الى البرلمانيين الكورد…طمأنتكم تقلقنا

انس الشيخ مظهر

كلما فُتح باب تعديل الدستور في بغداد، سارع الكورد إلى رفع شعار «لا تعديل من دون موافقة الكورد»، وكأنه تعويذة تغني عن العمل السياسي وتُسقط كل مشروع تعديل قبل أن يولد. وهذه المرة لم يختلف المشهد، فقد خرج برلمانيون كورد يبشّرون جمهورهم بأن الأمور تحت السيطرة، وأنه لن يمر اي تعديل دون موافقتهم. ولست أدري من أين جاء الإخوة بهذه الثقة، ولا إلى أي سند استندوا، فالكتف لا تؤكل بالشعارات. نعم، في الدستور بنود تمنع أي تعديل يمس صلاحيات الإقليم ما لم يوافق عليه برلمانه وأغلبية مواطنيه، لكنها لا تحسم المسألة الأهم، وهي أن الجهة التي تقرر ما إذا كان التعديل ينتقص من صلاحيات الإقليم هي التي تحدد متى تلزم موافقة الكورد أصلاً. فالنص الذي يحمي كوردستان لا يطبّق نفسه بنفسه، وقد تُسحب الصلاحيات من الإقليم من دون أن يُمسّ حرف من الدستور، إما بتغيير القواعد التي تُمارَس بها، وإما بنقل أدوات القرار إلى المركز مع بقاء النص على حاله. ومن يطمئن جمهوره بنص لا يملك تفسيره، فإنما يبيعه وهماً دون ضمانة.

فما تقوله النصوص فعلاً أقل بكثير مما يُروَّج له. فالمادة 142 تتيح رفض التعديل إذا صوّت ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر ضده، وتمنع المادة 126/رابعاً أي تعديل ينتقص من صلاحيات الأقاليم غير الحصرية للاتحاد إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم وأغلبية مواطنيه في استفتاء. هذه حمايات جدية، لكنها ليست حق نقض عاماً بيد كوردستان، وهي لا تعمل إلا بعد أن تُحسم مسألتان سابقتان عليها وهما :-

1- تحديد ما إذا كان التعديل ينتقص فعلاً من صلاحيات الإقليم.
2- تحديد الجهة التي تقرر ذلك.
وعند هاتين المسألتين يسقط خطاب الطمأنة، وتظهر الثغرات التسع الآتية، وكان على النواب الكورد أن يضعوها على الطاولة قبل أن يطلقوا تطميناتهم.

1. الجهة التي تفصل عملياً في هذا النزاع هي المحكمة الاتحادية العليا، وهي تعمل بتشكيل موروث من قانون سابق للدستور، لأن القانون الذي توجبه المادة 92 لإعادة تشكيلها لم يُشرَّع حتى اليوم. وقد دعا الرئيس مسعود بارزاني في تشرين الثاني 2025 إلى إنشاء المحكمة الاتحادية ومجلس الاتحاد وفق الدستور، بوصفهما ضمانتين ضروريتين للإقليم والعراق، وهو أساس لا يحضر في خطاب التطمين الدائر اليوم. وأثر التفسير ظاهر من دون أي تعديل، ففي 15 شباط 2022 قضت المحكمة بعدم دستورية قانون النفط والغاز لإقليم كوردستان رقم 22 لسنة 2007 وإلغائه. ولا يعني ذلك أن كل حكم قضائي ينتقص من صلاحيات الإقليم، لكنه يثبت أن النص المكتوب لا يحمي صاحبه إذا تغيّرت قراءته، وأن الكورد يتمسكون بضمانة يفسّر معناها طرف لم يشاركوا في تشكيله.

