أنس الشيخ مظهر
خرجت وكالة «تسنيم» الإيرانية برواية جديدة تقول إن أوكرانيا نشرت آلاف الطائرات المسيّرة الصغيرة في إقليم كوردستان لتهاجم بها العمق الإيراني. وإذا بحثت في مصدر الاتهام ستراه مجهولا لا اسم له ولا صفة، وكلام دون دليل ولا صورة ولا موقع… وقد جاء النفي الأوكراني فور صدوره، فسقطت الحكاية قبل أن يجف حبرها. لكنها لم تُنسَ، بل أُضيفت إلى سلسلة طويلة من الاتهامات التي توجهها طهران إلى إقليم كوردستان منذ سنوات، سلسلة لا يتغير فيها شيء سوى عنوان الحلقة. فلطهران مع هذا النوع من الأخبار تاريخ يعرفه الجميع , يبدا باتهام، ثم قصف، ثم يظهر أن الاتهام كان فارغاً. وفي كل مرة يضيع الدليل الغائب تحت الركام، ولا يبقى إلا الضحايا شهوداً على الحقيقة.
وأول ما يسقط هذا الاتهام هو الوضع الاوركراني نفسه . فكييف تخوض منذ سنوات حرب بقاء على أرضها. تستجدي حلفاءها كل أسبوع لتحصل على صواريخ الدفاع الجوي وقذائف المدفعية، وتحسب كل طائرة مسيّرة تنتجها لأن جبهتها تبتلع المئات منها يومياً. والمسيّرات هي سلاحها الأثمن في هذه الحرب، تعتمد عليها في ضرب خطوط الإمداد وحماية مدنها ومواجهة قوة تفوقها عدداً. فكيف يصدق عاقل أن دولة بهذا الوضع تتبرع بآلاف القطع من أغلى أسلحتها وترسلها إلى جبال بعيدة آلاف الكيلومترات عن جبهتها، لتفتح بها حرباً ضد إيران؟ إي دولة غبية تفعل ذلك ، كيف لاوكرانيا ان تخفف الضغط عن روسيا لحساب جبهة لا ناقة لها فيها ولا جمل. ثم إن نقل آلاف المسيّرات عبر الحدود والأجواء، وتخزينها وتشغيلها، يحتاج إلى خطوط إمداد ومخازن وأطقم وتصاريح مرور، ولا يمكن إخفاؤه عن أجهزة الاستخبارات التي تتباهى طهران بها ليل نهار. فإن كان ما قيل صحيحاً فالفضيحة فضيحة إيران قبل أن تكون فضيحة غيرها ,فكيف لم ترصد أجهزتها شيئاً من هذا؟ وإن كان كاذباً فلماذا لم تعرض صورة أو حطاماً أو موقعاً واحداً، وهي التي تعرض حطام كل مسيّرة تسقطها؟
لكن أغرب ما في الرواية ليس هذا، بل الانتقاء الذي بُنيت عليه. فالمصدر نفسه، كما نقلت الوكالة، يقول إن هذه المسيّرات نُشرت في عدة دول وليس في كوردستان وحدها. فإن كان هناك فعلاً شبكة ممتدة عبر دول عدة، فلماذا ذكر اسم كوردستان وحدها وأحجم عن تسمية أي دولة أخرى؟ هذا السؤال هو مفتاح القصة كلها. فالدول الأخرى، لو سُمّيت، ستردّ رداً رسمياً وتطالب بالدليل وتقف أمام مجلس الأمن وتتحدث بلغة الدولة إلى الدولة. وأما الإقليم، في حسابات طهران، فهو الهدف الأسهل , فهو لا يملك مقعداً في الأمم المتحدة، ولا يستطيع أن يردّ بلغة الدول , وايران تعرف ان العراق لن يفعل ذلك ولن يحرجها ، وتستطيع طهران أن تضغط من خلال بغداد على الاقليم وتقصفه ثم تقول إنها كانت تدافع عن نفسها. هكذا تتحول الجغرافيا إلى تهمة. وهكذا يصبح الغموض المقصود في حق الجميع وضوحاً قاتلاً في حق طرف واحد. وهذا لا يدل على أن المصدر يبحث عن الحقيقة، بل على أنه يختار ضحيته قبل أن يجمع أدلته.
