داعش بعد الانسحاب الأمريكي.. عودة محتملة أم تهديد محدود؟

رمزي ميركاني

أعاد الانسحاب الأمريكي الكامل من العراق، الذي اكتمل في 30 سبتمبر/أيلول 2026، طرح سؤال قديم جديد حول قدرة تنظيم داعش على استغلال أي فراغ أمني محتمل. لكن من المهم التأكيد أن التنظيم لم يعد إلى الوضع الذي كان عليه عام 2014؛ فقد فقد السيطرة على الأراضي التي كان يطلق عليها «الخلافة»، وتراجعت قدراته العسكرية بصورة كبيرة. ومع ذلك، لا تزال خلاياه قادرة على تنفيذ هجمات محدودة واستغلال الثغرات الأمنية.
خلال السنوات الأخيرة، اتجه داعش في العراق بصورة متزايدة من نموذج السيطرة على المدن والأراضي إلى حرب العصابات والعمل الخلوي. وتتركز بقاياه في مناطق وعرة وصحراوية وجبلية، خصوصًا في أجزاء من محافظات الأنبار وصلاح الدين وكركوك ومناطق متفرقة من شمال العراق. ويمنح هذا النمط التنظيم قدرة على الاختباء وإعادة تنظيم شبكاته بعيدًا عن مراكز المدن.
وقد أظهرت العمليات العراقية خلال عامي 2025 و2026 أن الأجهزة الأمنية ما زالت قادرة على الوصول إلى قيادات وعناصر التنظيم. ففي مارس/آذار 2025، أدت ضربة أمريكية-عراقية في الأنبار إلى مقتل عبد الله مكي مصلح الرفاعي، المعروف باسم «أبو خديجة»، والذي وصفته القيادة المركزية الأمريكية بأنه أحد أبرز قادة التنظيم عالميًا. كما نفذت القوات العراقية عمليات أخرى ضد خلايا داعش في كركوك وصلاح الدين ومناطق غربي البلاد.
في 27 أيلول/سبتمبر 2026، أعلن جهاز مكافحة الإرهاب العراقي اشتباكه مع ثلاثة من عناصر داعش في ناحية التون كوبري شمال غربي كركوك، ما أدى إلى مقتل اثنين كانا يرتديان أحزمة ناسفة واعتقال الثالث. وأفادت مصادر بأن الاشتباك وقع داخل منطقة مأهولة، وأسفر أيضًا عن سقوط مدنيين وإصابة عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب.
والأهم أن التون كوبري شهدت قبل ذلك سلسلة من التحركات المرتبطة بخلايا داعش؛ ففي تموز/يوليو قُتل عنصر من التنظيم خلال عملية لجهاز مكافحة الإرهاب، تلتها ضربات جوية عراقية استهدفت مخابئ يُشتبه باستخدام التنظيم لها في محيط المنطقة. كما وقع في أيلول هجوم على نقطة للحشد الشعبي في الناحية أدى إلى مقتل عنصر وإصابة آخر.
لكن الانسحاب الأمريكي يغير بيئة مكافحة الإرهاب أكثر مما يغير ميزان القوة العسكري بصورة فورية. فقد كانت القوات الأمريكية توفر للقوات العراقية قدرات مهمة في مجالات الاستخبارات والاستطلاع والدعم اللوجستي والتنسيق. وفي المقابل، قطعت القوات العراقية خطوات كبيرة نحو العمل بصورة مستقلة، إذ أثبتت في عام 2025 قدرتها على إدارة عمليات الضربات الجوية والاستهداف دون دعم مباشر من القوات الأمريكية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن داعش حاول استغلال لحظة الانسحاب لإظهار أنه ما زال قادرًا على الحركة، مع ورود معلومات عن خطط لخلايا التنظيم لتنفيذ هجمات بالتزامن مع مغادرة القوات الأمريكية. ويعكس ذلك استراتيجية دعائية وأمنية أكثر من كونه دليلًا على عودة التنظيم إلى قوته السابقة.
في المرحلة المقبلة، سيحاول داعش على الأرجح الحفاظ على وجوده من خلال الهجمات المحدودة، واستهداف القوات الأمنية، وعمليات الاغتيال، والابتزاز، وإعادة بناء الشبكات المحلية، بدلًا من محاولة السيطرة على مساحات واسعة. وسيكون نجاح هذه الاستراتيجية مرتبطًا بقدرة بغداد وأربيل على استمرار التعاون الأمني وتبادل المعلومات ومنع ظهور مناطق رخوة يمكن للتنظيم استغلالها.
وبذلك، لا يعني الانسحاب الأمريكي أن داعش عاد إلى الواجهة، لكنه يضع العراق أمام اختبار جديد: هل تستطيع مؤسساته الأمنية الحفاظ على الضغط المستمر على التنظيم من دون الدعم العسكري الأمريكي المباشر؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان داعش سيبقى مجرد تمرد منخفض المستوى، أم سيتمكن من استغلال أي اضطراب سياسي وأمني لإعادة بناء قدراته.

قد يعجبك ايضا
∧