د. ماهر جبار الخليلي
مهرجان بابل للثقافات العالمية الثالث عشر الذي افتتح يوم الثامن من تشرين الاول الجاري ويستمر الى السادس عشر واحد من اجمل وأهم المهرجانات التي شاركت بها لما له من حضور نوعي وشعبي بالشخصيات المختارة والتفاعل الجماهيري الجميل. المشاركة جاءت بدعوة كريمة من الاخ العزيز الدكتور علي الشلاه في تقديم محاضرة بعنوان ( جعفر الخليلي قيصر اللغة العربية ورائد القصة العراقية وابو الصحافة حين سبها) مع توقيع كتاب بالعنوان نفسه.
وجاء سياق المحاضرة بحضور جماهيري واسع متحدثا عن شخصية جعفر الخليلي وانجازاته ومؤلفاته مبتدئا من العنوان فكيف كان قيصرا للغة العربية ومن الذي اطلق عليه هذا اللقب؟ وكيف كان رائدا للقصة؟ ولماذا لقب بابو الصحافة؟
اقام أستاذُنا الكبيرُ المرحوم سالمٌ الالوسي مديرُ معهد الوثائقِ العامِ في العراقِ سابقاً في اوائل عام 1974 حفلةَ تكريمٍ كبيرةً في دارهِ بمناسبةِ اليوبيلِ الذهبي لمرورِ أكثر من 50 سنةً على حياةِ الاديبِ الكبير جعفرِ الخليلي الصحفيةِ والادبيةِ، وحضرها شخصياتٌ كبيرةٌ في عالمِ العلمِ والادبِ منهم خالدُ الشواف والدكتور احمد سوسة والشيخُ جلال الحنفي والسفيرُ الافغاني في بغداد خليلُ الله وغيرُهم، وأُلقيتْ القصائدُ والكلماتُ وبعضُ الاشعارِ المغناةِ منها على سبيلِ المثالِ قصيدةٌ للشاعرِ اللبناني الكبير جورج صيدح التي ارسلها للاحتفال ِيقول مطلعها:
إذ هنـئـوكَ بـعـيــدِكَ الذهـبـي فـأنــا أُهنــيءُ أمــةَ العــــربِ
إذ أنتَ جـعفرُها وقيــُصرها وخـليـلُهــا فـي دولــــةِ الادبِ
ومن هنا جاء اللقب قيصرا للغة العربية وقد أكد هذا المعنى الشاعر المصري الكبير محمد عبد المنعم خفاجي في قصيدة الرثاء ( الى روح اديب العربية):
دنيا من المجدِ والآمال والهمـــــــــــــم ِ عاش الخليلي يبنيها من العــــــــــدمِ
من مهرجانِك ضجَّ الحرفُ في القلم ِ يا ناسكَ الفكرِ نَمْ في الخُلدِ وابتســم ِ
على يديك أقام الفكرُ دولتــــــــــَـــــــــــهُ وصفق المجُد للفصحى بكل ِفـــــــــــــمِ
لو جُسدَ الُنبلُ والأخلاقُ في رجــــــلٍ لكنتَ انت مثالَ النبلِ والشـــــــــــــــــــيمِ
سل العروبةَ من أحيا مفاخرَهــــــا وهزَّ لحنَ العلا في ثغرٍ مبتســـــــــــــــمِ
ويا عروبةٌ يا مهوى جوارحـــِــــــــنا غيرَ العروبةِ لم تنشد ولم تُـــــــــرمِ
وتاكيداً لذلك ما ذكره الاديب ُالمصري المرحومُ محمد عبد الغني حسن في مقدمتهِ للكتابِ المترجم ( جعفر الخليلي والقصة العراقية الحديثة) عندما ذكر جملةً مهمةً عن الخليلي كانت خاتمةً لترجمته نذكرُها فيما يلي:
– ” ولا شك انّ اجتماعَنا هنا ما بين مسلمٍ ومسيحي، وشرقي وغربي ومصري وعراقي وسني وشيعي وعربي واعجمي هو اجتماعٌ واجماعٌ على المكانةِ الادبيةِ المرموقةِ التي يتمتعُ بها صديقُنا الاستاذ جعفرُ الخليلي الذي تخصهُ هذه الدراسةُ الجامعيةُ بالتفصيلِ والتحليلِ”.
