هورين حسن
في الوقت الذي تستقبل فيه أربيل زوار معرضها الدولي للكتاب، وتفتح أبوابها أمام دور النشر والمؤسسات الثقافية والقراء، ينتظر الوسط الثقافي في قامشلو إجابةً عن سؤال لم تجب عنه الجهات المعنية حتى الآن: أين الدورة العاشرة من معرض الشهيد هركول الدولي للكتاب؟
ولماذا مرّ موعده المعتاد من دون إعلان رسمي، يحدّد مصيره أو يوضّح أسباب التأخير؟
لا يتعلق الأمر بمجرد تأخر فعالية ثقافية عن موعدها السنوي، بل بمصير تجربة استمرت عبر تسع دورات متتالية، وأصبحت مساحةً يلتقي فيها الكتّاب والناشرون والمثقفون والقراء.
ومع ذلك، لايزال مصير الدورة العاشرة غامضاً في ظل غياب توضيح رسمي، بشأن موعدها أو العقبات التي تحول دون إقامتها.
وتربط معلومات متداولة في الوسط الثقافي، تأخر المعرض بصعوبات التمويل والتغييرات الإدارية المرتبطة بعملية الدمج في سوريا، فيما ترجّح هذه المعلومات إقامته في أواخر تشرين الثاني أو خلال كانون الأول.
لكن هذه الاحتمالات لم تأكد رسمياً، ما يترك الناشرين والقراء أمام توقعات لا تستند إلى إعلان واضح.
بعد تسع دورات
لم يقتصر دور معرض الشهيد هركول على عرض الكتب وبيعها، بل أسهم في التعريف بالإصدارات الكردية والعربية وغيرها، و أتاح مساحةً للتواصل بين الناشرين والكتّاب والقراء .
واكتسبت أهميةً خاصة في منطقة، واجهت سنواتٍ من الحرب والأزمات الاقتصادية والتحديات السياسية، إذ مثل موعداً ثقافياً ينتظره المهتمون بالكتاب.
لهذا، لا يمكن اختزال غياب الدورة العاشرة في تأخر إداري عابر، فاستمرار المعرض عبر تسع دورات، يجعل الحفاظ عليه مسؤولية ثقافية، تتجاوز الجهة المنظمة.
وإذا كانت هناك عقبات مالية أو إدارية، فمن حق الجمهور معرفة طبيعتها، ومن واجب الجهات المعنية توضّيح ما يجري بدلاً من ترك الوسط الثقافي يتداول التوقعات بحثاً عن إجابة.
الثقافة والدمج
قد تفرض التحولات الإدارية والمؤسساتية في سوريا، تحديات تتعلق بتوزيع الصلاحيات والموارد وتحديد الجهات المسؤولة، لكن إعادة ترتيب المؤسسات، لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتعليق الفعاليات الثقافية أو ترك مصيرها غامضاً.
وإذا كان التمويل هو العائق، فمن الضروري توضيح المشكلة والبحث عن بدائل تضمن استمرار المعرض.
أما إذا أدى الدمج إلى تغيير الجهة المسؤولة أو إرباك الصلاحيات، فمن واجب المؤسسات المعنية تحديد الجهة التي تتولى التنظيم والإعلان عن خطتها العاشرة.
فنجاح أي عملية دمج لا يُقاس بمجرد توحيد الهياكل الإدارية أو إعادة توزيع المسؤوليات، بل بقدرتها على ضمان استمرار المؤسسات والأنشطة التي تخدم المجتمع.
ولا ينبغي أن تكون الثقافة أول مَن يدفع ثمن الارتباك الإداري، أو أن تتحول إلى ملف مؤجل، كلما تغيرت الصلاحيات أو تعثرت الميزانيات.
أربيل تحتفل .. وقامشلو تنتظر
تطرح إقامة معرض أربيل الدولي للكتاب في هذه الفترة مفارقةً تستحق التأمل.
