علي جواد محيي الدين.. ذاكرة التراث

محمد علي محيي الدين

وُلد علي بن جواد بن الشيخ حسين محيي الدين في النجف الأشرف عام 1930، في أسرة عُرفت بعراقتها العلمية والأدبية، وكان لانتمائه إلى هذه البيئة أثر واضح في تكوين شخصيته واتجاهاته منذ سنواته الأولى. ففي بيتٍ كانت فيه المعرفة جزءًا من الحياة اليومية، نشأ محبًا للعلم، ميالًا إلى اللغة والأدب، ومدركًا منذ وقت مبكر أن التراث لا يعيش إلا بعقول تحفظه، وباحثين يعيدون قراءته ويكشفون ما تختزنه نصوصه من دلالات.
بدأ تعليمه في كتاتيب النجف، ثم التحق بمدرسة النجف الابتدائية للبنين بين عامي 1936 و1942، وأكمل دراسته الثانوية في مدرسة النجف الثانوية للبنين بين عامي 1942 و1948. وكانت النجف في تلك المرحلة بيئة ثقافية متشابكة، تتجاور فيها الدراسة الدينية مع الأدب واللغة والمناظرة، وهو ما أسهم في ترسيخ اهتمامه بالعربية وعلومها، قبل أن ينتقل إلى بغداد لمواصلة دراسته الجامعية.
التحق بكلية الآداب في جامعة بغداد، قسم اللغة العربية، وتخرج فيها بمرتبة متقدمة، ثم اتجه إلى ميدان التعليم، فعمل مدرسًا للغة العربية في المدارس الثانوية العراقية. ولم يكن التدريس بالنسبة إليه وظيفة يؤديها فحسب، بل مجالًا لتطبيق ما حصّله من علم، ولذلك عُرف بتمكنه من مادته وإلمامه بقواعد العربية وعلومها، وأصبح من المدرسين الذين جمعوا بين المعرفة الأكاديمية والجدية في الأداء.
وكانت شخصيته التعليمية تقوم على الانضباط والوضوح وحسن السيرة، وهي صفات انعكست على مسيرته المهنية، فانتُدب مفتشًا في المدارس الثانوية، وأثبت في هذه المهمة جدية ومتابعة جعلتا المسؤولين يقدّرون أداءه، ثم رُقّي إلى مشرف تربوي، وهي منزلة متقدمة في السلم التربوي آنذاك. وهكذا انتقل من موقع المدرس الذي ينقل المعرفة إلى طلابه إلى موقع يشارك في متابعة العملية التعليمية وتقويم أداء المدرسين وتطويرها.
وقد تركت شخصيته انطباعًا واضحًا لدى معاصريه، ومن الشهادات الدالة على ذلك ما أورده الدكتور عبد الرزاق محيي الدين في كتابه «الحالي والعاطل»، حين وصف علي جواد محيي الدين بأنه من الوجوه البارزة بين أساتذة العربية في النجف، مشيرًا إلى استقامة سلوكه وحسن سيرته، ومؤكدًا أن الجد وصدق الحديث كانا من أبرز صفاته. وهذه الشهادة لا تكشف فقط عن مكانته العلمية، بل تشير أيضًا إلى الجانب الأخلاقي الذي كان جزءًا أساسيًا من صورته في الوسطين التعليمي والثقافي.
ولم يتوقف طموحه العلمي عند حدود الدراسة الجامعية والعمل التربوي، بل أتاح له تطلعه إلى المعرفة فرصة مواصلة التحصيل خارج العراق، فالتحق بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة، إحدى المؤسسات العربية العريقة في دراسة اللغة والتراث، وحصل منها عام 1977 على درجة الماجستير بتقدير جيد جدًا، وكانت أطروحته عن ابن أبي الحديد. ولم تكن هذه الدراسة اختيارًا عابرًا، إذ أصبحت فيما بعد محورًا رئيسًا في مشروعه البحثي، وفتحت أمامه طريقًا واسعًا إلى دراسة البلاغة والنقد والتاريخ الأدبي والفكر الذي تشكل حول شخصية ابن أبي الحديد المعتزلي.
وبعد عودته إلى العراق، عُيّن مديرًا للتسجيل في كلية الفقه في النجف، وهي مهمة إدارية في مؤسسة علمية كان لها حضورها في الحياة الفكرية والدينية العراقية. وفي الوقت نفسه، بقي قريبًا من اهتماماته العلمية واللغوية، وظل اسمه مرتبطًا بالدرس العربي والبحث في التراث، حتى غدا واحدًا من الباحثين الذين جمعوا بين الخبرة التربوية والممارسة الأكاديمية والعناية بالنصوص القديمة.
