مصر وكوردستان العراق واحات العقلانية والسلام في ظل حرائق الحروب

د. محمود زايد

من المؤلم حقًا شيوع قناعة شرق أوسطية تعزف باعتياد هذه المنطقة على إيقاع الأزمات والحروب المتلاحقة، وكأنه كُتب عليها تنفس البارود، والسباحة في الدماء، والتنازع الداخلي والدولي على جداريتها، مع أن رسالة أديانها ومقاصد وجودها تدور حول حثّ الإنسان على البناء والإعمار، والاستفادة من التنوع بالتعايش والتكامل تحقيقًا للازدهار.
في قلب هذا المحيط المائج تبرز تجارب سياسية ورؤى استراتيجية إنسانية لا ترفض الانجرار خلف أوهام الحسم العسكري فحسب؛ وإنما تراهن على الحوار كخيار استراتيجي بديل عن الدمار، وهذا يظهر بوضوح في تقاطعات ملفتة بين مصر وإقليم كوردستان العراق، اللذين يجمعهما خيط مفاده أن السلام ليس ضعفًا ولا هروبًا، بل هو أعلى درجات الحكمة، وأن الحياة لا تنبت في مجاري الدماء.
معلوم أن خيار السلام لا تؤمن به الأمم من فراغ، بل تصنعه تجارب مريرة، ووعي عميق بكلفة النزاع والحروب، وهذا مشترك في ذاكرة الوعي التاريخي لدى الشعبين المصري والكوردي، وهذا يفسّر تمسكهما بعقلانية الحوار، ويفرض على قادتهما السعي وراء كل السبل الممكنة لترسيخ ذلك. وهو ما يمكن أن نفهمه حاليًا من تزايد حجم التحركات الدبلوماسية والزيارات الدولية واللقاءات الثنائية التي تقوم بها مصر وإقليم كوردستان في خضم تمددات الصراعات والحروب في منطقة الشرق الأوسط.
فمصر تحمل في ذاكرتها ثقلاً من المواجهات العسكرية دفاعًا عن كرامتها وأرضها حتى تحولت إلى استراتيجية الانحياز السلمي وتفكيك النزاعات بالطرق الدبلوماسية، وبات ذلك عقيدة في تحركاتها الداخلية والخارجية؛ وبالتالي نجدها حاضرة كوسيط لوقف الصراعات بطرح الحلول الممكنة، وتقريب وجهات النظر، وصولا إلى صيغة مشتركة؛ إطفاءً للحرائق قبل أن تفني ما تبقى من مقدرات الشعوب.
وعلى الجانب الآخر، عاش الشعب الكوردي عقودًا طويلة من مآسي النزاعات والحروب التي عصفت بالمنطقة، ودفع ثمنًا غاليًا في سبيل دفاعه عن مقدراته وحقوقه القومية والوطنية، ورغم أنه كان المعتدى عليه، فقد تشكلت لديه قناعة بأن الحروب لا تورث إلا الشقاء والدمار، وأن استرداد الحقوق والحفاظ عليها وترسيخ مكتسباتها لا يتم فقط عبر فوّهات البنادق؛ وإنما عبر الحوار والاجتماع على طاولة المفاوضات، وتجلى ذلك خلال محطاتهم النضالية ليصبح الحوار لغة سائدة يطبقها إقليم كوردستان في تفاهماته مع الحكومة الاتحادية ومع دول الجوار وغيرها؛ إيمانًا بأن التوافق الدستوري والتلاقي الدبلوماسي هو المظلة التي يجب أن يحتمي بها الجميع.
لقد نأت مصر وإقليم كوردستان بأنفسهما عن هاوية النزاعات وعن مهلك حروب الوكالة، وتبنتا فلسفة السياسة الهادئة؛ فكلاهما لم يستجيبا إلى الاستقطابات الحادة، ولا إلى المحاور والتكتلات، وتمسّكا بالحياد الإيجابي بهدف عدم تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات. وكلاهما يعتمدان سياسة التوازن، ويرفضان إقحام المنطقة في أتون صراعات دولية أو إقليمية، ويدعوان إلى احترام مفهوم السيادة والحقوق، مؤكدين أن بلديهما سيبقيان نقطة التقاء، لا منصةً للاعتداء أو الانطلاق ضد الآخرين.
هناك عوامل كثيرة جعلت كل من مصر وكوردستان يلتزمان بهذه السياسية السلمية والإنسانية البناءة، فمن المؤكد أنه لا يستطع أحد أن يصدّر السلام إلى جواره ما لم يكن متمكنًا منه في داخله، فمصر تعلي عقيدة المواطنة في نسيجها الوطني المتماسك ليصبح السلام المجتمعي درعها القوي في مواجهة مخططات التفتيت الفكري والديني والمذهبي. وإقليم كوردستان نموذج إنساني للتنوع القومي والديني والمذهبي في الشرق الأوسط، حيث يتعايش فيه الجميع تحت مظلة التكامل والتسامح والعدالة والمساواة.
ولا شك أن ذلك هو البذرة الحقيقية لخلق أي استقرار سياسي مستدام، وبالتالي لا نجد مكانًا للعنصرية والتطرف بين الأمم المحترمة، حيث لا تسمح بتسلله إليها، بل وتواجهه بكل قوة لضمان أمن بلادها، وهذا يفسّر الحملة الكبيرة التي قامت بها مصر في هذا المجال على مدى سنوات، وكذلك بطولة قوات البيشمركه في إقليم كوردستان العراق في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي؛ إدراكًا أن الإرهاب ليس مجرد خطر أمني، بل هو المهدد الأكبر لثقافة التعايش والسلام، وأن اجتثاثه فكريًّا وعسكريًّا شرط أساسي لبناء إنسانية آمنة.
إن المتابع لشؤون ومصالح البلدين يستطيع أن يقرر أن شعبيهما لا يقتنعان بأن السلام ليس في غياب البندقية فحسب، وإنما بالبناء والتنمية تشييدًا لمستقبل أفضل للأجيال الحالية والقادمة، فمنذ أكثر من عقد تتبنى مصر معركة تنمية شاملة ببناء بتحديث بنيتها التحتية وإنشاء مرافق حيوية جديدة، وتأمين اقتصادها وتنويع موارده. وفي الإطار نفسه، يسعى إقليم كوردستان بجد – لاسيما في عهد الكابينة التاسعة – إلى أن يكون مركزًا تجاريًّا واستثماريًّا قويًّا يعود بالنفع على مواطنه.
إن سياسة كل من مصر وإقليم كوردستان العراق تنبع من عمق إنساني ورصيد حضاري يدرك أن المنطقة ليست بحاجة إلى مزيد من الجيوش وترسانات الأسلحة، ولا تنفعها الشعارات الخاوية الفضفاضة، وإنما تحتاج إلى صنّاع سلام يؤمنون به، ويمتلكون أدواته بهدف بناء مستقبل أفضل لمواطنيها.

قد يعجبك ايضا
∧