الإبداع الثقافي بديل لخطاب الكراهية والتطرف

قاسم علي خضر*

يتم التداول في السياقات الثقافية والإعلامية المعاصرة هذه الأيام لمقولة فكرية حديثة للتأكيد على دور القوة الناعمة في مواجهة الأزمات، وهي مقولة تنص على أن “الكلمة حين تتحول إلى أداة لإقصاء الآخر، تصبح الثقافة خط الدفاع الأول عن الإنسان، وحين تُزرع الكراهية في العقول، يصبح الإبداع أحد أهم السبل لاستعادة لغة الحوار”.
ومن هنا، فإن معركة المجتمعات المعاصرة مع خطاب الكراهية والتطرف لم تعد تدور في ساحات الصراع وحدها، بل انتقلت إلى الفضاء العام، وإلى المدارس والجامعات ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لفكرة متطرفة أو صورة نمطية أو خطاب تحريضي أن ينتشر خلال دقائق، عابراً الحدود والمسافات، ومؤثراً في وعي الأفراد والجماعات. وفي عالم تتداخل فيه الثقافات والهويات بصورة غير مسبوقة، باتت القدرة على إدارة الاختلاف واحترام التنوع شرطاً أساسياً لحماية السلم الاجتماعي وبناء مستقبل أكثر أمناً وإنسانية.
إن خطاب الكراهية لا يولد فجأة، ولا يبدأ بالضرورة بدعوة صريحة إلى العنف. فقد يبدأ من مفردة تزدري جماعة معينة، أو نكتة تكرّس صورة نمطية، أو خطاب يصوّر المختلف بوصفه تهديداً، ثم يتراكم ويتحول تدريجياً إلى خوف، فالخوف إلى رفض، والرفض إلى إقصاء، وقد ينتهي الأمر إلى التطرف والعنف. ولهذا، فإن مواجهة الكراهية لا يمكن أن تقتصر على معالجة نتائجها بعد وقوعها، بل تتطلب الاشتغال على جذورها الفكرية والثقافية، وإعادة بناء الوعي الذي يسمح للإنسان بأن يرى في الآخر شريكاً في الإنسانية، لا خصماً دائماً. وهنا تحديداً تظهر أهمية الثقافة، لا بوصفها نشاطاً نخبوياً أو ترفاً فكرياً، وإنما بوصفها واحدة من أهم أدوات بناء الوعي المجتمعي. فالكتاب يستطيع أن يعرّفنا بعالم لم نعشه، والرواية يمكن أن تجعلنا نرى الحياة من زاوية إنسان آخر، والمسرح يضع الأسئلة الصعبة أمام الجمهور، والسينما تمنح المختلف وجهاً وصوتاً وقصة، فيما تستطيع الموسيقى والفنون البصرية أن تتجاوز الحواجز اللغوية والدينية والقومية لتصل مباشرة إلى المشاعر الإنسانية.
أما الإبداع، فهو لا يكتفي بتقديم إجابات جاهزة، بل يفتح الأسئلة ويحرّك التفكير ويكسر القوالب الجامدة. وهذه القدرة على إعادة النظر في الأفكار الموروثة والصور النمطية تجعل منه قوة ناعمة في مواجهة التطرف، خصوصاً بين الشباب الذين يشكلون الفئة الأكثر حضوراً في الفضاء الرقمي والأكثر تعرضاً لتدفق المحتوى المتنوع، بما فيه المحتوى التحريضي والمتطرف.
وفي هذا السياق، تصبح الجامعة والمدرسة والمراكز الثقافية والمؤسسات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي ساحات أساسية لصناعة الوعي. فالتعليم الذي يعلّم الطالب كيف يفكر، لا ماذا يفكر فقط، يمكن أن يكون حصناً في وجه التطرف، والثقافة التي تمنح الشباب مساحة للتعبير والمشاركة تستطيع أن تحوّل طاقاتهم من الاحتقان إلى الإبداع، والإعلام الذي يقدّم الاختلاف بمسؤولية يمكن أن يسهم في بناء جسور التفاهم بدلاً من تكريس الانقسام.
لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات التي حاولت إلغاء التنوع لم تنجح في إلغاء الاختلاف، وإنما دفعته غالباً إلى مساحات أكثر توتراً. أما المجتمعات التي اختارت الحوار والثقافة والانفتاح، فقد وجدت في التنوع مصدراً للقوة والتجدد. ولذلك، فإن الاستثمار في الثقافة والفنون والتعليم ليس استثماراً في الجمال والمعرفة فحسب، بل هو استثمار في السلم الاجتماعي وفي قدرة المجتمع على مقاومة الأفكار التي تقوم على الإقصاء والتعصب.
وفي عصر المنصات الرقمية، تتضاعف المسؤولية. فالمحتوى الثقافي والإبداعي لم يعد ينتظر قارئاً يدخل مكتبة أو متحفاً أو مسرحاً، بل يستطيع الوصول إلى ملايين الأشخاص عبر شاشة الهاتف. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنتاج خطاب ثقافي حديث، جذاب ومؤثر، لا يكتفي بالوعظ، بل ينافس خطاب الكراهية بلغته وأدواته وسرعته، ويقدم للشباب رواية أخرى عن العالم: رواية تقوم على التعدد والاحترام والتعاون، وتؤكد أن الاختلاف يمكن أن يكون بداية للحوار لا ذريعة للصراع.
ففي الوقت الذي تسعى فيه الكراهية إلى اختزال الإنسان في هويته، تسعى الثقافة إلى اكتشاف إنسانيته. وفي الوقت الذي يبني فيه التطرف الجدران بين “نحن” و”هم”، يحاول الإبداع أن يفتح الأبواب بين التجارب والحكايات والهويات. ومن هنا، فإن الدفاع عن الثقافة ليس دفاعاً عن الكتب والفنون وحدها، بل دفاع عن حق المجتمعات في الاختلاف، وعن حق الإنسان في أن يعيش هويته دون أن يحوّلها إلى سلاح ضد الآخرين.

مدير مركز جسور للثقافة والاعلام والتطوير
centerjusour@gmail.com

قد يعجبك ايضا
∧