سمير السوره ميري
حين يقارن العراقيون بين نظام الأمس وحكام ما بعد عام 2003، لا ينبغي أن تُفهم هذه المقارنة بالضرورة بوصفها حنينًا إلى الماضي أو تبرئةً لما ارتكبه من قمع واستبداد وانتهاكات، بل قد تكون تعبيرًا عن خيبة أمل عميقة في الحاضر، واحتجاجًا على واقع لم يحقق الوعود التي رُفعت باسم الحرية والديمقراطية والتغيير، فالمقارنة هنا ليست بالضرورة بين ماضٍ مثالي وحاضرٍ سيئ، وإنما بين تجربتين مختلفتين في إدارة السلطة وإنتاج المعاناة، لكل منهما أدواتها ونتائجها وآثارها في حياة الإنسان وكرامته.
إن الذاكرة الشعبية لا تتحرك دائمًا بدافع الحنين، بل كثيرًا ما تستدعي الماضي حين يعجز الحاضر عن تبرير نفسه، فحين تتسع الهوة بين الوعود والواقع، يصبح الماضي مادةً للمقارنة، لا لأنه كان خاليًا من المآسي، بل لأن الحاضر لم ينجح في تقديم البديل الذي انتظره الناس، ولو استطاع حكام اليوم بناء دولة تقوم على النزاهة والكفاءة والعدالة، وتصون كرامة المواطن وتضمن حقوقه، لتراجعت مساحة تلك المقارنات، ولما وجد الماضي كل هذا الحضور في أحاديث الناس
من هنا، تبرز المفارقة الفلسفية بين نظامين اختلفا في البنية السياسية، لكنهما تركا أسئلة ثقيلة حول علاقة السلطة بالإنسان، وحدود القانون، ومعنى الدولة، ومصير الثروة الوطنية.
استبداد الأمس: حين تتحول إرادة الحاكم إلى قانون
كان النظام السابق يقوم على مركزية شديدة للسلطة، تتجمع فيها القرارات والإرادات حول الحاكم ومحيطه الضيق، لم يكن القانون، في كثير من الحالات، مرجعًا أعلى يحتكم إليه الجميع، بل كانت إرادة السلطة قادرة على تجاوزه أو تطويعه، حتى بدا الاعتراض عليها مخاطرة قد يدفع الإنسان ثمنها حريته أو حياته.
في مثل هذا النظام، لم يكن الظلم مجرد خلل عابر في إدارة الدولة، بل ارتبط بطبيعة الحكم وآليات بقائه فالقمع السياسي، وتقييد الحريات، وملاحقة المعارضين، والخوف من التعبير عن الرأي، جعلت المواطن يعيش تحت وطأة سلطة تتقدم إرادتها على حقوقه، ولم يكن القرب من الحاكم ضمانًا دائمًا للأمان، فقد يجد الإنسان نفسه مستهدفًا حين يتجاوز الحدود التي رسمتها السلطة أو يخرج عن دائرة الطاعة المطلوبة.
أما الثروة والامتيازات، فقد تركز جانب منها في أيدي فئة محدودة ترتبط بمراكز النفوذ، وكان النظام بقبضته المركزية، قادرًا على حشد موارد الدولة وتوجيهها وفق أولوياته، من دون رقابة مستقلة وفعالة تكفل مساءلة أصحاب القرار لقد كان استبداد ذلك العهد واضح المعالم في علاقته بالمواطن، سلطة تطلب الطاعة وتضيّق مساحة الاعتراض، وتضع بقاءها فوق حق الإنسان في الحرية والأمان، وكان الخوف أحد الأدوات التي حافظت بها على هيبتها، حتى صار الصمت في أحيان كثيرة وسيلةً لتجنب البطش، لا تعبيرًا عن الرضا.
ما بعد 2003: حين تتعدد مراكز النفوذ ويتسع مجال الفساد.
بعد عام 2003، تغيرت البنية السياسية للعراق، وتبدلت آليات توزيع السلطة، وأُنشئت مؤسسات دستورية، وأصبح المجال السياسي أكثر تعددًا من حيث الأحزاب والقوى ومراكز القرار، غير أن التحول في شكل النظام لم يؤدِّ، بمفرده، إلى ترسيخ دولة القانون أو إنهاء استغلال السلطة.