2. صلاحيات الإقليم تُعرَّف في الدستور بالنفي، فكل ما ليس اختصاصاً حصرياً للاتحاد في المادة 110 يبقى للإقليم بحكم المادتين 115 و121/ثانياً، ويُرجَّح قانونه عند التعارض. وعليه فأقصر طريق لتقليص الصلاحيات ليس حذفها بل توسيع قائمة المادة 110. وثمة حجة قانونية لم تُطرح علناً لكن خصماً ذكياً قد يستخدمها وهي انه ما دام التعديل يضيف بنداً إلى الاختصاصات الحصرية، فهو لا يمس «صلاحيات غير حصرية» لأن البند اصبح حصرياً بنص التعديل نفسه، فلا تنطبق المادة 126/رابعاً. وهي حجة قابلة للدحض، لكنها تنقل المعركة من البحث في موافقة الكورد إلى البحث في انطباق الحماية أصلاً، وهي مسألة ستفصل فيها المحكمة نفسها. ولنفترض تعديلاً بعنوان «إخضاع إدارة الثروة النفطية وتسويقها لسياسة اتحادية موحدة تضمن عدالة توزيع الإيرادات»، فهو عنوان يبدو منصفاً، لكن الحكم عليه يتوقف على مضمونه , فان نظّم التنسيق بين بغداد وأربيل فهو مقبول، وإن منح المركز القرار النهائي في العقود والإنتاج والتسويق فهو تقليص فعلي لدور الإقليم. (وهذا مثال افتراضي لا مقترح معلن.) والمنطق نفسه ينطبق على الموازنة والرواتب، فالرقابة المالية والشفافية مطالب مشروعة، لكن الخلافات المتكررة بين بغداد وأربيل أثبتت أن وجود الحق في النص لا يمنع النزاع على احتسابه وشروط تنفيذه.

3. يخطئ من يتعامل مع تعديل الدستور كأنه تشريع عادي يملك مجلس النواب حسمه. فللمجلس دور حقيقي، إذ يحق لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين أو لخُمس أعضاء المجلس اقتراح التعديل، ثم يجب أن يوافق عليه ثلثا أعضاء المجلس، ثم يُعرض على الاستفتاء العام. لكنه بوابة واحدة من بوابات عدة، فهو سلطة مُنشأة بالدستور لا سلطة منشِئة له، وإرادة الشعب في الاستفتاء، وموافقة برلمان الإقليم وأغلبية مواطنيه فيما يمس صلاحياته، شرطان لا يستغني عنهما أي تعديل. ومن هذا تُستخلص نتيجة عملية وهي ان أي تغيير في توزيع الاختصاصات يُمرَّر بقانون عادي أو بقرار برلماني وحده أو بتفسير قضائي يغيّر مضمون النص ليس تعديلاً بل التفاف على الدستور. وليس من وظيفة النواب الكورد الاكتفاء بالتصويت ضد التعديل داخل القاعة، بل الطعن في الأصل بأي مسار لا يمر بالمراحل المقررة كلها.

4. اقتراح التعديل ليس من اختصاص القضاء ,فالدستور حصر حق اقتراح التعديل في جهتين هما “الرئيس ومجلس الوزراء معاً”، أو خُمس النواب، ولم يذكر القضاء بينهما. فحين يدعو رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إلى تعديل مواد بعينها ويحدد صياغتها، فهو لا يمارس صلاحية دستورية بل يدخل المجال السياسي، وهو في الوقت نفسه رئيس الجهة التي ستفسر هذه المواد لاحقاً. ومن يقترح النص ثم يفسّره يملك تأثيراً مضاعفاً، وهذا تداخل لا يعالجه حسن النوايا، وكان الأولى أن يعترض النواب الكورد على ذلك اولا.

5. الإصلاح الدستوري لا يأتي عادة لمادة واحدة، فقد شملت محاولة 2009 مشروعاً لتعديل 102 مادة من أصل 144. وحين تُعرض على الجمهور حزمة تعالج أزمة الرئاسات وتوضح صلاحيات القضاء وتستجيب لمطالب الشارع، وتحمل في بعض موادها ما يمس الإقليم، يصبح الرفض الكوردي كلفة سياسية، وتُتَّهم كوردستان بتعطيل إصلاح يريده العراقيون جميعاً. وقد حذّرت دراسة لمركز دراسات من ضغوط دولية قد تدفع الكورد إلى القبول ببعض التغييرات. وعندها لا يعود المحك هو النص بل القدرة على قول «لا» لحزمة شعبية.

6. الفيتو يحتاج بيتاً موحداً….حق الاعتراض لا يعمل بنفسه، فالمادة 126/رابعاً تطلب موافقة برلمان الإقليم، ولا بد من برلمان يعمل ويملك نصاباً وقراراً. وقد شهدت السنوات الماضية تأخراً في تشكيل مؤسسات الإقليم وتدخلاً من المحكمة الاتحادية في قانون انتخابات برلمانه، ومن يؤثر في توقيت انعقاد هذا البرلمان أو تركيبته يؤثر في الضمانة نفسها. وفيتو المادة 142 يتطلب ثلثي المصوتين في المحافظات الكوردية، أي إجماعاً شعبياً يصعب تحقيقه إذا انقسمت الاحزاب الكوردية في مواقفها من بغداد، وصفقة ثنائية بين بغداد وأحد تلك الاحزاب قد تضرب الفيتو قبل أن يصل إلى صندوق الاقتراع. ومن يتباهى بالفيتو عليه أن يضمن أولاً بيتاً قادراً على ممارسته.

