كامل حسن البصير سيرة ناقد وأكاديمي حمل همّ اللغة والأدب

محمد علي محيي الدين

في فضاء الثقافة العراقية الحديثة يبرز اسم الدكتور كامل حسنالبصير بوصفه أحد الأصوات التي جمعت بين عمق التكوين اللغوي واتساع الرؤية النقدية، وبين الانشغال بالدرس الأكاديمي والهمّ الثقافي العام. وُلد في بغداد عام 1933، ونشأ في بيئة تعليمية قادته مبكراً إلى المدارس الأهلية ثم إلى الإعدادية المركزية، حيث أتم دراسته الثانوية عام 1953، قبل أن يشق طريقه نحو عالم اللغة والأدب.
التحق بكلية الآداب والعلوم في قسم اللغة العربية، وتخرج عام 1958 بدرجة امتياز، ليبدأ بعد ذلك مسيرته المهنية مدرساً للغة العربية في السليمانية، في تجربة مبكرة جمع فيها بين التعليم والاحتكاك المباشر بالبيئة الثقافية الكردية التي ستترك أثراً واضحاً في اهتماماته اللاحقة. وخلال سنوات التدريس واصل تحصيله العلمي، فنال درجة الماجستير في الأدب العربي من جامعة بغدادعام 1966، مواصلاً بناء مشروعه العلمي على أسس أكاديميةرصينة.
لم يتوقف طموحه عند هذا الحد، إذ التحق لاحقاً بجامعة القاهرة،حيث حصل على شهادة الدكتوراه في الآداب عام 1975، في مرحلة شكلت منعطفاً مهماً في تكوينه العلمي، قبل أن يعود إلى العراق ليواصل مسيرته الأكاديمية في الجامعات العراقية. فقد عُيّن معيداً في جامعة السليمانية، ثم أوفدته الجامعة لإتمام دراساته العليا، ليعود بعدها متدرجاً في المناصب العلمية، حيث تولى رئاسة قسم الدراسات الكردية في كلية الآداب، ثم رئاسة قسم اللغة العربية، وصولاً إلى عمادة الكلية عام 1977.

وفي عام 1980 انتقل إلى الجامعة المستنصرية أستاذاً متخصصاً في البلاغة والنقد ومنهج البحث في الدراسات العليا، حيث أسهم في تكوين أجيال من الباحثين والدارسين، وترك أثراً واضحاً في حقل الدراسات الأدبية واللغوية. كما كان عضواً عاملاً في المجمع العلمي العراقي، وعضواً مؤازراً في مجمع اللغة العربية الأردني، مايعكس مكانته العلمية في الأوساط الأكاديمية العربية.
شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات داخل العراق، وكان حاضراً في الفعاليات الأدبية التي تناولت قضايا اللغة والأدب والثقافة،جامعاً بين البحث النظري والمشاركة الفكرية الفاعلة. وقد تميز إنتاجه العلمي بتنوعه، إذ انشغل بقضايا اللغة والنقد والبيان والبديع، ونشر أبحاثه في مجلات الجامعات العراقية، كما خصص جانباً مهماً من جهده للغة الكردية، حيث تجاوزت أبحاثه فيه العشرين دراسة، في دلالة على اهتمامه بالحوار الثقافي بين المكونات اللغوية في العراق.
كان يتقن العربية والكردية بطلاقة، إلى جانب إلمام بالإنكليزية والفارسية، الأمر الذي أتاح له قراءة واسعة للتراث الأدبي واللغوي في أكثر من فضاء ثقافي. وقد انعكس هذا التنوع في مؤلفاته التي تناولت قضايا فكرية وأدبية متعددة، من بينها دراسات في الشعرالعربي والكردي، وقضايا الالتزام في الأدب، والعلاقة بين القرآن الكريم ونظرية الأدب، فضلاً عن أبحاث في الأدب المقارن والصورة الفنية في البلاغة العربية، ودراسات تناولت المرأة، والإخاء الثقافي بين العرب والكورد، وغيرها من الموضوعات التي تعكس انشغاله بالبعد الفكري والإنساني للأدب.
وبهذا المسار العلمي المتعدد، أسهم في ترسيخ حضور النقد الأدبي في الجامعة العراقية، وترك إرثاً بحثياً يجمع بين الأصالة والانفتاح،قبل أن يغادر الحياة عام 1987، تاركاً خلفه تجربة أكاديمية وثقافية ما تزال حاضرة في ذاكرة الدرس الأدبي العراقي الحديث.

قد يعجبك ايضا
∧