اما موضوع ريادة القصة العراقية ففيها جدل كبير على الرغم من وجود كتاب مهم عنوانه ( جعفر الخليلي والقصة العراقية الحديثة) وهو في الاصل دراسة أكاديمية ونقدية بارزة، ألفها المستشرق الأمريكي الأب جون توماس هامل (John Thomas Hamel) وهي اطروحة دكتوراه في قسم لغات الشرق الأوسط، وترجمها إلى العربية كل من وديع فلسطين وصفاء خلوصي، وصدرت طبعته الأولى عام 1976 عن الدار العربية للطباعة والنشر في العراق ( وأُعيد تداولها وتحقيقها في دراسات لاحقة مثل إصدارات أكاديمية الكوفة لصاحبها الاستاذ محمد سعيد الطريحي فضلا عن اهتمام مجلة الموسم التي تصدر في هولندا) .
في هذه الدراسة تم تثبيت قصة التعساء كاول قصة قصيرة عام 1921 وفي عمر مبكر 17 سنة مع وجود اراء اخرى لريادة قصة في سبيل الزواج لمحمود السيد وارواية الايقاضية لسليمان فيضي مع بروز دور النقاد في تحديد الرائد الاول وبلا شك فان الخليلي من الرواد الاوائل ان تقدم مرتبة او تاخر .
اما قضية اللقب الاخير فقد ذكر الكاتب مشكور الاسدي في ترجمته عن الخليلي بانه قيل للخليلي انك ابو الصحافةِ العراقيةِ فقال أنا ابوها حين يريدون شتَمها ولعنَها بقولِهم لعن اللهُ أبا الصحافةِ أما قصورُها وسياراتُها فليس لي منها شيءٌ.
كُتبَ عن الخليلي الكثيرُ ووصفوا وحللوا اعمالَهُ وشخصيتهُ بشتى انواعِ الصورِ من أصدقائهِ الادباءِ والشعراءِ وحتى السياسيين، ولعلَ اجملَ شيءٍ يمكنُ استنتاجهُ من كتاباتِهم هو اتفاقُهم جميعاً على عمقِ الصداقةِ القويةِ التي يتمتعُ بها الخليلي والتي يُعطيها اكثرَ بكثيرٍ من حقِها مما جعلهم جميعاً يبادلونه بهذا الاحساسِ الرائعِ والامرُ الاخرُ هو سعةُ علاقاتهِ وتنوعُها بحيث لا يميز صداقاتِه على اساسٍ عرقي او قومي او ديني بل من كلِ طيفٍ ولون .
اما الكاتبُ الكبيرُ وديع فلسطين فقد كتبَ عنهُ بما يثيرُ الاعجابَ والشجونَ حيث قال:
– ” من المجني عليهم في دنيانا الادبية حبيبُنا الراحلُ جعفرُ الخليلي الذي كان امةً برأسهِ ومجموعةً من الرجالِ لا تتكرر”.
السفيرُ المغربي في العراق الاستاذُ عبدُ الهادي التازي فقد رافقهُ في بغداد وواصلهُ مراسلاً من المغربِ مؤكداً عمقَ الصداقةِ والمودةِ التي كانت بينهما ومما قاله:
– ” كان الخليلي ابرزَ من سعيتُ للتعرفِ عليهم اثناءَ مهمتي في بغداد، هـــــــــــــــذا الرجلُ ( الموسوعة) الذي كان تحفة َالمجالسِ وزادَ المسافرِ، وقد كانت بدايةُ الاتصال بسببِ ما حبا اللهُ بهِ العراقَ الحبيبَ من تمورٍ ظلتْ في طليعةِ ما يُذكرُ عندما يتحدثُ الناسُ عن أطيبِ ما خلقَ اللهُ من نِعَمٍ”.
وهي اشارة الى كتابٍ الّفهُ الخليلي يحكي قصةَ تمورِ العراق بعنوانِ ( تمور العراق قديماً وحديثاً). ومن الشخصياتِ المهمةِ التي رسمت بأقلامها لوحاتٍ لطيفةً عن سيرة الخليلي الاستاذُ ماجد ذيب غنما النائبُ العامُ في الاردن حيث كتبَ عنه:
– ” اجتمعت فيه صفاتٌ قلَّ أن تجدَها مجتمعةً في غيرهِ فهو شاعٌر واديبٌ وناثٌر وقاصٌ ومؤرخٌ وباحثٌ وصحفيٌ وشخصيةٌ من ألمعِ الشخصياتِ الادبيةِ والاجتماعيةِ ولعل الشيءَ المميزُ في الخليلي هو أنهُ كان صديقاً من أطيبِ الاصدقاءِ وأنبلِهم خُلقاً واروعِهم وفاءً”.