وما يؤكد هذه القراءة أن السجل لا يكذب. ففي عام 2022 قصفت إيران أربيل بحجة استهداف «موقع للموساد»، وقال المسؤولون العراقيون إنهم لم يجدوا أي دليل على ذلك. وفي يناير 2024 قصفت مرة أخرى بالحجة نفسها، فإذا بالموقع منزل عائلة رجل أعمال كوردستاني ومدنيين لا علاقة لهم بأحد. وبذلك صار لدينا نمط واضح … اتهام ثم صواريخ ثم تحقيق يثبت براءة الضحايا بعد فوات الأوان. ومن لديه هذا السجل، لا يحق له أن يطلب من أحد تصديق رواية جديدة دون دليل.
وهنا يدخل القانون. فميثاق الأمم المتحدة يمنع في مادته الثانية استخدام القوة ضد سيادة أي دولة، ولا يستثني من ذلك إلا الدفاع عن النفس بموجب المادة 51، والمشروط بوقوع هجوم مسلح فعلي، وبأن يكون الرد ضرورياً ومتناسباً، وبأن يُبلَّغ مجلس الأمن فوراً. وفي كل ما قدمته طهران لا نجد هجوماً واحداً وقع من كوردستان على إيران، فكل ما لديها خوف مفترض ونية منسوبة إلى الآخرين، وهذا لا يكفي لتسويغ قصف مدينة. ثم إن محكمة العدل الدولية قررت في قضية الكونغو وأوغندا أن وجود جماعات مسلحة فوق أرض دولة لا يجعل تلك الدولة مسؤولة عن أفعالها، ولا يعطي جارتها حق ضربها. وفي حالتنا، لا أحد يتهم العراق ولا الإقليم بتدبير أي هجوم أصلاً، فكيف يُقصف؟ يضاف إلى ذلك أن القانون الإنساني يوجب التمييز بين المقاتل والمدني، وقصف منزل عائلة في يناير 2024 ليس خطأً تقنياً، بل هجوم على هدف مدني لا دليل على أي صفة عسكرية له. وهو بحسب قواعد مسؤولية الدول يلزم صاحبه بالتوقف عن الفعل وضمان عدم تكراره والتعويض عن الأضرار، وهذا حق لكوردستان ولضحاياه، وليس منّة من أحد.
والأهم من ذلك أن مسؤولي الإقليم صرّحوا مراراً بأنه لم تنطلق طلقة واحدة من كوردستان باتجاه إيران على مدى السنوات الماضية ولغاية اليوم. وهذا تصريح سهل الاختبار , فلتُخرج طهران حادثة واحدة موثقة تنقضه. ولم تفعل حتى اليوم، لأنها لا تملك. فكيف تُبنى الضربات على اتهام لا تسنده واقعة واحدة، بينما تنفيه سنوات كاملة من الهدوء على الحدود؟
والمفارقة أن إيران نفسها تحتج بهذه النصوص حين يكون الاعتداء عليها. ففي حرب حزيران 2025 وقفت أمام العالم تقول إن ضرب أراضيها انتهاك للميثاق ولسيادتها، وطلبت من الأمم المتحدة التحرك. وهذا حقها. لكن من يطالب الناس بحماية حدوده بنص قانوني لا يستطيع أن يمزق النص ذاته كلما عبر حدوده الغربية. فإما أن تكون السيادة مبدأً للجميع، وإما أن تسقط حجة من يطالب بها لنفسه وحده.
