لا تزرع أحلامك في أرضٍ يرويها اليأس

ياسين الحديدي – كركوك

المقال مستوحى من مقال بعنوان «لكن…»

يقولون: «لا تزرع أحلامك في أرضٍ يرويها اليأس»، لأن بعض البذور تقتلها التربة قبل أن تتاح لها فرصة الإنبات. وهذا، للأسف، ما حدث لأحلامنا نحن العراقيين؛ زرعناها في أرضٍ بور، يرويها الفاسدون باليأس كل يوم، ثم جلسنا ننتظر حصادها، من دون أن ندرك أن الأرض التي لا تصلح للزراعة لن تمنحنا إلا الخيبة.

لم تكن المشكلة في البذرة؛ فقد كانت نقية، وكانت أحلامنا بسيطة ومشروعة: وطن آمن، وكهرباء لا تنقطع، وتعليم يحترم عقول الشباب، وفرصة عمل تحفظ كرامة الإنسان وتمنحه الأمل بمستقبل أفضل. لكن المشكلة كانت في التربة، وفيمن يتولى سقيها.

الوهم القاتل

لعل أكبر أوهامنا أننا راهنّا على الخير في أشخاص لم يقدموا ما يثبت حرصهم على مصلحة الوطن والمواطن. رأيناهم يبتسمون لنا قبل الانتخابات، فظننا أن ابتساماتهم تعبير عن المحبة والاهتمام، ولم ندرك أنها قد تكون مجرد وسيلة لاستمالة أصواتنا وتحقيق مصالحهم.

وفي كل مرة نقع في الفخ نفسه، ونكرر الخطأ ذاته؛ نصفق اليوم للأيدي التي صفعتنا بالأمس، ونمنح ثقتنا لمن خذلونا مراراً، وكأننا لم نتعلم من تجاربنا السابقة.

أصبح الشاب العراقي أشبه بفلاح يزرع القمح في أرضٍ غير خصبة؛ يحرث ويتعب ويسهر، ثم لا يعرف إن كان سيحصد شيئاً من تعبه أم لا. وفي نهاية المطاف، يأتي غيره ليجني الثمار ويستأثر بالحصاد.

وأصبح أشبه بعامل يحمل مطرقته، لكنه لا يجد عملاً يؤديه؛ يلوّح بها في الهواء من دون مسمار يدقّه أو جدار يبنيه. وأشبه بفلاح يحمل منجله، لكنه لا يجد ما يحصده. مشاهد تختصر حجم الطاقات المهدورة، والأحلام المؤجلة، والجهود التي تتبدد في واقع لا يمنح أبناءه ما يستحقونه من فرص.

بين الشكوى والصمت

والأكثر إيلاماً أننا، رغم كل ما مررنا به من خيبات، ورغم قسوة الظروف وتراجع مستوى المعيشة وتراكم الأزمات، ما زلنا في كثير من الأحيان نكتفي بالشكوى والصمت.

نشتكي في المقاهي، وفي سيارات الأجرة، وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ونعبّر عن غضبنا واستيائنا، ثم نعود إلى حياتنا المعتادة، لنكرر في اليوم التالي الشكوى ذاتها، وكأن شيئاً لم يكن.

لكن إلى متى سنظل ندور في هذه الحلقة المفرغة؟ وإلى متى ستبقى أصواتنا محصورة في مجالسنا ومنشوراتنا، من دون أن تتحول إلى وعيٍ ومواقف مسؤولة تسهم في تغيير الواقع؟

نعم، لنكن صريحين مع أنفسنا ولو لمرة واحدة: لقد أسهمت خياراتنا الانتخابية في إيصال بعض من خيّبوا آمالنا إلى مواقع السلطة، كما أسهم صمتنا عن الخطأ، وتسامحنا مع الفساد، وتراجع محاسبتنا للمقصرين، في اتساع مساحة الخلل حتى أصبح جزءاً من واقعنا اليومي.

لسنا وحدنا المسؤولين عن كل ما يحدث، فالمسؤولية الأساسية تقع على عاتق من تولوا إدارة شؤون البلاد وأخلّوا بواجباتهم، لكن مسؤوليتنا كمواطنين تفرض علينا ألّا نمنح ثقتنا بلا حساب، وألّا نقبل بالفساد وكأنه قدر لا يمكن تغييره، وألّا نسمح لليأس بأن يصادر حقنا في المطالبة بوطن أفضل.

متى نغيّر التربة؟

لا تلوموا التربة وحدها؛ بل راجعوا أيضاً خيارات اليد التي تصرّ على الزراعة في الأرض نفسها، رغم معرفتها المتكررة بأنها لا تنتج إلا الخيبة. فالتغيير يبدأ حين نتعلم من أخطائنا، ونراجع مواقفنا، ونختار على أساس الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة الناس، لا على أساس الشعارات والوعود والولاءات الضيقة.

إن بناء الوطن لا يتحقق بالشكوى وحدها، ولا بالاستسلام لليأس، بل بالوعي والمساءلة والمشاركة المسؤولة، وبالإصرار على أن تكون مصلحة العراق فوق المصالح الشخصية والحزبية.

فمتى نغيّر التربة التي أرهقت أحلامنا؟ ومتى نغيّر الساقي الذي لا يمنحنا سوى اليأس؟ ومتى نتعلم أن نزرع أحلامنا في أرضٍ نرويها نحن بالأمل والعمل والإرادة، لا في أرضٍ يرويها الآخرون بالوعود الكاذبة والإحباط؟

إنه السؤال الذي سيظل معلقاً ما دمنا نكتفي بترديده، ولن نجد إجابته الحقيقية إلا حين نترجم وعينا إلى فعل، وغضبنا إلى موقف مسؤول، وأحلامنا إلى خطوات جادة نحو التغيير.

قد يعجبك ايضا
∧