ففي ظل هذا الواقع، اتسعت الاتهامات بالفساد المالي والإداري، وتكررت ملفات العقود المشبوهة، وهدر المال العام، وضعف الرقابة والمساءلة، ولم تعد المشكلة، في نظر كثير من العراقيين، محصورة في استئثار دائرة ضيقة من المتنفذين بالامتيازات، بل أصبحت مرتبطة بشبكات نفوذ تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والحزبية، وتتنافس على موارد الدولة ومؤسساتها.
هنا يظهر الاختلاف الجوهري بين النموذجين: ففي النظام السابق، تركزت السلطة في قمة هرم سياسي شديد المركزية، بينما توزعت مراكز النفوذ بعد عام 2003 على قوى وأحزاب وشبكات متعددة، لكن تعدد مراكز السلطة لا يعني بالضرورة، تعدد مراكز الرقابة، كما أن وجود المؤسسات الدستورية لا يكفي لضمان استقلالها أو فاعلية القانون.
فالدولة لا تُقاس بعدد مؤسساتها، ولا بما تتضمنه دساتيرها من مبادئ، بل بقدرتها على تحويل تلك المبادئ إلى حقوق ملموسة، وإخضاع أصحاب النفوذ للمساءلة، ومنع المال العام من التحول إلى غنيمة تتنازعها المصالح.
وإذا كان الاستبداد يختزل الدولة في إرادة الحاكم، فإن الفساد يحوّل مؤسساتها، حين يستشري إلى أدوات تتنازعها المصالح الخاصة، وفي الحالتين يصبح المواطن هو الطرف الأضعف، وتفقد السلطة معناها بوصفها مسؤولية عامة، لتتحول إلى امتياز يُستخدم لمصلحة من يمتلك القدرة على توجيهها.
من ضحايا القمع إلى ضحايا الإهمال والفساد
لا تتشابه المآسي الإنسانية في أدواتها، لكنها قد تلتقي في نتائجها، ففي ظل الاستبداد قد يُسلب الإنسان حقه في الحياة أو الحرية بسبب موقف سياسي أو اعتراض على السلطة، وفي ظل الفساد وسوء الإدارة، قد يُحرم من حقوقه الأساسية، وتتبدد فرصه في العمل والتعليم والعلاج، ويجد نفسه عاجزًا عن تأمين مستقبل كريم لأسرته.
ولا يعني هذا أن صور المعاناة متطابقة، أو أن الإهمال الاقتصادي يعادل القتل السياسي في طبيعتهما، بل إن لكل منهما خطورته الخاصة، فالقتل والقمع اعتداء مباشر على الإنسان وحقوقه، أما الفساد المستشري فيستنزف مقومات الحياةالعامة، ويقوّض فرص المجتمع في التقدم، ويحوّل الثروة الوطنية من وسيلة للنهوض إلى مصدر للصراع والامتيازات، وتتضاعف الخسارة حين يغادر أصحاب الكفاءات والعقول البلاد، أو يُقصى العلماء والأكاديميون، أو يعجز الأطباء والمهندسون عن أداء أدوارهم في بيئة تفتقر إلى الاستقرار والعدالة، فخسارة العقول ليست مجرد أرقام تُضاف إلى الإحصاءات، بل هي خسارة للمعرفة والخبرة والذاكرة المهنية، وتراجع في قدرة الدولة على بناء مستقبلها.
حين يُقتل طبيب، أو يهاجر عالم، أو يُهمَّش أكاديمي، لا يخسر المجتمع شخصًا فحسب، بل يخسر جزءًا من قدرته على التعافي والنهوض، وهكذا يصبح الخراب أكثر عمقًا من تدهور الأبنية والطرقات، إنه تآكل في الإنسان الذي تقوم عليه الدولة، وفي الثقة التي يحتاج إليها المجتمع كي يستعيد عافيته.
