الدِّينُ وَالْجَهْلُ: نَقِيضَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ

حكيم زغير الساعدي

الْحَقِيقَةُ وَالطُّقُوسُ:

ليس الدين هو تلك الطقوس والحركات والفعاليات التي يؤديها الإنسان، كالصلاة، والصيام، والحج، والزكاة؛ فهي أمور ظاهرية تدل على دين الأشخاص ومِللهم ومذاهبهم. فالجانب الإيجابي فيها هو العلاقة الحقيقية بين الخير والغاية؛ فالصلاة مثلاً، فلسفتها ليست تلك الحركات المعروفة من القيام والركوع والسجود، بل هي تلك الصلة بين العبد وخالقِه؛ فالمصلي الحقيقي نراه يصلي، لكنَّ الطاعة تتسامى مع الله، بمعنى أن الصلاة هي ذلك الارتباط العبادي الروحي الذي يُقصد به عبادة الرب العظيم. وبما أن هذه هي فلسفة الدين ومقاصده الشريفة، فإن تبليغ الكلام هو لمصلحة الإنسان لا من أجل تكثير العبادة إلى حد غير معقول ومبالغ فيه.
نُورُ الْمَعْرِفَةِ: الْجَهْلُ نَقِيضُ الدِّينِ!
مع أن الدين هو كذلك، هنالك العلاقة الارتباطية بين العبد وربه؛ فالدين ليس عاملاً مساعداً على تفشي الجهل وإطفاء العقل وتغيبه تماماً، وقد أشار القرآن الكريم إلى العلم والتعلم، ولذلك ورد في السنة النبوية ما يشجع ويعطي أفضلية للعلم، كقوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).
وكقوله تعالى دلالة على أهمية العلم: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).

حَدِيثٌ نَبَوِيٌّ:

عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَلَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ بُغَاةَ الْعِلْمِ).
فالآية الكريمة والأحاديث النبوية لم تُعطِ الجهل هيبةً أو خصلة، بل ذمَّت الإنسان الجاهل، ومدحت وأثنت على العلم والتعلم، وأعطت الأفضلية لأهله على الباقين. والعلم نوعان: علم الأديان وهو ضروري للإنسان ليعلم أحكام دينه وليتفقه بها، والعلوم الأخرى هي ما نراه اليوم من الطب، والكيمياء، والهندسة… إلى آخره. إن فضل العلم على الإنسان كثير، وهو يجعل الإنسان مترقياً وعارفاً ويستطيع تغيير مجرى حياته للأفضل.
أَدَاةُ النَّهُوضِ: الْعِلْمُ وَالتَّطَوُّرُ الْحَضَارِيُّ:
بشكل منهجي وعلمي وليس بشكل عشوائي؛ فإن العلم ليس مسألة ترقٍّ أو مكانة ليفتخر الإنسان على الآخرين ويكون أفضل منهم، بل الأمر ليس كذلك، بل العلم يُردُّ به هزيمة البلدان، وتتقدم من خلاله إلى اكتشاف الأشياء والاختراع لأمور جديدة مفيدة لخدمة الإنسانية، ليكون الإنسان من خلال العلم إنساناً حقيقياً؛ فالعلم هو ذلك النور في نهاية النفق، والمحكُّ الذي من خلاله يتبين الطريقُ الذي يكون فيه الخلاص.
الْخَاتِمَةُ:

إنَّ المراجعة الدقيقة لفلسفة الدين تبيّن بجلاء أنَّ الإيمان الحقيقي لا يكتمل باختزاله في مظاهر العبادة الشكلية دون إدراك غاياتها الروحية والأخلاقية، كما أنه لا يتأسس بحالٍ من الأحوال على العقل المستقيل أو الجهل المقنّع. فالدين الشريف والعلم النافع يمثلان ركنين متكاملين لإعادة بناء الإنسان وتجريده من شوائب الجهل والسطحية؛ حيث يأتي العلم الشرعي ليربط الإنسان بخالقه ويتفقه بفرائضه، بينما تأتي العلوم المادية والتجريبية لتسليحه بالمعرفة التي تنهض بالأمم وتخدم الإنسانية جمعاء. إنَّ الوعي بجوهر الدين والانفتاح المنهجي على العلم هما السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار لقيمة العقل البشري، وتجاوز حالة التعثر الحضاري، والوصول بالإنسان إلى أفق الخلاص والارتقاء الحقيقي.

قد يعجبك ايضا
∧