الرقمي؟

 

أن تمتلك صدقًا لا يُصطنع، وصورةً لا تُنسى، ولغةً تتجاوز لحظة نشرها. قديجذب الانتشار القصيدة إلى القارئ، لكن ما يبقيها في ذاكرته هو قدرتهاعلى اكتشاف معنى جديد كلما عاد إليها.

 

25- هل ترى أن المنصات الرقمية أعادت للشعر جمهوره، أم أنهاخلقت جمهوراً مستعجلاً؟

 

سلاح ذو حدين،  فعلت الأمرين معًا؛ قرّبت الشعر من قراء لم تكن تصلإليهم الكتب بسهولة، لكنها أسهمت أيضًا في تكريس القراءة السريعة لدىبعض الجمهور. والتحدي الحقيقي ليس أن ننافس سرعة المنصات، بل أننخلق داخلها لحظةً تستحق التمهّل؛ لحظةً يتوقف فيها القارئ عن التمريرليصغي إلى قصيدة.و ساهمت كثيرا في انتشار الدخلاء و التافهين و فرضبضاعتهم التالفة بجوار ملوك الإبداع…

قد يعجبك ايضا
∧