7. الأمن والمناطق المتنازع عليها… قد تُطرح تعديلات تحت عناوين مثل توحيد المعايير الأمنية والإدارية أو إنهاء الخلافات في المناطق المتنازع عليها، وهي أهداف لا تبدو موجهة ضد كوردستان، لكن أثرها يتحدد بالسلطات التي تمنحها النصوص الجديدة. فالمادة 121/خامساً تعطي حكومة الإقليم اختصاص إنشاء قوى الأمن الداخلي وتنظيمها، ولذلك ينبغي التمييز بين التنسيق الأمني لمواجهة الإرهاب وبين منح الوزارات الاتحادية سلطة تفصيلية على إدارة هذه الأجهزة. وفي المناطق المتنازع عليها لا ينبغي أن تحلّ التسوية الإدارية محل المسار الدستوري في المادة 140، لأن تثبيت الواقع القائم يغلق الملف عملياً قبل استكمال الاستحقاق حتى لو لم يُلغَ النص.

8. ان ألاخطر من تعديل يمس ملفاً واحداً هو أن يُمَسّ ما يحمي الملفات كلها، فتخفيف شروط التعديل بحجة إنهاء الجمود السياسي قد يغيّر ميزان القوى في كل تعديل لاحق. ولا دليل على وجود مشروع معلن يستهدف المادتين 126 و142 اليوم، لكن الانتباه إلى أي صياغة تقترب منهما واجب، لا يغني عنه الاتكال على أن النص لن يُمَسّ.

9. المعركة الحقيقية يجب ان تكون قبل التعديل , فحين يشترط الحزب الديمقراطي الكوردستاني للمشاركة في حكومة بغداد ضمانات سياسية وأمنية وقانونية، فهو يدرك أن اللحظة الحاسمة هي لحظة التفاوض على الحكومة والاتفاقات المصاحبة، لا لحظة التصويت على التعديل. غير أن الوعود التنفيذية والاتفاقات السياسية لا تُلزم دستورياً، وقد أظهر تاريخ النفط والموازنة أن الاتفاق المكتوب لا يُنفَّذ دائماً.

لا يعني ما سبق رفض كل تعديل قبل معرفة مضمونه، ولا افتراض أن كل مبادرة إصلاحية تستهدف كوردستان. المطلوب موقف يميّز بين تعديل لا يمس الإقليم وآخر ينظّم الملفات المشتركة بتوازن وثالث ينقل القرار إلى المركز. وينبغي على النواب الكورد ما يلي:

• أن يشترطوا إقرار قانون المحكمة الاتحادية وفق المادة 92 قبل بدء أي مسار تعديلي.
• أن يطالبوا بنص صريح يعرّف «الانتقاص من صلاحيات الأقاليم» ويُدخل أي تعديل على المواد 110 و115 و121 ضمن نطاق المادة 126/رابعاً.
• أن يرفضوا عرض التعديلات حزمة واحدة ويصرّوا على التصويت على كل محور منفصلاً.
• أن يتمسكوا بأن الاقتراح حق حصري للجهات التي سمّاها الدستور.
• أن يوحّدوا موقفهم الداخلي ويضمنوا عمل برلمان الإقليم قبل بدء النقاش لا بعده.

الضمانات الدستورية التي يستند إليها النواب الكورد حقيقية، لكنها ليست صكّ أمان، فهي تعمل بعد معركة التفسير ومعركة الحزمة ومعركة الوحدة الداخلية. والموافقة الكوردية قد تكون شرطاً حاسماً في حالات محددة، لكن قيمتها لا تأتي من ترديدها شعاراً بل من فحص كل نص وأثره المباشر وغير المباشر. ومن يكتفي بترديد «لا تعديل من دوننا» يمنح خصومه أثمن ما يحتاجون إليه، وهو جمهور مطمئن لا يتابع. فالدستور لا يُحمى بالاستشهاد بمواده، وإنما بالتأكد من أن تفسيرها وتطبيقها وتعديلها لا تتحول إلى أدوات لتوسيع سلطة المركز على حساب الحقوق التي كفلها لكوردستان.

قد يعجبك ايضا
∧