الثروة الوطنية ومفارقة الفقر
لعل أكثر ما يثير التساؤل في التجربة العراقية المعاصرة هو التناقض بين ما يمتلكه البلد من ثروات طبيعية وموارد بشرية، وبين ما يواجهه المواطن من مشكلات اقتصادية وخدمية، فكيف لبلد غني بالنفط أن يعجز عن توفير خدمات مستقرة، وفرص عمل كافية، وبنية تحتية تليق بإمكاناته؟
إن هذا التناقض لا يمكن تفسيره بعامل واحد، ولا يصح اختزال جميع أسبابه في الفساد وحده، فالحروب والعقوبات والاضطرابات الأمنية والاختلالات البنيوية تركت آثارًا عميقة في الاقتصاد والمجتمع، غير أن استمرار مشكلات الإدارة والفساد وضعف التخطيط والمساءلة يجعل التعافي أكثر صعوبة، ويزيد الفجوة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المحققة.
إن الثروة لا تصنع الازدهار بمجرد وجودها، بل تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارتها، وسياسات تحول عائداتها إلى تنمية مستدامة، ونظام رقابي يمنع استغلالها لمصلحة فئات محدودة، وحين تنفصل الموارد عن احتياجات المواطنين، نصبح الوفرة الاقتصادية مفارقة مؤلمة، بلد يمتلك الكثير، لكن مواطنه لا يجد دائمًا ما يكفيه من الخدمات والفرص والضمانات.
والأخطر أن اعتياد الناس أخبار الفساد وهدر الأموال قد يؤدي إلى تطبيع الخلل في الوعي العام، حتى يبدو ما كان يُعد فضيحة أمرًا مألوفًا، وما كان يستوجب المساءلة خبراً عابرًا، وعندها لا تكون الخسارة مالية فحسب، بل أخلاقية أيضًا؛ لأن المجتمع يبدأ تدريجيًا بفقدان إحساسه بحدود المقبول، وبالمعنى الحقيقي للمسؤولية العامة.
الطائفية: حين تتراجع المواطنة أمام الهويات الفرعية
من أبرز التحولات التي شهدها العراق بعد عام 2003 تصاعد دور الانقسامات الطائفية في السياسة والمجتمع، ومع أن المجتمع العراقي عرف قبل ذلك انتماءات دينية ومذهبية وقومية متعددة، فإن توظيف هذه الانتماءات في الصراع على السلطة أسهم في جعلها، في مراحل مختلفة، عاملًا مؤثرًا في توزيع النفوذ والموارد والفرص.
فحين تُقدَّم الهوية الفرعية على المواطنة، تتراجع فكرة الدولة الجامعة، ويصبح الانتماء إلى جماعة سياسية أو طائفية، في بعض السياقات، أكثر تأثيرًا من الكفاءة والاستحقاق، وعندها لا يعود السؤال الأساسي: ماذا يستطيع المواطن أن يقدم لوطنه؟ بل: إلى أي جماعة ينتمي، ومن يقف خلفه، وما مقدار النفوذ الذي يستطيع الوصول إليه؟
إن خطورة هذا المسار لا تكمن في تنوع المجتمع، فالتنوع في ذاته ليس عيبًا، بل في تحويله إلى أداة لتقسيم المواطنين وتعبئتهم، وتوزيع الامتيازات بينهم على أسس لا تتفق مع مبدأ المساواة أمام القانون.
والدولة التي تعجز عن حماية المواطنة من الاستغلال السياسي، تترك المجتمع عرضةً لصراعات متكررة، وتضعف الثقة بين مكوناته، وتجعل بناء مشروع وطني مشترك أكثر صعوبة، وهكذا يتحول الانقسام من اختلاف اجتماعي يمكن إدارته إلى وسيلة لإدامة النفوذ وإعادة إنتاج الأزمات.
القانون بين سلطة الفرد وسلطة المصالح
في النظام الاستبدادي، كانت إرادة الحاكم قادرة على تجاوز القانون، لأن السلطة تركزت في شخصه ومحيطه، ولم تتوافر اليات مستقلة وفعالة تكبح نفوذه، أما في النظام الذي نشأ بعد عام 2003، فقد وضعت مؤسسات دستورية وقانونية يفترض أن تنظم العلاقة بين السلطات وتحمي حقوق المواطنين، لكن وجود النصوص لا يضمن وحده تطبيقها.