ويحتل بحثه في ابن أبي الحديد مكانة خاصة في مسيرته، فقد تناول في كتابه «ابن أبي الحديد: سيرته وآثاره الأدبية والنقدية» شخصية الأديب والمفكر المعتزلي المعروف، صاحب «شرح نهج البلاغة»، ولم يكتف فيه بسرد السيرة أو استعراض المؤلفات، وإنما سعى إلى قراءة الرجل ضمن عصره وبيئته الفكرية، وتتبع آثاره الأدبية والنقدية، وتحليل آرائه في الفصاحة والبلاغة والشعر والسرقات الأدبية.
وتنبع أهمية هذا العمل من أن ابن أبي الحديد لم يكن مجرد شارح لنصوص تراثية، بل كان شخصية فكرية تداخلت في تكوينها عناصر أدبية وبلاغية وكلامية وفلسفية. ومن ثم اتجه علي جواد محيي الدين إلى قراءة هذه الشخصية من خلال أكثر من مستوى؛ فتتبع سيرتها في سياقها التاريخي، وحاول الكشف عن أثر خلفيتها الاعتزالية والفلسفية في رؤيتها للغة والبلاغة والإعجاز، وربط آراءها بما سبقها وما عاصرها من جهود نقدية.
ومن أبرز ما يميز منهجه في هذه الدراسة اعتماده على تحليل النص واستنطاقه، فلم يكتف بجمع الآراء المنسوبة إلى ابن أبي الحديد، بل توقف عند مصطلحاته البلاغية والنقدية، وقارنها بآراء أعلام سبقوه أو عاصروه، ومن بينهم عبد القاهر الجرجاني وابن الأثير. وبهذا الأسلوب انتقل من مجرد العرض إلى محاولة فهم التطور الداخلي للفكرة النقدية، وكيف تتشكل الأحكام البلاغية في ظل بيئة فكرية ومذهبية معينة.
كما اتسمت دراسته بالنظر التاريخي، إذ لم يفصل شخصية ابن أبي الحديد عن الظروف التي عاشها، وهي ظروف اتسمت بالاضطراب السياسي والفكري في أواخر العصر العباسي، وانتهت بسقوط بغداد في أيدي المغول. ولذلك كان استجلاء البيئة التاريخية جزءًا من فهم النص، لأن الأدب والنقد لا ينشآن في فراغ، وإنما يتأثران بالتحولات الكبرى التي يعيشها المجتمع.
وفي تناوله لقضايا النقد، اهتم محيي الدين بما شغل ابن أبي الحديد من مسائل الفصاحة والبلاغة والشعر، ولا سيما قضية السرقات الأدبية، محاولًا الكشف عن معاييره في الحكم على النصوص وعن أثر الذوق الأدبي السائد في عصره. كما حرص على التوازن في تقييمه، فلم يجعل من ابن أبي الحديد شخصية معصومة من النقد، بل أشار إلى مواطن القوة في آرائه وإلى ما يمكن أن يؤخذ عليه من ميل إلى بعض الآراء أو التأثر بالتقاليد النقدية التي سبقت عصره.
وإلى جانب كتابه عن ابن أبي الحديد، انصرف علي جواد محيي الدين إلى تحقيق عدد من كتب التراث، فشارك في إخراج نصوص ذات أهمية في الفكر العربي والإسلامي. ومن أبرز ما ارتبط باسمه كتاب «الوجيز في تفسير القرآن العزيز»، إذ أكمل العمل الذي بدأه الدكتور عبد الرزاق محيي الدين، فأنجز الجزء الثاني ابتداءً من سورة المائدة إلى نهاية القرآن الكريم، بعد أن كان الجزء الأول قد أُنجز على يد الدكتور عبد الرزاق. وكان إتمام هذا العمل مثالًا آخر على صلته العلمية بأسرته، وعلى حرصه على ألا تتوقف المشروعات العلمية التي بدأها السابقون.
كما حقق «رسالة الكمالية في الحقائق الإلهية» لفخر الرازي، وقد طُبع الكتاب في لبنان عن دار الكتب العلمية عام 2002، وهو عمل يندرج ضمن اهتمامه بالنصوص التراثية التي تتصل بالفكر الكلامي والفلسفي. وواصل اشتغاله على كتب اللغة، فحقق في علم الصرف، ثم استكمل تحقيق «شرح أرجوزة ابن سينا»، وهي أعمال تؤكد اتساع اهتماماته وعدم انحصارها في النقد الأدبي بالمعنى الضيق.
ومن الأعمال التي تكشف عن صبره الطويل على المادة التراثية عنايته بمعجم «العين» للخليل بن أحمد الفراهيدي، إذ عمل على إعداده وفق الترتيب الهجائي للحروف، وهو مشروع يحتاج إلى جهد كبير في المراجعة والمقابلة والضبط وإعادة ترتيب المادة اللغوية. ومثل هذه الأعمال لا تظهر قيمتها سريعًا، لأنها تقوم على المثابرة اليومية وعلى التعامل مع آلاف المفردات والنصوص، لكنها في النهاية تسهم في جعل التراث أكثر سهولة في التناول أمام القارئ والباحث.
