إحسان نوري باشا .. أسدُ آرارات وفارسُ القضية الكوردية الذي جعل من الجبال راياتٍ للحرية

كاوه عبان*

يُعد إحسان نوري باشا واحدًا من أبرز القادة العسكريين في التاريخ الكوردي الحديث ومن أهم الشخصيات التي ارتبط اسمها بالحركة القومية الكردية في شمال كوردستان (كوردستانا باكور). جمع بين الاحتراف العسكري والفكر السياسي وانتقل من ضابط في الجيش العثماني ثم التركي إلى قائدٍ لأكبر ثورة كوردية شهدتها الجمهورية التركية في سنواتها الأولى وهي ثورة آرارات (آغري)، وقد ترك بصمة عميقة في الذاكرة الكوردية بوصفه قائدًا عسكريًا ومنظرًا سياسيًا رغم أن مشروعه انتهى بجبر القوة العسكرية والمنفى.

النشأة والبدايــات:

ولد إحسان نوري باشا بين عام 1892 – 1893 في مدينة بدليس في أسرة كوردية تنتمي إلى أحد فروع عشيرة جلالي (Celalî)، وهي من العشائر الكوردية المعروفة في منطقة آرارات تلقى تعليمه الابتدائي في بدليس ثم التحق بالمدرسة العسكرية في أرزنجان قبل أن ينتسب إلى الأكاديمية العسكرية العثمانية في إسطنبول، حيث تخرج برتبة ملازم عام 1910 وخلال دراسته انضم إلى جمعية هيفي (Hêvî) وهي جمعية طلابية كوردية هدفت إلى نشر الوعي القومي بين الطلبة الكورد.

مسيرته العسكريــة:

بعد تخرجه خدم في الجيش العثماني وشارك في حملات عسكرية في ألبانيا واليمن ثم خاض معارك الحرب العالمية الأولى وأصيب خلال المعارك كما عانى من إصابات نتيجة البرد القارس في جبهة القوقاز وبعد انتهاء الحرب واصل خدمته في الجيش التركي لفترة قصيرة لكنه بدأ يميل تدريجيًا إلى النشاط القومي الكوردي مع تصاعد سياسات الدولة التركية الجديدة تجاه الكورد.

من الضابط إلى المناضــل:

بعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، اتجهت الحكومة إلى بناء دولة قومية مركزية الأمر الذي أثار اعتراض عدد من القيادات الكوردية انخرط إحسان نوري باشا في النشاط السياسي وشارك في انتفاضة بيت الشباب عام 1924، كما أيّد انتفاضة الشيخ سعيد پيران وإن لم يكن من قادتها المباشرين بسبب وجوده خارج تركيا في تلك المرحلة وبعد فشل تلك الانتفاضات غادر إلى سوريا ثم العراق قبل أن ينضم إلى جمعية خويبون (Xoybûn)، التي أصبحت المظلة الرئيسة للحركة القومية الكوردية آنذاك.

قائد ثـورة آرارات:

في عام 1927، اختارت جمعية خويبون إحسان نوري باشا قائدًا عامًا للقوات الكوردية ومنحته رتبة “باشا”وتحت قيادته انطلقت “ثورة آرارات”التي هدفت إلى إقامة كيان كوردي مستقل في المناطق المحيطة بجبل آرارات ورفع علم كوردستان.

استطاع تنظيم قوة عسكرية مدربة وسيطر مع المقاتلين الكورد على مناطق واسعة في ولايات آغري ووان وبدليس، وأصبحت جمهورية آرارات واحدة من أبرز التجارب السياسية الكوردية في القرن العشرين.

المواجهـة مـع الجيـش التركـي:

واجه إحسان نوري باشا جيشًا يفوق قواته عددًا وتسليحًا وشنت القوات التركية مدعومة بالطيران الحربي حملة عسكرية واسعة عام 1930 اعتمدت على القصف الجوي المكثف للمواقع الجبلية والقرى المحيطة بجبل آرارات وقد كتب إحسان نوري لاحقًا أن التفوق الجوي التركي كان العامل الحاسم في انهيار المقاومة إذ أدى إلى إنهاك المقاتلين الكورد وإجبارهم على الانسحاب.

المنفـى والسنـوات الأخيـرة:

بعد سقوط الثورة الكوردية لجأ إلى إيران، حيث عاش بقية حياته بعيدًا عن العمل العسكري المباشر ورغم المنفى، واصل الكتابة والتأليف والمشاركة في النشاط الثقافي والسياسي الكوردي ونشر مذكراته وتحليلاته عن “ثورة آرارات” التي أصبحت من أهم المصادر التاريخية لتلك المرحلة كما شارك في مؤتمرات ونشاطات تخص القضية الكوردية في أوروبا خلال الستينيات.

توفي في طهران في 25 آذار/مارس 1976، ودُفن فيها بعد حياة امتدت أكثر من ثمانين عامًا قضاها بين المحاربة والنضال والمنفى.

إرثه التاريخي:

يحتل إحسان نوري باشا مكانة خاصة في التاريخ الكوردي الحديث، لأنه كان أول قائد عسكري حاول بناء جيش كوردي منظم وفق أساليب الجيوش النظامية وربط بين العمل العسكري والتنظيم السياسي كما أن تجربته في جمهورية آرارات تُعد من أبرز محاولات تأسيس كيان كوردي مستقل في القرن العشرين.

ورغم انتهاء ثورته سريعا، فإن اسمه بقي حاضرًا في الأدبيات القومية الكوردية بوصفه رمزًا للمقاومة والإصرار كما تُعد مذكراته عن “ثورة آرارات” مرجعًا مهمًا لفهم تلك المرحلة من تاريخ الحركة الوطنية الكوردية وتبقى شخصيته محل اهتمام المؤرخين إذ تجمع بين الضابط المحترف والقائد الميداني والمفكر السياسي الذي حاول تحويل الحلم القومي الكوردي إلى مشروع سياسي وعسكري متكامل.

*سفير فوق العادة لمنظمة امسام الاممية

قد يعجبك ايضا
∧