فالقانون لا يؤدي وظيفته لمجرد كتابته، بل حين يصبح ملزمًا للجميع، من المواطن البسيط إلى المسؤول الأعلى، وإذا استطاع صاحب النفوذ تعطيل المساءلة أو التأثير في الإجراءات أو الإفلات من العقوبة، فإن المشكلة لا تعود في نقص القواعد القانونية وحده، بل في ضعف المؤسسات التي يفترض أن تحميها.
وهنا تتجلى إحدى المفارقات الأساسية بين النظامين: في الأول كان الخلل مرتبطا بتركيز السلطة وغياب القيود الفعلية عليها، وفي الثاني يتمثل التحدي في قدرة المؤسسات على مقاومة نفوذ القوى السياسية والاقتصادية المتعددة، وضمان ألا تتحول التعددية إلى غطاء لتبادل المصالح والإفلات من المسؤولية.
فالقانون الذي لا يُطبَّق على الجميع يفقد شيئًا من شرعيته في الوعي العام، والدولة التي لا تستطيع محاسبة أصحاب النفوذ تفقد تدريجيًا قدرتها على إقناع مواطنيها بأن الحقوق لا تمنح بحسب الولاء، وأن العدالة ليست امتيازًا خاصًا بأصحاب القوة.
أزمة الثقة: الخراب الذي لا تراه العين
إن أخطر ما يصيب الوطن ليس الفقر وحده، ولا ضعف الخدمات، ولا حتى اتساع الفساد، بل أن يفقد المواطن إيمانه بأن الدولة تمثله، وأن القانون يحميه، وأن جهده لن يذهب سدى، وأن مستقبل أبنائه لا يتوقف على امتلاك النفوذ أو الحصول على استثناء.
حين يشعر المواطن بأن صوته لا يغير شيئًا، وأن المال العام يتبدد من دون مساءلة تتناسب مع حجم التجاوزات، وأن الفرص لا توزع دائمًا على أساس الاستحقاق، تتآكل العلاقة بينه وبين مؤسسات الدولة، وقد يتحول هذا الشعور إلى عزوف عن المشاركة العامة، أو هجرة بحثا عن حياة أكثر استقرارًا، أو انسحاب من المجال العام بعد فقدان الثقة بإمكان الإصلاح، وهذا هو الخراب الأعمق: أن تنهار الثقة قبل أن تنهار الأبنية، وأن يفقد المجتمع إيمانه بقدرته على التغيير قبل أن يفقد موارده، فالمؤسسات يمكن إعادة بنائها، والطرقات يمكن إصلاحها، والاقتصاد يمكن إنعاشه، لكن استعادة الثقة تحتاج إلى وقت طويل، وإلى أفعال ملموسة تثبت أن الدولة قادرة على تصحيح أخطائها ومحاسبة المسؤولين عنها.
ومن هنا، فإن المقارنة بين النظامين لا ينبغي أن تتحول إلى منافسة في تبرير الأخطاء أو المفاضلة بين أشكال المعاناة، بل إلى محاولة لفهم كيف يمكن للسلطة، مهما اختلف شكلها، أن تنحرف عن وظيفتها الأساسية: خدمة الإنسان وحماية حقوقه وإدارة الموارد العامة لمصلحته.
بين أمجاد الماضي وأوهام الحاضر
على امتداد قرونه الطويلة، عرف العراق الحروب والغزوات والانقسامات وسقوط الدول وقيامها، لكنه عرف أيضًا فترات من الازدهار الحضاري والعلمي والثقافي، ولم تكن استمراريته التاريخية نتيجة انتصار دائم أو استقرار متصل، بل ثمرة قدرة المجتمع على البقاء وإعادة بناء حياته، رغم ما تعرض له من محن.