ولا يقل الأمر وضوحاً عند النظر في اتفاق مارس 2023 الأمني بين بغداد وطهران بشأن الجماعات الكوردية الإيرانية المعارضة. فقد نُقلت تلك الجماعات من مواقعها الحدودية إلى معسكرات داخلية، ونُشرت قوات على الحدود، أي أن الطرف العراقي نفّذ ما عليه. ومع ذلك استمر القصف بعد الاتفاق وبعد التنفيذ. فإن كان الاتفاق هو الحل فلماذا تقصف؟ وإن كان غير كافٍ في نظرها فهذا يعني أنها لا تريد حلاً، وإنما تريد ذريعة دائمة تفتح بها الباب كلما احتاجت. وفوق ذلك كله، فإن الضغط لإجبار معارضين كورد إيرانيين على الرحيل أو التسليم إلى بلد يخشون فيه الاضطهاد يصطدم بمبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو قاعدة راسخة في القانون الدولي.
ثم تأتي حلقة بغداد لتكمل المشهد. فالاجتماع الأمني الأخير بين مسؤولين عراقيين وإيرانيين ناقش ملف الأحزاب الكوردية الإيرانية والترتيبات الحدودية، وتلك مناطق تقع إدارياً وجغرافياً تحت سلطة حكومة إقليم كوردستان، ومع ذلك لم تُوجَّه دعوة رسمية لأربيل. وهذه ليست هفوة بروتوكولية، بل مشكلة عملية قبل أن تكون سياسية , فالاتفاق الذي يُوقَّع في غياب من سيطبقه على الأرض لا ينجح، وحين يفشل تكون الذريعة جاهزة عند الطرف الأقوى ليقول إن الاتفاق لم يُحترم، ويقصف. وبهذا المعنى فإن تغييب أربيل لا يضرها وحدها، بل يضعف موقف بغداد نفسها ويسلّم طهران سلاحاً تستعمله ضد الجميع.
وهنا نصل إلى السبب الحقيقي الذي لا يُقال. فالمشكلة ليست في أمن إيران، بل في صورتها أمام جمهورها. الشارع الإيراني يرى أن بلاده عجزت عن تحقيق إنجاز حقيقي في مواجهتها مع أمريكا، ويسأل أين النصر الذي وُعد به. والنظام الذي لا يستطيع أن يقدم لجمهوره انتصاراً على خصم قوي، يحتاج إلى انتصار بديل يعرضه عليه. وأسهل انتصار هو ذلك الذي يُحقَّق على عدو لا يملك دفاعاً جوياً ولا قدرة على الرد. فيُصنع هذا العدو برواية مسيّرات أوكرانية مرة، ووجود قواعد للموساد مرة اخرى , لتُقصف أربيل ويُعلَن للناس أن «العدو» ضُرب وأن الأمن صان نفسه. هكذا يتحول القصف على مدينة آمنة إلى بطولة تُسوَّق في نشرات الأخبار. لكن بطولة تُنجَز على من لا يقاتلك ليست بطولة، والجمهور الذي يرى بعينيه أن الخصم الحقيقي بعيد عن متناول الصواريخ سيعرف عاجلاً أم آجلاً أن ما قُدِّم له كان تعويضاً عن الإنجاز لا إنجازاً.
ولهذا فإن المطلوب أبعد من الاستنكار. المطلوب أن يوثَّق كل اتهام وكل قصف وكل نتيجة تحقيق في ملف رسمي واحد، تقدمه الدولة العراقية، وهي صاحبة الصفة أمام الأمم المتحدة، إلى مجلس الأمن، مع المطالبة بالتعويض عن الأضرار. والمطلوب أن يُربط أي اتفاق أمني مقبل بوقف الاستهداف وبحضور أربيل على الطاولة. والمطلوب أن يُقال لطهران بوضوح ابثتي اتهاماتك، فإما أن تقدّمي دليلاً للجهات المختصة وإما أن تتوقفي عن ترويج الاكاذيب والكلام المرسل.