والقصيدة الاخرى للشاعرة ( ام خلدون) عقيلة العلامة والكاتب والمؤرخ اللبناني عجاج نويهض حين قالت:
وأخــا المـروءةِ والوفـــــــــاء وحـــامـلَ القـلـمِ المجــاهــــــــــدْ
ومصورَ الأخلاقِ والعا داتِ فـي شـتــى المقــاصـــدْ
يـوبـيـلُكَ الذهـبـيُ يــــــــــــومٌ فـي الـورى بـــاقٍ وخــــالـــــــــــــدْ
خمسونَ عاماً واليراعُ يـصـوغُ للفُصـحـى قـلائدْ
ردّ عليها الخليلي بالابيات الآتية:
أُمَّ النـُهـى بـنـتَ الأماجدْ مـن طــارفٍ خـضـلٍ وتالدْ
شـمـختْ عُـلاً حـتـى اغتدتْ مـحـسـودةً مـــــن كـلِ حـاسدْ
جمـعـتْ صـفـاتِ الاكـرمـينَ مـن المـحـاسـن والمـحـامدْ
أُمَ الكريماتِ الـحِسـانِ وزوجـــةَ الـعـلـمِ المـجـاهدْ
طـوقـتـني بـبـديـعِ ما قـد صـنـعـتِ مـن دُررِ القـلائدْ
في وصفٍ جميلٍ اوردَه الاستاذُ العراقيُ المغرّبُ مير بصري عن اعمالِ الخليلي حيث ذكر بانه فيها:
– ” الصبغةُ المحليةُ غالبةٌ لكنها مع ذلك انسانيةُ الشمولِ، فالبشرُ هم هم مهما اختلفتْ عصورُهم واقطارُهم— كلُ اولئكَ من أبطالِ قصصِ الخليلي لهم أقرانُهم ونظراؤهم في الازمنةِ الخاليةِ والامصارِ النائية”.
ثم ينتقل بصري الى عمل مقارنةٍ رائعةٍ بين الخليلي وبين الكاتبِ الامريكي وليام سدني بورتر ( 1867- 1910) الذي عُرِفَ باسم مستعارٍ ( أو.هنري) الذي:
– ” خّلدَ في قصصهِ صوراً وشخوصاً من الحياةِ الامريكيةِ في عهد استعمارِ الولاياتِ الغربيةِ والجنوبيةِ فروى احاديثَ المجازفاتِ وبراعةَ النصبِ والاحتيالِ في البورصةِ الماليةِ وسذاجةَ اهلِ القرى وبؤسَ الطبقاتِ الفقيرةِ في المدِن الغنيةِ الصاخبةِ… ويُمكنُ القولُ إن الخليلي قد عَمِلَ لعراقِ النصفِ الاولِ من المائةِ العشرين ما عملهُ او هنري في قصصهِ الساحرةِ لأمريكا منتصفِ القرنِ التاسعَ عشرَ فرسمَ ببراعةٍ فائقةٍ ودقةٍ واقعيةٍ واخلاصٍ فني جميلِ الصورِ والشخوصِ التي عرفها وسمع بها وتخيّلها في عهدِ الانتقالِ والتطور”.
وقد ذكر الكاتب والناقد مهدي شاكر العبيدي بإنَّ:
– ( جعفر الخليلي انفرد بأسلوب ونمط من التعبير هو نسيجه وحده في رشاقته وخلابته وفصاحته—- إنـَّه ( أبو الفرج) لهذا العصر حقا في توثيقاته واستدلالاته، ويكفي أنْ نستذكر مؤلفاته في الوجوه والمناحي الأخرى ليتوكد لدينا هذا التشخيص).
ومن أشهر من ترجم للخليلي هو الاستاذُ الاديبُ المعروفُ مشكورُ الاسدي الذي سجل ذكرياته الشخصيةَ مع بعضِ مذكرات الخليلي ليخرجَ بترجمةٍ واسعةٍ نُشرِت في كتاب ( هكذا عرفتُهم) نقتطفُ منها الفكاهاتِ والحكمَ الآتية:
ذكر الاسدي بان جريدةُ الزمان البغدادي نشرت ذاتَ مرةٍ على لسان الخليلي قولهُ وهو يشكو من مرضِ النقرسِ وهو مرضٌ يسميه العربُ مرض الملوكِ قائلاً لستُ أدري لماذا ليس لي من الملوكِ الا مرضُهم أما رفاهُهم وهناؤهُم فلهم وحَدهم دونَ غيرِهم .
– وللخليلي امثالٌ وحكمٌ تتخللها دعابةٌ فقد نشرت مجلة البيان الكويتية حكمة ترجمت احدى الصحف الالمانية جزءا منها:
– ” ينبغي ان يكون للانسان عمران، عُمرٌ يجرب به وعمر يفيد من التجارب”.