ففي أربيل، تتواصل دورة جديدة بمشاركة واسعة من دور النشر والمؤسسات الثقافية، بينما لا يزال مصير معرض الشهيد هركول في قامشلو غامضاً.
ولا تعني هذه المقارنة أن ظروف المدينتين متطابقة، أو أن إمكاناتهما المالية والتنظيمية واحدة، كما أنها لا تجعل معرض أربيل مسؤولاً عن غياب معرض قامشلو، لكنها تفتح باباً مشروعاً للتساؤل عن الأولويات الثقافية، وعن قدرة المؤسسات على حماية الفعاليات التي رسخت حضورها على مدى سنوات.
وتتداول أوساط ثقافية معلومات عن دعوة مؤسسات من روجافا إلى معرض أربيل، من بينها” منشورات شلير”، لكن تفاصيل هذه الدعوات لم تتوافر في صورة أدلة منشورة تؤكدها.
وإذا تأكدت هذه المشاركة، فستكون فرصةً لتعزيز التواصل بين المؤسسات والناشرين، لكنها لن تجيب وحدها عن السؤال الأساسي: ما مصير معرض الشهيد هركول؟
فالمشاركة في المعارض خارج المنطقة مهمة للتعريف بالإنتاج الثقافي وبناء العلاقات بين الناشرين، لكن الحفاظ على الفعاليات المحلية لا يقل أهميةً عنها.
والمطلوب ليست المفاضلة بين المدن، بل بناء مشهد ثقافي مترابط، تتكامل فيه الجهود وتصان فيه الفعاليات المحلية.
صمت وغموض
تكمن المشكلة في أن الناشرين والكتاب والقراء، لا يملكون حتى الآن موعداً واضحاً يمكنهم الاعتماد عليه.
فالناشر يحتاج إلى وقت لترتيب مشاركاته، والكاتب يحتاج إلى معرفة موعد الفعالية، والقارىء من حقه أن يعرف ما إذا كان المعرض سيقام أم لا؟
ولا يتطلب الأمر بيانات مطوّلة أو تبريرات إنشائية، بل إعلاناً واضحاً يحدد مصير الدورة العاشرة والجهة المسؤولة عن تنظيمها.
فإذا كان المعرض سيقام قبل نهاية العام، فمن الضروري الإعلان عن موعده ومكانه، وإذا تعذرت إقامته فمن حق الجمهور معرفة ذلك أيضاً.
إن ترك هذا الملف من دون توضيح يوسع دائرة الغموض، ويضعف الثقة بقدرة المؤسسات على إدارة الحياة الثقافية، خلال مرحلة التحولات، فالصمت لا يحل مشكلة التمويل ولا يوضح الصلاحيات، ولا يمنح الناشرين والقراء إجابة عن سؤالهم.
الثقافة أولاً
بعد تسع دورات، لم يعد مستقبل معرض هركول مسألة هامشية أو فعالية إضافية في جدول مزدحم، بل أصبح سؤالاً عن مكانة الكتاب وقدرة المؤسسات على حماية ما تحقق.
وقد تتيح الظروف الحالية فرصةً لإعادة تنظيم العمل الثقافي والبحث عن حلول مستدامة للتمويل.
في أربيل، يعرف الجمهور موعد معرض الكتاب، بينما لا يزال جمهور قامشلو ينتظر معرفة مصير معرض هركول، وبين المشهدين، لا تكمن القضية في المقارنة بين مدينتين، بل في مسؤولية المؤسسات عن ضمان استمرار الحياة الثقافية، مهما تبدلت الهياكل الإدارية وتغيرت الظروف المالية.
لا تصون الشعارات الثقافة، ولا تضمن التوقعات المتداولة استمرارها.
ما تحتاج إليه الثقافة اليوم هو قرار واضح، ومسؤولية معلنة، وإرادة ترى في الكتاب ضرورةً للمجتمع، لا فعاليةً يمكن تأجيلها إلى أجل غير معلوم.