وقد ارتبط نشاطه كذلك بالمجالس والندوات الثقافية وبالمجلات المتخصصة في التراث العربي والإسلامي، من خلال البحوث والتعقيبات والمراجعات، فكان حاضرًا في المجال الذي يجمع بين التحقيق والدراسة النقدية، وهو مجال يتطلب معرفة دقيقة بالمصادر وقدرة على التمييز بين الروايات والنصوص ومقارنة الأصول بعضها ببعض. ومن هنا جاءت صورته بوصفه باحثًا في التراجم والتاريخ الأدبي والنقد، ومحققًا للنصوص التراثية، وأحد المشتغلين الجادين على الدرس البلاغي العربي.
ولعل ما يميز مسيرته أن اهتمامه بالتراث لم يكن منفصلًا عن تجربته الطويلة في التعليم؛ فالأستاذ الذي أمضى سنوات في تدريس العربية والإشراف التربوي ظل ينظر إلى النص بوصفه مادة حية قابلة للفهم وإعادة القراءة، لا مجرد أثر محفوظ في الكتب. ولذلك جاء اشتغاله بالتراث امتدادًا طبيعيًا لعلاقته باللغة، وانتقلت خبرته من الفصل الدراسي إلى صفحات المخطوطات والكتب المحققة.
وبقيت صلته بالأسرة العلمية التي نشأ فيها حاضرة في مشروعه، سواء من خلال إكمال بعض الأعمال التي بدأها الدكتور عبد الرزاق محيي الدين، أو من خلال المحافظة على تقاليد العلم والبحث التي عُرفت بها الأسرة. ومن اللافت أن جانبًا مهمًا من نتاجه لم يرَ طريقه إلى الطباعة، إذ بقيت مجموعة من أعماله وتحقيقاته في صورة مخطوطات محفوظة لدى أسرته، الأمر الذي يمنح هذه الأوراق قيمة خاصة للباحثين في المستقبل، إذا ما أتيح جمعها وفهرستها وتحقيقها ونشرها.
ولم تنته صلة علي جواد محيي الدين بالكتاب والبحث برحيله، فقد بقيت مكتبته شاهدًا آخر على حياته العلمية. وقد تبرعت أسرته بمكتبته الخاصة، بما تضمه من كتب ومراجع علمية، إلى مكتبة ميثم التمار في الكوفة، حيث خُصص لها قسم خاص. وهذه الخطوة ذات دلالة عميقة؛ فالمكتبة الخاصة تختزن عادةً مسار صاحبها العلمي، والكتب التي اختارها تكشف عن اهتماماته والأسئلة التي شغلته، وعندما تنتقل إلى مؤسسة عامة تصبح جزءًا من الذاكرة العلمية المشتركة، ويصبح بإمكان الباحثين والطلاب الانتفاع بها بدل أن تبقى حبيسة الرفوف الخاصة.
رحل علي جواد محيي الدين عام 2007، بعد مسيرة امتدت أكثر من سبعة عقود، تنقل خلالها بين الدراسة والتدريس والتفتيش والإشراف التربوي والبحث والتحقيق والعمل الثقافي. ولم يكن أثره محصورًا في وظيفة أو مؤسسة بعينها، بل توزع بين تلاميذ تلقوا عنه العربية، وباحثين أفادوا من دراساته، وكتب تراثية أسهم في إخراجها، ومخطوطات تركها لمن يأتي بعده، ومكتبة أصبحت بعد وفاته في متناول جمهور أوسع.
وهكذا تبدو سيرته سيرة رجل جعل من العربية مجالًا للحياة والعمل، ومن التراث مشروعًا دائمًا للبحث، ومن التحقيق وسيلة لإعادة النصوص إلى دائرة التداول. وإذا كان كتابه عن ابن أبي الحديد يمثل أبرز ملامح مشروعه النقدي، فإن مجموع أعماله يكشف عن رؤية أوسع ترى أن خدمة التراث لا تكون بتقديسه ولا بإبقائه في الماضي، وإنما بفهمه وتحقيق نصوصه ومناقشة أفكاره وربطها بالسياقات التي نشأت فيها. ومن هذه الزاوية ظل علي جواد محيي الدين واحدًا من أولئك الباحثين الذين عملوا بصمت، لكنهم تركوا وراءهم مادة علمية يمكن أن تواصل أداء دورها في حياة الثقافة العربية، وتمنح الأجيال اللاحقة فرصة أخرى لقراءة تراثها بعين أكثر تدقيقًا ووعيًا.

قد يعجبك ايضا
∧