غير أن استدعاء التاريخ لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للهروب من الحاضر، أو إلى خطاب يمجّد الماضي ويتجاهل ضحاياه، كما لا ينبغي أن يُستخدم لتبرير إخفاقات الحاضر بحجة أن البلاد ورثت أزمات معقدة، فالتاريخ ليس ملاذًا من المسؤولية، بل مصدرًا للفهم واستخلاص الدروس.
إن الأمجاد القديمة لا تعوض المواطن عن حقوقه المهدورة اليوم، كما أن الشعارات الحديثة لا تكفي لإقناعه بأن التغيير قد تحقق ما لم يلمس أثره في حياته، وبين ماض حمل ماسي الاستبداد وحاضر يواجه تحديات الفساد وضعف المؤسسات والانقسام، يبقى الإنسان هو المعيار الذي ينبغي أن تقاس به قيمة الأنظمة ونجاح التحولات السياسية.
فلا قيمة لدولة تتغنى بتاريخها إذا عجزت عن حماية حاضر أبنائها، ولا معنى لديمقراطية لا تتحول إلى عدالة ومساءلة ومساواة في الحقوق والواجبات، إن جوهر التغيير ليس استبدال أشخاص بآخرين، ولا نقل النفوذ من دائرة إلى دوائر متعددة، بل بناء نظام سياسي يمنع احتكار السلطة، ويحول دون استغلالها، ويضمن خضوع الجميع للقانون.
الخاتمة: من استبداد السلطة إلى استبداد المصالح
إن المقارنة بين نظام الأمس ونظام ما بعد عام 2003 تكشف اختلافًا في طبيعة السلطة وآليات ممارستها، لكنها تفتح في الوقت نفسه، سؤالًا فلسفيًا أعمق: هل يكفي تغيير شكل النظام السياسي كي يتحقق التغيير في حياة الإنسان؟ لقد أظهر الاستبداد كيف يمكن للسلطة حين تتركز في يد الحاكم أن تسلب الإنسان حريته وكرامته، فيما تكشف أزمة الفساد كيف يمكن لتعدد مراكز النفوذ، إذا غابت الرقابة والمساءلة الفعالة، أن يستنزف ثروات الدولة ويقوض ثقة المجتمع بمؤسساته.
وبين النموذجين، لا ينبغي أن نبحث عن ماضٍ نبرئه أو حاضر نبرره، بل عن الدروس التي تكشفها التجربتان، فالاستبداد لا يصبح أقل قسوة لأن الفساد يختلف عنه في أدواته، والفساد لا يصبح مقبولًا لأن النظام السابق مارس القمع، إن لكل منهما مسؤوليته وآثاره، ولا يجوز اتخاذ أحدهما ذريعة للتغاضي عن الآخر.
إنّ الدولة التي نحتاج إليها ليست تلك التي تطلب من مواطنيها الصمت باسم الاستقرار، ولا تلك التي تمنحهم حرية الكلام بينما تترك حقوقهم رهينة النفوذ والمصالح، بل الدولة التي تجعل القانون مرجعًا للجميع، والثروة الوطنية ملكا للمجتمع، والمواطنة أساسًا للحقوق، والمساءلة شرطًا لممارسة السلطة.
لقد ضاقت صدور العراقيين من تكرار الأزمات، لكن ضيق الصدور لا يعني موت الأمل، وربما كانت المقارنة بين الأمس واليوم محاولةً لفهم ما جرى، لا لتقديس الماضي أو تبرئة أخطائه، بل للبحث عن طريق يخرج العراق من دائرة الاستبداد والفساد والانقسام.
فالأوطان لا تنهض بتبديل الوجوه وحده، ولا بالشعارات التي تتغير مع تغير الحكام، بل حين تتغير العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويصبح الإنسان غاية الدولة لا وسيلة لبقائها، وتصبح الثروة أداة للبناء لا غنيمة للمتنفذين.
فالخراب وجهان: استبداد يسلب الإنسان حريته، وفساد يستنزف موارده، أما الخلاص، فلا يبدأ إلا حين يصبح الإنسان وحقوقه فوق إرادة الحاكم ومصالح أصحاب النفوذ.